أفول الواجب (ما بعد الأخلاق)

ما بعد الأخلاق يثير معنى مخيفا لدى كل غيور على الأخلاق، فيتساءل: هل ستنتهي الأخلاق يوما فيعيش العلام بدونها؟ نترك الجواب على هذا السؤال للمفكر والفيلسوف الفرنسي “جيل ليبوفتسكي”. فقد كتب كتابا حول الموضوع عنونه بـــــ”أفول الواجب: الأخلاق غير المؤلمة للأزمنة الديمقراطية الجديدة”، يستعرض فيه المراحل التي مرت منها الأخلاق تاريخيا لتصبح أخيرا في “المابعد”. فعبر عن هذا بــــــ”أفول الواجب”، لأن الأخلاق عبارة عن واجب يقوم به الإنسان. وأفول يقصد به معنيين:

الأول: النهاية، بأن نتصور أخلاقا جديدة غير ملزمة وغير مؤلمة مكان الأخلاق التقليدية.

الثاني: الاستكمال والذروة، بأن نتصور أخلاقا مكتملة بلغت ذروتها واستنفذت أغراضها.

فاعتبر الكاتب أن الاهتمام الكبير بالمسألة الأخلاقية في هذا القرن الواحد والعشرين قد خلق نقاشا واسعا. وقال: “القرن الواحد والعشرون سيكون أخلاقيا أو لن يكون” 1.

وجميع المحاولات التي يقوم بها الحداثيون للعودة إلى الأخلاق فيها نوع من المكر والخداع، هم لا يدعون إلى الانقطاع عن الأخلاق التقليدية وتركها، لكنهم يعملون على تحويلها إلى أخلاق ظاهرها تقليدي وباطنها علماني. محاولات تشبه نوعا من الانقلاب عليها، أرّخ لها صاحب الكتاب من خلال ثلاث مراحل:

الأولى: مرحلة الأخلاق التقليدية (الدينية): حيث كان الدين يحتل المركز الذي تدور حوله الأخلاق. وقد دامت هذه المرحلة التي تجسدت فيها الأخلاق واقعا سلوكيا في حياة الناس إلى حدود القرن السابع عشر. يقول: “لا يمكن وجود الفضيلة دون معرفة الإله الحق ومحبته، والسبب الذي يجب أن يدفع لممارسة الفضيلة ليس هو الاحترام الأخلاقي للإنسان، ولكن إرادة الربّ وعظمته” 2.

الثانية: مرحلة الأخلاق المعلمنة (ما بين 1700- 1950): في هذه المرحلة جاءت الحداثة يحمل لواءها أساطنة الفكر والفلسفة والعقلانية فنادت بتحرير الإنسان من الدين، وذلك بأن يصبح العقل هو المركز الذي تدور حوله الأخلاق وليس الدين. وهي أخلاق ترتكز على الحريات الفردية وحق المواطنة والمساواة وغيرها. غير أن الواجب الذي كان يمثل الأخلاق في المرحلة الأولى ما زال حاضرا بشكل من الأشكال في المرحلة الثانية. يقول جيل: “نجح العصر الحديث في فرض فكرة حياة أخلاقية بمعزل عن الإيمان، والمساواة المبدئية -في مجال الأخلاق- بين المؤمن وغيره، انفتحت الحياة الأخلاقية للجميع، بقطع النظر عن الآراء الميتافيزيقية” 3. هذا يعني أن الحداثة جاءت لتجعل الأخلاق في مرتبة أعلى من الدين. وأن الأخلاق المعلمنة هي الكفيلة بأن تجعل المجتمعات الإنسانية تعيش الاستقرار والأمن. أما الأخلاق التي كانت تعبر عن الواجب تجاه الفقراء والمحتاجين والمستضعفين في شكل جمعيات خيرية إحسانية تمّ استنساخها لتصبح علمانية مستقلة بيد الحكومات تقوم بنفس الدور والوظيفة.

