انتشار فيروس كورونا المستجد بات مقلقاً لكثير من المحللين، فمع انتشار عدواه المخيفة، صارت تنتشر عدوى أخرى تقلق المجتمعات الطامحة للحرية، وهي عدوى إضعاف الديمقراطية.

تقرير تحليلي لصحيفة الإندبندنت البريطانية رصد فيه بورزو دارغاهي (Borzou Daragahi) مُعِدّ التقرير أبرز السياسات التي قامت بها حكومات الدول من أجل التصدي للفيروس، والتي رغبت من خلالها في تعزيز نفوذها أو بسط سيطرتها الإضافية على المجتمع، وذلك عبر فرض حزمة من الإجراءات التي لطالما حاولوا فرضها من قبل، وإن عرضت حياة الناس للخطر.

ملاحقة حركة الناس ومراقبة هواتفهم وتعزيز العداء تجاه المهاجرين مع استخدام الإجراءات الطارئة كانت أبرز الأمثلة المقلقة، والتي جعلت مجموعة خبراء متيقنين من أن الوباء سيعيد تشكيل السياسة العالمية، عبر زيادة تشدد الأنظمة الديكتاتورية مقابل تراجع الديمقراطية في بعض الدول، خاصة في ظل دول هشة يحاول طغاتها تقوية حكمهم، مستغلين الإجراءات الاستثنائية لخدمة أهدافهم السياسية.

داعمو السياسات المعادية للأجانب بالبيت الأبيض قاموا باستغلال انتشار فيروس من أجل تقوية سيطرتهم على الحدود، التي لطالما أرادوا السيطرة عليها. وفي هنغاريا أيضاً قال رئيس البلاد إن هناك “رابطة واضحة” بين المهاجرين وانتشار فيروس كورونا، وهو الذي بنى مسيرته السياسية على شيطنة المهاجرين.

عمدة شيكاغو لوري ليتفوت قالت مخاطبةً الرئيس دونالد ترامب، في رد على تقارير عن ساعات انتظار لمدة ثماني ساعات للمسافرين الذين ازدحموا في المطار الدولي، بأن “هذا وضع غير مقبول”، مضيفةً أن “هذا قرار رجعي تم التخطيط له بطريقة سيئة، وذلك لترك آلاف المسافرين في (مطار أورهاري) عرضة للمخاطر الصحية”.

الكيان الصهيوني بدوره قام بانتهاز الفرصة من أجل ملاحقة حركة الفلسطينيين ومراقبة هواتفهم النقالة، حيث دفع بقرار سريع، يتجاوز السلطة التشريعية للكنسيت، يسمح للأمن الداخلي باستخدام التكنولوجيا واستهداف الفلسطينيين، والتنصت على بيانات الهواتف النقالة التي يستخدمها المصابون بفيروس كورونا. واستنكرت جمعية الحقوق المدنية القرار، وقالت أمام المحكمة: “إن قيام الفرع التنفيذي بتجاوز الفرع التشريعي، وتوسيع سلطاته لموضوع مدني يعتبر أمراً خطيرا وغير مسبوق ومنزلقاً خطيرا”.

ولم يضيع نتنياهو الفرصة التي تعطيها له حالة الطوارئ العامة، بحيث سيطر على شاشات التلفزة في البلاد وقدم تقارير يومية عن وضع فيروس كورونا والقيود الجديدة وحاول طمأنة السكان في الوقت نفسه، بالإضافة إلى ذلك تم إعفاؤه من الإهانة والظهور أمام المحكمة لمواجهة تهم الفساد التي كانت تلاحقه.

وفي الهند يستخدم الحزب الهندوسي الحاكم لـ”ناريندرا مودي“- رئيس وزراء الهند الحالي- انتشار فيروس كورونا كوسيلة لشيطنة المسلمين الذين يحتجون منذ منتصف دجنبر الماضي على قوانين المواطنة الجديدة. وقال كابيل ميشرا وهو سياسي هندوسي بارز إن الفشل في فض اعتصام المسلمين يجعل المشاركين فيه “مثل إرهابيين في مهمة انتحارية” و”يجعلهم تهديدا مباشرا على كل سكان دلهي“.

