عمدت السلطة إلى عدد من الإجراءات التدبيرية لمواجهة وباء كورونا وعبأت له ما استطاعت من إعلام رسمي ومن إعلام موال لها . وساندها في ذلك مختلف الواجهات الإعلامية غير الحكومية وغير الدائرة في فلكها ومنها المعارضة لها .

لكن تعالت عدد من الأصوات تريد أن تقمع أي رأي ينتقد السلطة الآن في تدبيرها لمواجهة جائحة كورونا عافانا الله وإياكم منها بحجة أن الوضع يستلزم تركيز كافة الجهود على مواجهة الوباء . ونحن نرى أن العكس هو الصحيح . فلابد للعين اليقظة للمجتمع المدني أن تبقى مرابطة تلاحظ وتتابع وتقيم وتصوب تصرفات السلطة حتى لا تحيد عن التطبيق السليم للقانون وحتى لا تستغل ظروف الوباء لتتغول على المواطن وتسخر الوضع للإغراق في مزيد من السلطوية والظلم خصوصا ونحن أمام سلطة غير ديمقراطية. ولا مجال لأن يزايد أحد على أحد هنا فالعدل والإحسان مثلا كانت من السباقين إلى تعميم نشرة صحية رسمية عبر قطاعها لأعضائها ولعموم المواطنين تبين طرق التعامل مع الوباء. وكانت أول من بادر إلى توقيف جميع الأنشطة والتجمعات قبل السلطة. أقول قبل السلطة وقبل غيرها.

وقد أعلنت السلطة عن إحداث صندوق جديد جمع له لحد الساعة حوالي 22 مليار درهم ( 2 مليار دولار).

ومن خلال تتبعي للجهات المتبرعة لهذا الصندوق وهي مشكورة على ذلك رغم أن فئة من هؤلاء قلت أو كثرت قد جمعت مالها أصلا بطريقة غير عادلة وبنهب لشطر كبير من أموال الشعب . وبتقديرات تقريبية تكون قد ساهمت ب 01 في 1000 من ثروتها . يعني أقل بكثير مما كانت قد تساهم به من الزكاة لسنة واحدة فقط 2.5 بالمائة من أجل المحتاجين و المحرومين.

رغم أن الأصل أن الشعب له الحق في ماله من ثروة الوطن في الكوارث وفي غيرها لا أن يوضع في وضعية المنتظر للصدقات.
وقد قررت السلطة معونات بقيمة 2000 درهما شهريا للمسجلين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي(CNSS ). لكن وجب التنبيه أن أغلب العاملين في القطاع غير المهيكل(حيث لا حقوق كاملة ولا تطبيق كلي للقوانين ولا حد أدنى للأجر ولا عطلة رسمية وعمل مضني قد يمتد الى 12 ساعة في اليوم وأكثر..) غير منخرطين في هذا الصندوق وهم في حاجة ليصلهم الدعم من يومهم هذا.
منهم سائقو النقل العام والنقل المدرسي والفراشة وبائعو الخضر والفواكه وبائعو البيض ومشتقات الطحين المختلفة (مسمن بغرير…) والحلويات والحلاقون والمشتغلون في الفلاحة وفي البناء ومدربو الجمعيات الرياضية والبحارة والمياومون وعمال المقاهي والمطاعم والخبازة والخياطة وأصحاب مهن النجارة والحدادة والصباغة وعمال وعاملات الحمامات وأصحاب المهن الحرة للصيانة المنزلية بكل أنواعها وعمال البستنة والمساعدون والمساعدات في المنازل وعمال النزل والصناعة التقليدية والنسيج ومساعدو التجار ومصلحو السيارات ومنظفوها وغيرهم… لذا فالضرورة تدعو إلى آلية شفافة وعادلة وغير فاسدة ليصل الدعم لمستحقيه.
ويسهم هذا القطاع غير المهيكل بأكثر من 12في المائة من الناتج الداخلي الخام للاقتصاد المغربي، ويوظف حوالي 3 ملايين شخص بكتلة أجرية شهرية تفوق6.8 مليار درهم شهريا و يشكلون 40 في المائة من العاملين في المغرب منهم حوالي 500 ألف في قطاع الفلاحة وحدها.