المرحلة الثالثة: ما بعد الأخلاق: وهي مرحلة جديدة تعيشها الحداثة تزعم فيها أنها حررت الإنسان من الأخلاق التي كان مصدرها العقل كما حررته من الأخلاق التي كان مصدرها الدين. لتصبح الأخلاق مصدرها الهوى، تدور حول المتعة أينما وجدتها ولا علاقة لها بالواجب. وبهذا التحول الخطير تمّ نزع ما تبقى للأخلاق من مصداقية في الواجب الأخلاقي. يقول جيل عن هذه المرحلة الثالثة: “العصر الذي يتمّ فيه تخفيف الواجب وإضعافه، وتنزع الشرعية اجتماعيا عن فكرة التضحية، ولا تتطلب الأخلاق تكريس النفس لغاية عليا متجاوزة للذات. وتسيطر الحقوق الذاتية على الوصايا المتحتمة، وتستتر دروس الأخلاق وراء الإعلانات لحياة أفضل، وشمس العطل، والترفيه الإعلامي” 4.

في هذه المرحلة ما بعد الأخلاق يتمّ تجاوز حدود المباح والممنوع، الخير والشر، الحسن والقبيح، مما سينتج فراغا أخلاقيا على مستوى الفرد، وفراغا قيميا على مستوى المجتمع. ومن مظاهر هذا الفراغ الأخلاقي وجود صراع أخلاقي حول مواضيع كانت بالأمس في دائرة المحظور دينا وعقلا. مثل: الإجهاض، الاغتصاب، المثلية، حرية الاعتقاد… وذلك لتمييع الأخلاق. ويُرجِع الكاتب السبب وراء أفول الواجب أي انهيار الأخلاق بتعبير واضح وأدقّ إلى الاستهلاك المفرط. أو ما يُطِلق عليه بـــــ”الاستهلاك الفائق”. ذلك أن حياة الإنسان لم تعد بسبب هذه الثقافة المكرسة والمرسخة تتطلب الحاجات الضرورية فقط، بل تتطلب الرفاهية العالية والمتعة.

وفي الوقت الذي تُحطم فيه الأخلاق بشكل فظيع، تدعو الحداثة إلى الحس الأخلاقي لتجنب ما قد ينجم عن هذا الفراغ الأخلاقي المستبدل بالاستهلاك والمتعة، من أمراض وعواقب تضرّ بالصحة والمجتمع. يقول الكاتب: “يبنى عصر الاستهلاك على الإثارة المستمرة للرغبات المادية والشهوانية، ومن جهة أخرى لا يكلّ من السعي إلى القضاء على ما يشبه “المتع غير المنتجة”: جميع الطاقات ينبغي أن تصبح عملية ومحسّنة ومستفاد منها، وينبغي أن تكون صحية ومسؤولة، وينبغي المحافظة على الشباب واللياقة البدنية” 5. فصار شعار المرحلة “أنا استهلك أنا موجود”، أو “قل لي ماذا ترمي أقول لك من تكون”.

كما يضيف الكاتب أن هذه الأخلاق المعلمنة كانت دائما في خدمة الإنسان، لكن الذي لم يكن متوقعا من هذه الخدمة هو تحول هذه الأخلاق الفردية إلى الفردانية (الأنانية المستعلية)، وذلك بالسقوط في المطالب الذاتية ولو على حساب الكرامة الإنسانية. فمثلا الانتحار، كان في المرحلة الأولى من الحداثة فعلا لا أخلاقيا. أما في مرحلة ما بعد الأخلاق أصبح الانتحار أمرا نفسيا. “إنه يثير التساؤل أكثر مما يثير الانكار، والتعاطف أكثر من النبذ” 6. بل صار الانتحار مطلبا تحت مسمى “الموت الناعم” أو “الموت الرحيم”. إلى جانب الانتحار هناك مطالب أخرى مثل “اختيار الجسد”، و”التحول الجنسي”، و”المتاجرة بالأجساد”، و”رياضة الموضة” للتباهي بالجسد. وقد وظفت الحداثة كذلك أنواعا من الرياضات للتعويض عن الفراغ الروحي عند الناس الذي خلفه تغييب الدين من حياتهم.