أما مصر التي ظلت متكتمة لمدة طويلة عن الإصابات بالفيروس بالبلد، فقامت يوم الثلاثاء بمصادرة التصريح الصحافي لمراسلة الغارديان بسبب تقرير لها تساءلت فيه عن أرقام الحكومة المتعلقة بحالات فيروس كورونا، وفي إيران وتركيا تم تهديد أي صحافي بمصادرة تصريحه لو نشر معلومات تناقض المعلومات الرسمية.

وفي الفلبين أيضاً يخشى المشرعون والنقاد من عدم رفع الحكومة الديكتاتورية لـ”رودريغو دوتيرتي” القيود التي يريد بقاءها، حيث أعلن عن “حالة الكارثة” لمدة ستة أشهر، وهي مدة أطول من بقية الدول التي علقت الحياة العامة. أما رئيس الوزراء الروماني “لودوفيتش أوربان” فقد اختفت مشاكله وإن بشكل مؤقت، حيث منح نفسه سلطات جديدة، وقال فلاد ألكسندرسكو عن البرلماني الروماني “كان تصويتا في ظل ظروف غير عادية ولم تكن هناك مساحة للمعارضة” وذلك في الجلسة التي عقدت لتوسيع سلطات رئيس الوزراء.

وأورد دارغاهي نقلاً عن خبراء مرتبطين بالأمم المتحدة ويضمون عددا من المقررين الخاصين في قضايا حماية حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية قولهم إنه “في الوقت الذي نعترف فيه بخطورة الأزمة الصحية الحالية ونعترف أن استخدام قوانين الطوارئ مسموح به في القانون الدولي رداً على تهديدات معينة، إلا أننا نذكر الدول بأن أي رد على فيروس كورونا يجب أن يكون متناسبا وضروريا وغير تعسفي“. وأضافوا أن “إعلانات الطوارئ التي تقوم على مواجهة وباء كوفيد-19 يجب ألا تستخدم لاستهداف جماعات أو أقليات أو أفراد بعينهم” و”يجب ألا تكون غطاء للقمع تحت ستار حماية الصحة، ولا يجب استخدامها لإسكات المدافعين عن حقوق الإنسان“.

وكما نُظر يوماً لحرق مبنى الرايخستاغر “Reichstag fire” في ألمانيا عام 1933 كإشارة على تركيز السلطة، فإن هناك مخاوف كبيرة من استخدم وباء كورونا لفرض إجراءات دائمة. تقول إريكا فرانتز (Erica Frantz) لمعد التقرير، وهي أستاذة العلوم السياسية بجامعة ولاية ميتشغان ومؤلفة كتاب “الاستبداد وما يحتاج كل واحد معرفته عنه (Authoritarianism: What Everyone Needs to Know)” إن “لدى الأنظمة الديكتاتورية الميزة للرد بشكل مناسب لأنها لا تحتاج للتعامل مع مؤسسات الرقابة الحكومية”. والحكام الديكتاتوريون لا يضعون مصلحة الشعب نصب أعينهم.

وفي الوقت الذي يقول فيه علماء السياسة إن الأزمات تجمع الناس معاً وتوحدهم أمام الهدف المشترك، إلا أنها تمثل فرصة للأنظمة الديكتاتورية لعمل العكس. وتضيف فرانتز بقولها “الأزمة تمثل مخاطرة للديمقراطيات أكثر من أي شيء آخر” و”أنظر إلى هذه الأزمة كفرص للحكومات كي تقمع، وعلينا النظر إلى أحداث الأزمة التي يمكن استخدامها للتحول عن الديمقراطية“.