– 1 –

أمام العودة القوية للدولة شاخصة بسلطانها باسطة سطوتها، وبقدر ما تتعالى الصَّيْحات، البريئة والواعية والماكرة، أن أفسحوا لها المجال كي تتخذ كافة التدابير والإجراءات لمواجهة فرضت نفسها على الجميع، تتزايد المخاوف من أن تَستغل الوضع أنظمة ودول وحكومات، تحكم بقبضة الحديد على مجتمعاتها وتحصي على الناس أنفاسها، لتتقدم إلى الوراء في مساراتها التسلطية.

دعونا، منذ البدء، نحصر النقاش في تحليل السياقات الاستبدادية، مادامت كورونا، وهي تضرب النسق الديمقراطي، تجده، رغم صعوبات أنظمته الصحية الآن، مشدودا إلى أطر ومرجعيات قانونية وسياسية ودستورية، وحتى تاريخية وأخلاقية، من شأنها ضمان “دمقرطة ما بعد كورونا”.

إذا كانت للصيحات، المنطقية منها والعاطفية، هواجس تدفعها إلى الاحتماء بالدولة في مواجهة الموت، فإن للتخوفات، المعقولة منها والمُبالِغة، مبرّراتها وتحفظاتها من المسار الذي يمكن أن نغرَق في لُجّة استبداده ظلمات بعضها تحت بعض.

الخلاصة الأولى: في زمن كورونا، نحن أمام مسارات مفتوحة.

– 2 –


تحتاج الدولة، كل دولة، إلى السيف والزيف، العصا والإيديولوجيا، الداخلية والإعلام. فهي تحكم الجماهير بمزيج من الخوف و”الإيمان”، الرهبة والاقتناع المبني على العاطفة لا التفكير العقلاني، مما ينعكس أحيانا في تجليات قاسية تصل حد التسليم التام للاستبداد (“عبودية طوعية” بحسب إيتيان دو لا بويسي).

وفي مثل أوضاع الحروب والكوارث، التي ينشط فيها بشكل أسهل “تصنيع الإجماع” بحسب نعوم تشومسكي (في كتابه “السيطرة على الإعلام: الإنجازات الهائلة للبروباجندا”)، توظف الأنظمة غير الديمقراطية ذراعيها معا، الدعائية والقهرية، لترسّخ المزيد من التسلط والهيمنة، ولتكسب مربعات ومساحات جديدة في معركة الضبط والتحكم، مع تسويق ناعم وصاخب يدّعي أن كل ذلك شيء طبيعي وعادي، ومن “بديهيات” إدارة النظم لمجتمعاتها، ليقع الانزياح التدريجي – في غفلة من الجميع – نحو إكساب الاستثناء والطارئ صبغة الدوام والاستقرار.

يمكننا القول، وبكثير من الوثوقية، أننا، ونحن في سفينة واحدة نواجه جائحة كورونا، أمام مسارات حقيقية لترسيخ المزيد من السلطوية والتحكم في أوطاننا العربية والإسلامية، ليس فقط لأن باحثين ومهتمين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومنابر إعلامية يحذرون من ذلك ويشيرون إليه (خصّصت الصحيفة العريقة “إندبندنت” تقريرا للموضوع)، وليس فقط لأن الإشكال البنيوي والصلب الذي واجهته المنطقة منذ استقلالاتها المنقوصة يتمثل في الإرادة السياسية الغائبة لزعمائها نحو الدمقرطة والتصالح مع شعوبها، ولكن أيضا لأن تجارب سابقة، غير بعيدة كتجربة الربيع العربي، تحذرنا من تسليم رقابنا وتقديم شيكات على بياض.

فالربيع العربي، بكل تلك الهالة الكبيرة التي صاحبته والموجة الضخمة التي ضخّها والآمال الهائلة التي أطلقها، كان فرصة تاريخية للمصالحة والتأسيس والانتقال، وكان فسحة حقيقية أمام الأنظمة لأن تعالج أعطابها وتجدد شرعياتها وتدمج مجتمعاتها في عملية البناء السياسي والنهوض الحضاري.. ولكن، كان ما نعلمه جميعا من إصرار على الاستبداد والاستفراد والاستحواذ، حتى إذا جدَّ الجدُّ وجدَ المواطن نفسه أمام الحقيقة/الكارثة؛ بِضْعُ أَسِرّة تنبئ عن وضع الصحة وباقي القطاعات الاجتماعية الحيوية.

