قيل لنا ذات يوم في درس الفلسفة أن الإنسان بدأ حياته على وجه الأرض يخاف الطبيعة لأنه كان يجهل قوانينها. فابتكر الدين ليخرج من دائرة الخوف، ثم توصل للعلم مع الحداثة ليتمكن من فهم الطبيعة وكشف آليات عملها، فتمت له “السيطرة عليها”، واعتقد هذا الإنسان أنه أصبح سيدا على الكون. ومع التطور المضطرد للعلوم خاصة البيولوجية، أصبح إنسان ما بعد الحداثة يلمح إلى إمكانية قهر الموت وتجاوز عقبتها، وذلك من خلال زرع الأعضاء التي تنتهي صلاحيتها. أما القضاء على الأمراض فقد أصبح في نظر إنسان ما بعد الحداثة تحصيل حاصل.

لكن مع عودة ظاهرة وباء كورونا الذي شل حركة العالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأدخل كل دول العالم تحت الحَجْر الصحي، عاد إنسان ما بعد الحداثة إلى النقطة التي بدأت منها الدائرة، والمتمثلة في ظاهرة الخوف من الطبيعة. غير أن الفارق هذه المرة أننا لسنا أمام أسرار الطبيعة في ظواهرها الكبرى كالكواكب والرعود والأمطار والبراكين والزلازل… ولكننا أمام اللامرئي من الطبيعة، أي أصغر ما فيها من الكائنات وأضعفها؛ إنها الفيروسات! تلك الكائنات التي تكون على حافة الموت، فتخترق أصغر ما في جسم الإنسان وهي الخلية لتحيا فيها من جديد وتدمر نظام المناعة في كل الجسم وتنهي أمله في الحياة.

فهل نحن يا ترى على موعد مع رحلة الإياب حيث العود إلى مرحلة الطبيعة التي هيمن فيها الخوف والاستسلام، أم أننا أمام لحظة فارقة يتواضع فيها الإنسان “العالِم” فاسحا المجال للتصالح بين الطبيعة والعلم والدين، علم يكشف عن طبيعة الأشياء وآليات عملها، ودين يعيد لنا معاني الأشياء ويرسم لنا غايات الأفعال بعيدا عن العدمية والتيه والارتماء في “ثقب الكاووس” 1.

إن إنسان ما بعد الحداثة لم ولن يدرك عظمته وقدره وقيمته، إلاعندما يدرك دوره ورسالته في هذا الكون، على أنها ليست صراعا مع الطبيعة التي وجدها جاهزة مسخرة له، وإنما وظيفته في حفظ صلاح الأرض والتفكير فيما ينتظره بعد الموت.

لقد أثبت لنا فيروس كورونا أن أضعف وأحقر وأصغر كائن في الوجود بإمكانه أن يتحكم في العالم، ويشل حركته، ويشن حربا على الإنسان في كل هذا العالم، حيث لا تنفعه أقماره الاصطناعية، ولا صواريخه العابرة للقارات، ولا مختبراته المتطورة، ولا جيوشه الجرارة، ولا أسلحته النووية… فهل يستوعب إنسان ما بعد الحداثة الدرس، ليدرك أن السعي وراء الهيمنة والسيطرة والاحتكار والطغيان والتجبر مجرد وَهْمٍ ومجرد سراب يحسبه هؤلاء ماء حتى إذا أتاهم فيروس كورونا أو غيره لم يجدوه شيئا ووجدوا ضعفهم وهوانهم وعجزهم عنده حاضرا !

إن فيروس كورونا قد قلب كل قوانين القوى وبعثرها، بل إنه غيّر كل الموازين والنظريات الاستراتيجية عندما جعل قوة العالم الحية تخضع وتتحول وجهتها صوب كائن مجهول اسمه فيروس حديث العهد بالعالم، وضعيف القوة في ذاته، مرتهن في بقائه بغيره، يُخْضِعُ بما فيه من ضعف جبروت الإنسان الزائف.

“وَلِله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى” صدق الله العظيم.


[1] الكاووس: (chaos) معناه الفوضى العارمة واللانظام والدخول في العدم.