بقلم ذ محمد النويني محام وباحث في القانون الدولي الإنساني

أصدرت الدولة المغربية تباعا عدة قرارات سيادية وإدارية وأمنية لمنع تفشي وباء كورونا، من قبيل إغلاق حدودها وتعليق جميع الرحلات الجوية والبحرية والبرية، وتعليق الدراسة وإغلاق المقاهي والمطاعم وجل المرافق العامة الحساسة والحيوية بما فيها المساجد و المحاكم والمرافق الإدارية.

حيث جاءت هاته القرارات بعدما حصد هذا الوباء عدة ضحايا من بني البشر حسب آخر إحصاء صادر عن منظمة الصحة العالمية لما يزيد عن 190 ألف حالة إصابة حول العالم، في حين بلغ عدد الوفيات إلى 7500 حالة في 162 بلدا.

لكن بموازاة ذلك تم إغفال أخطر بؤرة يمكن أن يؤتى منها المواطنين و الوطن، والمتمثلة أساسا في المؤسسات السجنية المكتظة بالموقوفين رهن الحراسة النظرية والمحكومين الذين يتجاوز عددهم بالمغرب حسب آخر إحصاء رسمي صدر سنة 2018 إلى83757 سجينا، يؤطرهم 11268 موظفا فقط .

لقد وجهت عدة نداءات بموازاة تداعيات تفشي وباء كورونا تطلب من خلالها الدولة المغربية تحمل مسؤوليتها في ضمان الحماية الصحية للمعتقلين الموجودين بمؤسساتها السجنية، وذلك باتخاذ مجموعة من الإجراءات الاستباقية كتدابير وقائية من انتشار فايروس كرونا المتجدد، ومنها الإفراج على العشرات من معتقلي الرأي وعلى رأسهم نشطاء الحراك الاجتماعي بالريف والمدونيين والصحافيين والسياسيين، وكذا استعمال المكنة القانونية المنصوص عليها في المواد 622 إلى 632 من قانون المسطرة الجنائية والمثمثلة في الافراج الشرطي للذين قضوا أكثر من ثلثي العقوبة الحبسية ويشهد لهم بحسن السيرة والسلوك.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الدول سبقتنا لمثل هكذا إجراءات منها إيران التي سرحت 85 ألف سجين بسبب المخاوف من انتشار فيروس “كورونا” وكذلك الأردن سرحت 1500 معتقل في حين أطلقت البحرين سراح 900 سجين كدفعة أولى بينهم نساء وصغار في السن ومرضى،بينما أصدرت وزارة الداخلية العراقية تعليمات بإطلاق سراح جميع الموقوفين على ذمة التحقيق في كافة المحافظات تفاديا لتضررهم من تفشي الوباء المعدي والقاتل.

كما ينبغي أن يتم توجيه مذكرات إلى مؤسسات النيابة العامة إلى التوجه نحو المتابعة في حالة سراح للمشتكى بهم والموقوفين على ذمة التحقيق من أجل القضايا التي لا تشكل خطرا على أمن المجتمع تخفيفا من الاكتضاض داخل المعتقلات،علما أن ما يفوق ثلت سكان السجون المغربية معتقلين احتياطيا بحيث يصل عددهم إلى 32 ألفا و732 سجينا وهو ما يعادل نسبة 39.08 %، في مقابل 51 ألفا و25 من المحكومين نهائيا والمكرهين بدنيا.

وارتباطا بنفس الأمر سبق لوزير حقوق الإنسان أن أقر بالوضعية الكارثية للسجون في المغرب، وقال إن “ظاهرة الاكتظاظ في بعض السجون باتت اليوم مؤلمة ومسيئة”.
كما كشف أن نسبة الاكتظاظ في السجون بلغت 138 في المائة، بمعدل لا يتجاوز 1.89 مترا لكل سجين، مضيفا أن هذه المساحة المخصصة للسجين “تتنافى ومقومات ما ينبغي أن تتوفر عليه أي مؤسسة سجنية تحترم حقوق السجناء”.

إن استمرار السجناء الحياة في هاته الظروف تشكل خطرا على حياتهم وفيه انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية و شروط النظافة و الصحة و السلامة البدنية و النفسية للسجين و هي حقوق أقرها الفصلان 113 و 114 من القانون المتعلق بتسيير المؤسسات السجنية حيث يجب أن يتم الاعتقال في ظروف ملائمة للصحة و السلامة سواء تعلق الأمر بتهيئة البنايات و صيانتها و كذا تطبيق قواعد النظافة الشخصية كما يستلزم أن تستجيب محلات الاعتقال لمتطلبات الصحة و النظافة مع أخذ المناخ بعين الاعتبار و خاصة ما يتعلق بالحيز الهوائي و المساحة الدنيا المخصصة لكل معتقل و التدفئة و الإنارة و التهوية.

وهذا ما أقر بالفعل في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وما نصت عليه مواد العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على أن السجناء لهم حق في أعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية.