بسم الله الرحمن الرحيم والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

توطئة

قصيدةٌ جادَتْ بها القُروحُ لا القريحة؛ قصيدةٌ تُؤَرِّخ لِقَرْحِ وَباءٍ فَضيحَة، فضَح ما كان مَسْتوراً خَلْفَ المَظاهِر الجوفاء، وقَرْحِ بلاءٍ نصيحة نصح مَن كان غافِلاً عن قدرة القضاء على القضاءِ، ولا يَرُدُّ القضاء إلاّ الدّعاء، ففيه بَثُّ الشكوى والرَّجاءُ والالتجاء، وقَرْحِ ابْتِلاءٍ بجائِحَةٍ اجتاحَتِ البشرية فمُنكِرٍ، ومُستَنْكِرٍ، ومُبَرِّرٍ، ومُغَرِّرٍ، ومُنتَصِرٍ، ومُفْتَخِرٍ، ومُبْتَكِرٍ، ومُستَثْمِرٍ، ومُذَكِّرٍ كُلٌّ له حظٌّ مِن نَجاحٍ، وقَلَّ في المُؤثِّرين الفاعِلين أهْلُ الفلاح. جعَلَنا الله وإياكم مِنهم؛ مِمَّن يَدْرَأون البَلاء بالصَّبرِ، والصَّبرَ بالرِّضى، والرِّضى بالشُّكْرِ أمام مُوظَّفٍ إلهيّ إذا أدّى دورَهُ في إرجاعِ الخَلْقِ إليهِ ارتفعَ مِن تِلقاءِ نفسِه كما يقول الإمام المجدّد رحمه الله، وإلى حينِ يَحُلُّ مَحَلَّ اللّيلِ صَباح اِسمحوا لي أن أُسهِم في المواساةِ والعزاء بِمِزاحٍ مُباحٍ، بل مُتاح قد تجِدُ فيه بعضاً مِن الإشاراتِ المِلاح.   

أزفت الآفة ليس لها من دون الله كاشفة

وَباءٌ هزَّ أركانَ البِلاد  = وأحدَثَ فجْوة بين العِباد!

عَدُوٌّ لا يُرى بالعَيْن لكن= له سيفٌ يصول بلا غِماد

يَحُزُّ رُؤوسَ أبطالٍ عِظامٍ= ويورِدُهُمُ الرَّدى في كُلّ ناد

لَهُ تَحْتَ القِبابِ الشُمِّ صَرْعى= وفي الأسواقِ سَهمٌ في ازدياد

وفي المستشفياتِ له رَعايا= نهارُهُمُ وليلُهمُ سَواد

بهِ صارَتْ مَدارِسُنا خَواءً= سِوى مِن شاشةٍ تَحْكي الحِداد

وأَضْحَتْ جامِعاتٌ رهْن قَحْطٍ= لِسَبْعٍ أو لأكثَرَ مِن شِداد

وباتَتْ سِلعَةٌ أحلى وأغلى= وكانتْ لا تروجُ ولا تُراد

وصارَتْ سِلْعَةً أُخرى بَواراً= وكانَتْ عِنْد قومٍ خيرَ زاد

وأضْحى للمُنَظِّفِ سِعْرُ تِبْرٍ= وسوقُ التِّبْرِ أفْضى للكَساد

مَساجِدُنا غَدَت أعْجاز نَخْلٍ= وهل تَعْلو الخِيامُ بلا عِماد؟!

وكم عُرساً ذوى تحت البلايا=كغَرْسٍ داسَهُ إِبِلٌ جِلاد؟!

ألا فالزَم أخي البيتَ احتِرازا= مِنَ العَدْوى وقد يُعْديكَ عاد!

وقيلَ لنا احذَروا كُلَّ اجتماعٍ= فعَدْوى الدّاءِ تَرْفُلُ في سَواد

وإن سَأَلوكَ هل وافَيْتَ خِلاًّ= لدى بَلَدٍ يُعاني أو يكاد؟!

فقُل لم يبْقَ لي خِلٌّ صَفِيٌّ= هُناك ولا هنا جَفَّ المِداد

فَلا قَلَمٌ يَسيلُ لِوَصْلِ حِبٍّ= ولا ذِكْرٌ له بَعْد البِعاد

سِوى النَّجوى لَدى ليْلٍ بَهيمٍ= فهل لي في “كُرونا” مِن أَياد؟!

فإن قالوا دُعاءُ المَرْءِ عَدْوى= كذا التّحقيقُ في البلوى أفاد

فقُل إنّي مُصابٌ فاحْذَروني= وأبشِر قد يَفِرُّوا في ارْتِداد

وَصايَا أهْلِ مَكَّةِ كُلِّ شأنٍ= أَفِدْ منها السَّديد بلا اجتهاد

فهُم أدْرى بها واحْذَر شِعاباً= يُغامِرُ مَن أتاها دون حاد

بَلانا وابتلانا كي يَرانا= أُسوداً لا نِعاجاً خَلْف عاد

لنا عقْلٌ يُمَحِّصُ كُلّ دعوى= وقَلْبٌ لا يَهيمُ بكُلّ واد

لنا صَبْرٌ على بَثٍّ وشكوى= لغير الله وهل يُجْدي العِباد؟!