بمعنى أنه ما جمع للصندوق المرصود لوباء كورونا لحد الآن وهو 22 مليار درهم لا يكفي إلا لتغطية أجور العاملين ل 3 أشهر فقط لا قدر الله لو توقف وحده القطاع غير المهيكل.

واذا كانت هذه فقط كتلة أجور العاملين دون حساب التبعات الاقتصادية للمشغلين فهذا يعني أنه إذا استمرت الأزمة لا قدر الله فينبغي البحث عن معقول العمل وهي الأموال الحقيقية للفوسفاط وللمعادن وإرجاع الأموال المنهوبة داخليا والمهربة خارجيا. كيف وقد حكم فيروس كورونا أنه لا مفر من المغرب إلا إليه.

سنة 2016 تم إصدار القانون رقم 110.14 المتعلق بإحداث نظام لتغطية الوقائع الكارثية وتغيير وتتميم القانون المتعلق بمدونة التأمينات، إذ يكرس هذا القانون مبدأ التضامن الوطني المنصوص عليه في الدستور المغربي في الفصل 40 الذي ينص أنه ” على الجميع أن يتحمل، بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد”. وفي شتنبر الماضي فقط اجتمع مجلس إدارة هذا الصندوق برآسة رئيس الحكومة. وصادق مجلس إدارة الصندوق، على ميزانيته وعلى الهيكل التنظيمي ونظام الصفقات الخاص بالصندوق وذلك حسب الصيغة المتفق عليها مع المصالح المختصة بوزارة الاقتصاد والمالية.

ومن المداخيل التي رصدت لهذا الصندوق هي زيادة قيمة مالية قد تصل أحيانا إلى 200 درهما في أقساط تأمين العربات والدراجات تخصص لهذا الصندوق . وصرح وزير حقوق الانسان مصطفى الرميد في نهاية دجنبر الماضي أن صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، الذي حُددت الميزانية المرصودة له في مشروع قانون المالية لسنة 2020، سيكون عليه تأمين دولي، سيُلجأ إليه لصرف التعويضات للمتضررين من الوقائع الكوارثية، في حال حدوث كارثة كبرى، وعجز الصندوق عن تغطية تعويضات المتضررين.

وأوضح الرميد “إذا لم تسعف إمكانيات صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية سيتم اللجوء إلى التأمين الدولي لضمان الإغاثة اللازمة”، مشيرا إلى أن التأمين الدولي سيمكّن من صرف تعويضات المتضررين “في أربع وعشرين ساعة”.

فأين هذا الصندوق ؟ وأين اقتطاعاته ؟ وأين التأمين الدولي الذي سيتدخل في 24 ساعة ؟! وأين نصيب وسائل النقل الآن من هذا الصندوق الذين هم أصلا مساهمون فيه ..؟

وقد كشفت عدة تقارير خلال هذه السنة بالمغرب عن وجود مجموعة من الاختلالات في طريقة تدبير 65 من الحسابات الخصوصية، (سمها صناديق سوداء أو حمراء أو صفراء..)

والتي تتوفر على أرصدة كبيرة وصلت إلى أكثر من 90 مليار درهم،( حوالي 9 مليارات دولار ) لكنها غير مستعملة رغم الحاجة الماسة لها في المجالات الاجتماعية كالصحة والتعليم كما أكدت على ذلك تقارير سابقة رسمية للمجلس الأعلى للحسابات.

وأظهرت هذه التقارير أن هذه الحسابات غير خاضعة للرقابة البرلمانية، وفي مقدمتها “صندوق دعم التماسك الاجتماعي” و”صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية”.

مما يعني أن طريقة تدبير مختلف هذه الصناديق السوداء لا تخضع للشفافية، وأننا معشر الشعب المغربي لا نعرف أين تصرف أموالنا.