إلى جانب ذلك أكد الكاتب على أن الدعوة إلى الأخلاق من قبل الحداثة هي كلها في سياق أفول الواجب والفضيلة. يقول: “إذا كانت الأخلاق تحظى اليوم بعودة المشروعية لها، فإن هذا لا يعني إعادة تسجيل الأخلاق القديمة لآبائنا في قلب مجتمعاتنا، بل بروز ضبط أخلاقي من نوع لا مثيل له من قبل” 7. ومن مظاهر هذا النوع الأخلاقي: تراجع المثل العليا في الاهتمام بالآخر كالمحبة والإيثار والكرم. وهو تراجع ملأت فراغه ظاهرة المساعدات ذات الطابع الإحساني لصالح الفقراء والمحتاجين واللاجئين، يتزعمها فنانون وممثلون ولاعبون وسياسيون وغيرهم. وتقوم وسائل الإعلام بتغطية هذه الأنشطة تحت غطاء ما يسمى بـــــ”الإعلام الإحساني”.

وحتى تتم هذه العملية التي ترمي إلى إفراغ الأخلاق من روحها، تمّ التركيز على قيم مهمة في المجتمع، وهي: الأسرة والعمل، والمواطنة والانتماء. وجعلها كلها قيما وأخلاقا في خدمة الفردانية. يقول جيل ليبوفتسكي: “العمل والأسرة والوطن: هذا الثلاثي يؤكد رسميا أولوية الواجبات على الحقوق الفردية، وأولوية الجهد على قيم المتعة، والطاعة على المطالبات” 8. نفهم من هذا الكلام بأن الأسرة أصبحت مؤسسة غير مرغوب فيها. والعمل الذي كان واجبا تجاه الذات والأسرة والمجتمع، أصبح وسيلة للتميز والبحث عن الثراء والغنى الفاحش. أما المواطنة الحقّة فتمّ القضاء عليها بتغييب مطلب التضحية والدفاع والانتماء عن طريق التشجيع على الهجرة وتسهيل عملية التنقل بين دول العالم.

التجديد الواجب (اليقظة الأخلاقية)

في هذه الآونة الأخيرة كانت هناك عودة للأخلاق إلى واجهة الحديث والتأليف من جديد نظرا لما يعيشه العالم من تحولات خطيرة ساهمت بشكل كبير في تردّي الأخلاق وانحطاطها. وهذا بالتأكيد عمل مخطط ومنظم وراءه مجموعة من الأطراف لها أياد خفية تعمل ليل نهار من خلال وسائل الإعلام والمنظمات النسائية والجمعيات الحقوقية لهدم الأخلاق وتحطيمها. وبما أن التربية على الأخلاق تتم عن طريق مؤسسات الأسرة والمدرسة والمسجد والبيئة المجتمعية، فإن معاول الهدم موجهة بالدرجة الأولى إلى هذه المؤسسات التربوية. ولذلك بات الدفاع عن هذه المؤسسات والحفاظ عليها مسؤولية في عنق كل غيور على الأخلاق السامية.

ولا عجب أن نسمع عن هذا التردي الأخلاقي ونعيشه في مجتمعاتنا يوميا، فالذين يرسمون السياسات ويقررون في أعلى المراكز يخططون لعالم ما بعد الأخلاق. عالم يريدون أن تختفي منه الأخلاق والقيم وتسود فيه الحرية الفردية والجماعية المطلقة التي لا تعترف بأي شرع يدعو إلى الحياء والعفة والطهارة، بل ولا تعترف حتى بعرف من الأعراف المجتمعية التقليدية. تمرد كامل على الحقيقة الإنسانية من أجل الهُويّ بها إلى الطبيعة الحيوانية. فالحفاظ على الأخلاق بالاتصاف بها ذاتيا والعمل على نشرها في المجتمع جماعيا، هذا هو الحصن الذي سيشكل الملاذ الأخلاقي للإنسان من الاستدراج إلى هذا المستنقع الخبيث من المسْخِ الأخلاقي. فالمعركة إذا هي معركة الأخلاق، بين من يحمل راية الأخلاق ليرفع من حقيقة الإنسان وكرامته، ومن يحمل المعول لهدمها حتى يهوي بالإنسان إلى الأسفل سافلين.

ويمكن لهذا التجديد الواجب للأخلاق أن يعتمد على الأسس التالية:

أولا: المصدرية: أن تكون الأخلاق حسنة مصدرها القرآن والسنة، ومن معينهما تستقي، وحول مركزهما تدور.