الخلاصة الثانية: بالتوازي مع مواجهة الجائحة، نحن أمام عملية حقيقية لترسيخ المزيد من السلطوية والاستبداد.

– 3 –

بإزاء مسار التغوّل هذا، لم تكن كل أخبار كورونا سيئة، بل حملت في طياتِ شرِّها بعضُ الخير، وفي بطنِ ضرَرِها شيء من النفع؛ ذلك أن العودة القوية للدولة صاحبتها جملة مؤشرات وتجليات تقول أن ثمة مسارا آخر ممكنا، هو مسار الدمقرطة.

لا أظن عاقلا في وطننا، سيفهم ونحن نتحدث عن مسار الدمقرطة أننا على مرمى حجر منه، أو أننا في أشواط متقدمة من السير فيه، أو أننا بإزاء مرحلة انتقالية نُدبِّر تكلفتها ومنعرجاتها نحو الدولة الديمقراطية والمجتمع المنشود، وإنما المقصود أنه يمكن الاتكاء على بعض الممكنات لترسيخ بعض التقاليد وكسب بعض المربعات والمساحات في معركة التحرر الطويلة، كما أن المقصود – في الحد الأدنى – أنه يمكننا بشيء من اليقظة والوعي أن نَحدُّ من غلواء التسلط الذي يراد لنا.

وهنا نقف عند مؤشرين يمكن اعتبارهما، ولربما غيرهما أيضا، “بوصلة قياس”، ونحن نطمح لجر الدولة جرّا نحو المسار المجتمعي الذي نريده لها.

– المؤشر الأول مشترك بين نسقنا التسلطي والنسق الديمقراطي، مع التفاوت البيّن المرتبط بالإمكانات والمنطلقات والغايات، وهو انقياد الدولة الطوعي نحو ممارسة الوظيفة الاجتماعية، والرجوع إلى المساحات التي تركتها وقلّلت من كلفتها المالية اتجاهها، خاصة في قطاع الصحة. فقد وقف الجميع على أن الدولة لا يمكنها التخلي عن خدماتها الأساسية في الشق الاجتماعي، بما فيها الدول التي مكّنت لفعل مدني قوي واقتصاد وطني صلب، بله تلك التي أفرغت جل القطاعات وغادرتها بعد أن تركتها للمجهول.

الجنوح نحو الدولة التدخلية، لا الدركية الحارسة، هو مكسب قديم للإنسانية يتجدد رغما عن الليبرالية العالمية المتوحشة والمخططات الاستبدادية المحلية، ينبغي البناء عليه، وتوريط الدولة بمؤسساتها المختلفة وبنيتها وإداراتها ومكوناتها الصلبة في المزيد من المهام والخدمات الاجتماعية، وربطها بالمسؤولية السياسية والأخلاقية (وفي هذا السياق، يُتفهّم أن يتطوّع الناس والمجتمع المدني للإسهام في صناديق مواجهة الجائحة، لكن يلزم أن تكون كتلته الأساس من مالية الدولة وخزينتها، وإلا فإننا بصدد عملية التفاف كبيرة واستنزاف آخر).

– المؤشر الثاني أجده صادرا وبقوة من بلاد ما وراء البحر، والمتمثل في احترام الأسس والمساطر الديمقراطية، فلا مصادرة للحريات الأساسية (شاهدنا أول أمس احتجاج الإسبان من شرفات منازلهم على ملك البلاد)، ولا قفز على المؤسسات، ولا تحرك في ظل فراغ قانوني (ترامب تقدم بمشروع قانون لموجهة كورونا إلى مجلسي الشيوخ والنواب للمصادقة، وكذلك فعلت السلطات الفرنسية حين تقدّمت قبل يومين بمشروع قانون إلى مجلس النواب لإعلان “حالة طوارئ صحية”…).

