نقصد هنا بمفهوم الثقافة المعيارية، تلك الثقافة التي تكون تحت المقاس لمعايير صُنعت لتستجيب لأهواء وتوجهات “مثقفين” محتكرين استنادا لاستراتيجيات واضحة أحيانا أو غامضة في أحايين كثيرة غالبا.

وضّحنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة أن الثقافة جمع وإلمام لا تفريق وإقصاء وتجزيء، لكن ونحن نخوض الآن في تشريح “مفهوم المعيارية” في الحقل الثقافي وجب أن ننكر هذا الأسلوب الممنهج في تصنيف غير متكافئ للمثقفين والعاملين في هذا الحقل؛ إذ وجب وضع سياسات ثقافية تروم احتواء الجميع بمن فيها تلك الأصوات “المزعجة” المتمردة التي تغني خارج سرب المغنيين أنفسهم.

الثقافة المعيارية تجعل المثقف المعياري وصيا على الثقافة، يؤصل لها بناء على ما يعتقده هو، ويؤرخ لها بناء على إطارات زمنية حددها في مخيلته هو، ويبني على أسلاف هم أسلاف له وحده دون غيره، رغم ذلك يصر أن ينسب الجميع أبناءَ شرعيين وغير شرعيين لأبيه التاريخي المفترض ذاك. إنه بهذا يحتكر الأصول والواقع بل “يضمن” احتكار المآل والمستقبل حتى لا تضيع منه “الفرص التاريخية” في إبراز معاييره التي أريد لها أن تكون وصية ولو على حساب مثقفين آخرين وثقافات أخرى ومرجعيات تناساها أو تجاوزها مستجيبا لنداء الجهات الداعمة بالمال أو الإغراق بالوعود أو حتى بالوهم أحيانا، ذلك السراب الذي يؤطر تلك “الثقافة السائلة” السائبة. 

المثقف المعياري إذن فزاعة مصنوعة من خشب وثوب وهالة أريد لها أن تفزع وتطرد أسراب الطيور المختلفة من سربها لا يضرها إن كان السرب سرب غربان فاحمة، أو أسراب بوم ناعقة أو بلابل مغردة!

يُطرَد المثقف الذي يحمل في جعبته ما ينفع الناس ويمكث في الأرض. ويرفع المعياريون ما يصفَرُّ مع اصفرار “المواسم” وارتفاع موجات التفاهة والضجيج وآسنِ البرك الراكدة التي يكون المثقف الفزاعة هو البطل المنقذ من الضلال فيها!

طالع أيضا  سلسلة مداخل إلى الثقافة (1): "الوعي الجمعي"

إذن انطلاقا من هذه الأرضية هل يمكن أن نصنع مثقفا دون الوقوع في المعيارية المقيتة الصفراء؟

أم أمامنا مشروع مثقف واعٍ شمولي ينطلق من أساسات الثقافة نفسها ليبني ثقافة نافعة له ولأمته؟ 

وهل صفة المعيارية لصيقة بكل المثقفين أم أنها من صميم الثقافة نفسها؟ وهل من معايير نقيس عليها أداء المثقف ليكون في نظرنا مثقفا حقا؟

تفتح أمامنا هذه الأسئلة نوافذ لمعالجة الإشكال؛ فنجد أن المعيارية تكاد تكون تابعة لمنطق الغلبة ومنطق من يملك الوسائل وغيرها، فالثقافة الغربية مثلا تفرض نفسها كبديل عالمي له معاييره ومقاساته وأطره الزمنية والتاريخية.

والمعيارية الإيديولوجية تفرض كذلك مقاساتها وبُنَاها الضيقة التي تعتصر المجالات وتتعسّف ظلما على غيرها لتصنع مثقفا “بوقا” لإيديولوجية حية أو ميتة على حد سواء.

والمعيارية التاريخية سطوة أخرى؛ إذ تجعل نفسها الأم وغيرها الأبناء، وتعاقب من يتمرد عليها بالطرد من خارج أطر التاريخ المصنوع، لتطوى صفحته، ويعف عنه الزمان وينساه من كان يذكره فتبقى الأم ويبقى بيتها حاويا لمثقفيها البررة الأوفياء لشروطها التاريخية المعدة سلفا على عجل أو بروية صياد صبور.

ولتجاوز هذه المعياريات جميعها وجب إعادة التسميات لمسمياتها. فالمُلِم الحاذق العارف بشؤون أمته، العاشق لخصوصيتها والمقتنع تماما بخصوبتها، والمتهمم حقا بمآلات أوضاعها والذي ولد من رحم ثقافة أصيلة غير متحيزة ولا مقصية هو من يمكنه بجدارة حمل لقب المثقف حقا. وعلى الحقل الثقافي أن يكون مبنيا على أسس تحتوي جميع أبنائه شرط -وهنا لا نحدد معيارا- أن يتبنى ما هو بانٍ لشخصية نود بناءها لتكون من رواد التقدم والتنمية المطلوبة وتحقيق الغايات الكبرى التي من أجلها وُهِبنا الحق في هذه الحياة. 

نروم ثقافة بناءة صانعة مرشدة ومعينة نحو ما يرجوه كل منتمٍ لهذا الكون دون أن ننسى دعوة الاستخلاف في الأرض وإصلاحها، لا إفسادها تقتيلا وتخريبا.

طالع أيضا  كيف لنا بثقافة تنتصر لقضايا المستضعفين والأمة؟

إن ثقافتنا الآن رهين نماؤها بتجاوز المعيارية واعتماد ثقافة جامعة جادة بانية تخلد العمل الإنساني وترفع الفكر والإبداع الإنسانيين مصاف الخلود والرقي والإنصاف لكل الجهود البشرية وفق “مشترك إنساني” متطلع. أصيل ومبدع.