ثانيا: التلقي: لابدّ من صحبة صالحة وجماعة صالحة. فإن الطباع تسرق الطباع. والصحبة تشرب قلبي من قلب لقلب. والجماعة ملاذ أخلاقي. إذ لا يمكن لهذه الأخلاق أن تصان وتحمى إلا وسط الجماعة.

ثالثا: الشمولية: أن تكون شاملة لكل الأبعاد، أفقيا في علاقة العبد بربه، وعموديا في علاقة الناس ببعضهم البعض.

رابعا: التوقي: لا بد من توعية أخلاقية بوجود مخططات خطيرة تستهدف تدمير الأخلاق الحسنة باسم الأخلاق، أو على الأقل استبدالها بأخلاق أخرى تقوم مقامها كالأخلاق الفردية على سبيل المثال.

وقد نادى بتجديد الأخلاق كثير من العلماء والمفكرين، منهم الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، فقد أولى في فكره المنهاجي للمسألة الأخلاقية اهتماما كبيرا. إذ جعلها محورا مهما من محاور مشروعه المجتمعي. بل جعلها منطلقا من منطلقات التغيير ومنتهاه. فالذين يتصدون لمهمة التغيير لا بد أن تكون لهم أخلاق عالية، وكذلك أهدافهم التغييرية التي ينشدونها لا بد أن تكون من أجل تحقيق الأخلاق العالية وترسيخها ونشرها في المجتمع والعالم على أوسع نطاق. ومن أجل هذا التجديد الواجب نظم هذه الأخلاق العالية والسامية الموجبة للتغيير، والعاملة على بعث الاستقرار والأمن في المجتمع في خصال عشر تشكل السلوك الأخلاقي للفرد والسلوك القيمي للمجتمع والأمة. وهذه الخصال كما رتبها صاحبها وصنفها حسب وظائفها التربوية والتنظيمية والحركية هي: الصحبة والجماعة، الذكر، الصدق، البذل، العلم، العمل، السمت الحسن، التؤدة، الاقتصاد، والجهاد. تمثل الثلاثة الأولى منها شروط التربية الإيمانية، بينما تمثل السبعة الأخرى ثمرتها المرجُوّة. وكلّ خَصلة من هذه الخصال العشر تنضوي تحتها شعبٌ إيمانية تبلغ في مجموعها سبعة وسبعين شعبة. قد تحدث عنها في كتابه المنهاج النبوي خاصة، وبتوضيح وشرح وتفصيل أكثر في باقي كتبه الأخرى. وبين ثنايا حديثه عن الأخلاق يطرح سؤالا يعتبر الجواب عنه المنطلق نحو تجديد الأخلاق، وهو: من هذا الذي ما يزال اليوم يجرؤ على الحديث عن الانحطاط وعن الأخلاق؟

بمعنى أنه إذا لم نملك الجرأة اليوم للحديث عن الانحطاط وعن الأخلاق، والتي لا يمكن أن تأتينا إلا من قوة إيماننا بالله تعالى، لا يمكن أن نملك الجرأة الكافية لتجديد هذه الأخلاق في الواقع حتى تصبح سلوكا ومواقفا ومبادئا يسري روحها في حياة الناس.

خاتمة

إذا كان المفكر جيل ليبوفتسكي تحدث في كتابه عن أفول الواجب الذي لا يترك للأخلاق معنى ولا مبنى، من أجل أن يكون العبث سيد الموقف، فإن التجديد الواجب للأخلاق إنما يتمّ بإعادة لها هذه الروح المعنوية حتى تشكل الوقاية الكافية والمناعة الحقيقية من الأمراض الهالكة الدّخيلة منها والمستوردة. والتجديد الواجب بهذا الحجم يجعل من قضية الأخلاق في المشروع المجتمعي الذي تنادي به الحركات التغييرية المحور الرئيسي. فهو يعتبر التغيير الذي لا يمسّ الأخلاق في عمقها بقصد تجديدها تغييرا ناقصا.


[1] جيل ليبوفتسكي، أفول الواجب، ص:11.
[2] نفسه، ص:25.
[3] نفسه، ص:36.
[4] نفسه، ص: 54-55.
[5] نفسه، ص:78-79.
[6] نفسه، ص:96.
[7] نفسه، ص:140.
[8] نفسه، ص:172.