هُمُ الصّلصالُ إن خَيْراً وشَرّاً= فكيف إذا غَدَوا مِثْل الرّماد؟!

لنا عِلْمُ اليَقينِ بأنّ شَرّاً= أتانا فيهِ خَيْراتٌ عِدَاد

لنا عَيْنُ اليقينِ إذا رَأَيْنا= بلاءَ اللهِ فَرْزاً للجِياد

لنا حقُّ اليقينِ إذا شَكَرْنا= على المَكروهِ فاحْمَدْ مَن أجاد

بِما لو لم يكُن صِرْنا ضَحايا= لـِأَدْهى مِن ضَنى السَّبْع الشِّداد

هُوَ الوَهْنُ المُهينُ فلا ثَباتٌ= ولا ذِكْرٌ لِمَوْتٍ أو جِهاد

ولا حِرْصٌ على أَمْرٍ ونَهْيٍ= ولا إعدادُ زادٍ للمَعاد

ومَعرِفةُ اليقين لدى البلايا= أَمانٌ مِن قُنوطٍ واعتداد

ومِن جَشَعٍ ومِن هَلَعٍ ورَوْعٍ= ومِن بِدَعٍ ومِن وَجَعِ السُّهاد

ومِن حَكْرٍ ومِن حَجْرٍ ومَكْرٍ= ومِن حَصْرٍ وأَسْرٍ وانسِداد
ومِن خَوْفٍ ومِن ضُعْفٍ وقَرْفٍ= ومِن خَرَفٍ ومِن خافٍ وباد
وقد عزَّ الشِّفاءُ فلا عَزاءٌ= سِوى بَرْدُ الرّجا في خيْرِ هاد
وقد قَلّ الدّواءُ فلا وِجاءٌ= سِوى مِمّن له سَلْسُ انْقِياد
وقد شَمَتَ الحَسود فلا التِجاءٌ= لغَيْرِ الله مَن لولاه كاد
وقد فرَّ الوَدود فلا فِداءٌ= فصِرْتُ رهينَ حَبْسٍ في انفِراد
كما لو أنّ يومَ الهَوْلِ وافى= فأنْسى ذا القرابةِ والوِداد
فلا “ليلى” ولا “جوليتَ” تحلو= ولا بانَتْ لِكعبِهِمُ “سُعاد”

“كُرونا” مِن فوائِدِه أتَتْنا= دروسٌ غالياتٌ لا تُعاد

بمَوْجِبِها غَدا الأَغْنى فَقيراً= فلا كَسْبٌ يُفيد ولا تِلاد

وصار موظَّفون بِلا وظيفٍ= وذي البلوى تُوظِّفُ مَن أراد

وبعضُ النّاس في الأسواقِ “جِنٌّ”= تُلَمْلِمُ كُلَّ حاضِرَةٍ وباد

وبعض القوم في الإعلام “فَذٌّ”= لهُ نُكَتٌ تَحُزُّ ولا ضِماد

يُحَدِّثُ عن “كُرونا”مِثْلَ راوٍ= عن الأهْوالِ مِن ذات العِماد

وعَن فِرْعَوْنَ والمَثُلاتِ حيناً= وحيناً عَن ثمودٍ أُخْتِ عاد
فيجعلُ مِن “كُرونا” فَأْلَ شُؤْمٍ= ويَنسى أنّ رَبّ الخَلْقِ هاد

بِفِتْنَتِهِ رِجالاً إذْ وَقاهُم= مِن التَّوَهانِ في سوق الفساد

وضَلَّتْ فِئامٌ واستظَلَّتْ= بِفِتْنة مَن تمادى في العِناد

نَسيتُم فاذكُرونا عِنْد رَبٍّ= هو القاضي وهل يقضي العِباد؟!

فليسَ سِوى الدُّعاءِ لدَرْءِ خَطْبٍ= فلُذْ بالله تَظْفَر بالمُراد!

فما الأسبابُ إلاَّ مِن هُداهُ!= به فاسْتَهْدِها وُفِّقْتَ إن جاد!

ولا مِن توبةٍ تُرجى لقومٍ= نَسوا يومَ القِيامةِ والتّناد

مَوارِدُ قد أتَتْنا مِن”كُرونا”= سيعرِفُها الوَرى عِنْد المَزاد

إذا انكشَفَ الغُبارُ عنِ المَطايا= علِمتُم هل بغالٌ أم جِياد؟!

يقيناً سوف يكشِفُها إلهي= بصَبْرٍ أو دعاءٍ أو رُقاد

لِيَعْلَمَ كُلُّ حِزبٍ ما أفادوا= مِن البَلوى بِما يُرضي الفؤاد

وما يُرديهِ في دُنيا التّباهي= وهل تصفو الحياة بلا جِهاد؟!

صلاتي والسّلام على نبيٍّ= أتانا بالهُدى؛ دينِ الرّشاد

وآلٍ ذِكرُهُم سُلوى لِقلبي= وهم زادي ووِردي والعتاد

وصَحْبٍ حُبُّهُم يَشفيي غليلي= هُمُ سُقْيا تُروّي كُلّ صاد

وأحبابٍ همُ إخوانُ طه= همُ أحْلى الجَنى يومَ الحَصاد

ذ. منير ركراكي

فاس 23 رجب  1441هـ/ الموافق لـ 18 مارس 2020م