هذا المؤشر الجوهري، ينبغي أن يصحبنا ونحن نشارك مشاركة إيجابية هنا، ونحن نراقب خطوات وتدابير السلطة ونتحسس طبيعتها واتجاهها، فلا قبول لصيغة المُراقب من بعيد، المسلِّم لهياكل النظام أن تدبر الأمر بمنطق السيبة أو بمنطق تمرير القوانين التي يُخشى إساءة استخدامها في مواجهة حرية الرأي والتعبير (مشروع القانون رقم 22.20 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة).

الخلاصة الثالثة: ثمة مسار ممكن، وإن كانت فرصه ضعيفة، وهو التمكين لمسار الدمقرطة الطويل، عبر التسلح بمؤشرات القياس الصحيحة، أهمها الخدمات الاجتماعية للدولة واحترام الأطر الديمقراطية.

– 4 –

في زمن كورونا وتخوفاتها وهواجسها، ونحن بصدد الحديث عن الدولة ومساراتها، وإذا ما أردنا أن نعيد تجميع الصورة وتركيبها بحثا عن بعض المخرجات الأساسية، يمكننا أن نستدعي الخلاصات الثلاث:

– نحن أمام مسارات مفتوحة.
– نحن أمام عملية حقيقية لترسيخ المزيد من السلطوية والاستبداد.
– في معركة تحرير الدولة من “الاستبداد”، نحن في حاجة إلى مقياس تدقيق؛ الخدمات الاجتماعية للدولة واحترام الأطر الديمقراطية أهم مؤشراته.

في فترة عصيبة تكثر فيها الالتباسات، وبإزاء البحث عن الممكن الأفضل، ودفاعا عن مسار الدمقرطة، أو على الأقل خروجا من مرحلة “سطوة الدولة” بأقل الأضرار، وحتى لا تقع مجتمعاتنا رهينة تفويض غير مشروط لنظم الحكم وتوقيع على رقعة بيضاء لدول معطوبة، يلزم تعزيز “ممكنات الدمقرطة” والحذر من “مهاوي التسلط”، وهو الأمر الرهين بمسألتين حاسمتين:

– وعي المجتمعات: بأن ما تقوم به الدولة اليوم واجب عليها ومن صميم مسؤولياتها؛ فمصدر السلطة المخولة لممثلي الدولة وصلاحياتهم منبعه سيادة الشعب، ومقدرات البلد وثرواته ملك للشعب، والحاكم وفريق عمله مستأمن على ذلك. هذه المرتكزات التي من شأنها أن تشكل “وعيا نموذجيا”، قد تغيب أحيانا كثيرة في حركة الشارع وفعله، إلا أن ظِلّها يبقى حاضرا في الاحتجاجات والاعتراضات والتساؤلات.

لقد كان الوعي المجتمعي وما يزال منذ الموجة الأولى للربيع العربي في تنامٍ وصعود، رأينا ملامحه في الفيسبوك والإلتراس والراب والاحتجاجات الفئوية والمناطقية… فإن كان من الطبيعي أن تتزحزح “ثقته بنفسه” و”تلتبس” عليه الأمور في لحظة صعبة، فالرهان أن يسترجع نفَسه وإيقاعه ومساره بعد لحظة السَكْرة هاته.

– يقظة المعارضات: يقظة يفترض أن تجمع بين:

* “عقل واع” مدرك لطبيعة تدبير الدولة للحظة متوترة مشوبة بسَكْرة شعبية، فلا تنجر هذه المعارضة إلى الشعبوية الرافضة لكل شيء، لأنها بِنت الوطن وملح البلد، تدفع عن ناسه ما يضرهم، وتنخرط – دون تفويض أو تزكية مطلقة – فيما من شأنه الحد من الوباء.

* و”عين مبصرة” بالمنزلقات الممكنة والمسارات المحتملة؛ مسار ترسيخ التغول وتعزيز الاستبداد، ومسار تثبيت مؤشرات الدمقرطة الاجتماعية والسياسية. مؤشرات من شأنها أن تساهم في الحد من التسلط المفترض وأن تضعنا على سكة الدمقرطة الشاقّة.