ومن جهة أخرى أوردت المنظمة العالمية للشفافية أن الكلفة السنوية للفساد في الصفقات العمومية للمغرب بلغت أكثر من 27 مليار درهم ( 2.5 مليار دولار ) هذا في الصفقات العمومية فقط . فكيف هو الرقم في المجالات الأخرى ؟!

فالسؤال المطروح لماذا لم يتم استعمال 90 مليار درهم المكدسة في الصناديق الخصوصية كما ذكر ذلك المجلس الأعلى للحسابات ؟ ولماذا تم اللجوء الى استحداث الصندوق 66 ( أ ورقمه ربما أكثر من ذلك..) والدعوة إلى الإسهام فيه عن طريق التبرعات؟!

في وقت الأزمات الكبرى تنفع العدة الاستراتيجية التي تم العمل على ترسيخها عبر سنوات وتتركز في خمس مجالات وهي التعليم والتنمية والإدارة والديمقراطية والأمانة.

التعليم بما يعني معرفة وتربية منتشرة في أكبر عدد من الشعب ترفع من نسبة الوعي والتفاعل مع الإجراءات المعقولة وبما يعني من تلقائية في التضامن والتكافل والتراحم والمواساة وخدمة الغير. وبما يعني من بحث علمي يوفر الاكتفاء من الدواء ويسهم في تشخيص كل داء وفي البحث عن اللقاح.

والتنمية بما تعني من جاهزية في كل المرافق الاجتماعية وأساسا في الحالة الراهنة تجهيز القطاع الصحي بما يلزم خدمة دائمة للمواطن وتحسبا لكل جائحة.

والإدارة بما تعني من بنية فاعلة ومنتشرة وسريعة من أجل تطبيق الإجراءات المعقولة.

والديمقراطية بما تعني من شفافية ومن وضوح ومن عدالة اجتماعية ومن ثقة بين الحاكم والمحكوم ومن طمأنينة على الحاضر والمستقبل.

ومن أمانة بما تعنيه من إخلاص في العمل وفي الصدق في إغاثة كل ملهوف وأساسا في عدم السرقة ونهب المال العام والخاص.

ولا أحتاج إلى إسقاط هذا التوصيف على بلادنا فليس مكانه في هذا الموضوع من جهة ومن جهة أخرى لأنه كما يقال تفسير الواضحات من الفاضحات فالكل يصطلي بالواقع ويعلم حلوه ومره .
في الحقيقة نحن الآن أمام خيارين الخيار الأسوأ للجميع وهو الحرص على استغلال فرصة هذا الوباء لترسيخ مزيد من السلطوية والتعويل على تمتين هياكل دولة بوليسية تشتغل بنفس آليات الفشل القديمة وتواصل خضوعها لإملاءات صندوق النقد الدولي و التي يا عجبا جربت عشرات السنين وأعطت نفس النتائج الكارثية وبالتالي الموعد لاقدر الله مع تصدع سياسي واجتماعي غير مسبوق على الأقل على المدى المتوسط.
أو الخيار الثاني وهو الأسلم للجميع وهو القطع مع إملاءات المؤسسات المالية الدولية والتوجه نحو الشعب بالتعويل عليه في مصالحة مجتمعية حقيقية تؤسس لمغرب الكفاءات والحقوق والتنمية والديمقراطية والحريات والحماية الاجتماعية للجميع عوض مغرب المكافآت والتملق والاستبداد والمظلومية الاجتماعية.

فإنما أوتينا من باب التخلف وسوء التدبير والتبعية العمياء وغياب المقومات الضرورية لكل تنمية وتقدم.

فاللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. وارفع عنا وعن الإنسانية جمعاء هذا الداء. وكل داء وكل بلاء.

والحمد لله رب العالمين.

محمد حمداوي عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية للعدل والإحسان

الرباط في 27 رجب 1441
22 مارس 2020