اضطرب الناس وماجت بهم الأمواج جراء انتشار وباء “كورونا”، وتساءلوا عن الحدث ما هو؟ من وراءه؟ ما نهايته؟ كيف التعامل معه؟

اضطرب الناس وكثرت التفاعلات، وهاجت التحليلات بين مهَول مُفزع، يرى الأمر خطرا داهما ماحقا، وبين مُهَون مستخِف مستهزئ، غيرِ ملتفت للحدث ولا لما ينبغي فعله، ولا لمآلاته وعواقبه؟ ولا لتفاعله وآثاره؟

لكن المؤمن، والمؤمنة، الذي ينظر لما في الكون بعيني فعل الله تعالى وأمره الكوني، وبين كسب الإنسان وما يطلبه منه المقتضى الشرعي، نظرة متوازنة شاملة بينة، تجمع بين رسوخ الثوابت والأصول، وحسن الخطاب ووضوحه وعمق الوعي ودرايته، وفاعلية المشاركة الميدانية مع الناس.

ذاك ما سنحاول بسطه في هذه الفقرات والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل وهي:

أولا: أصول وثوابت

ثانيا: حسن خطاب وجميل تواصل.

ثالثا: عمق وعي ورسوخ ودراية

أولا: أصول وثوابت

تسليم الأمر لله عز وجل والرضى بقضائه وحسن الظن به واليقين في موعوده

سبحان من يتعبد عباده بصفات القهر كما تعبده بصفات الوهب، له ما أخذ وله ما أعطى، يسبغ على العباد النعم الظاهرة والباطنة، ويبتليهم بالسراء والرخاء، كما بالشدة والضراء.

سبحانه من حكيم عليم، ما من صغير وكبير يقع في ملكه إلا بحكمته وعدله، ولا يحدث في ملكوته إلا بعلمه ورحمته. وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ17  وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ 18.

روى أبو هارون المديني عن سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: “إن الله تبارك وتعالى بقسطه وعلمه جعل الرَوح والفرج في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط”. وروي سيدنا ابن عمر رضي الله عنه كان يقول: “إن الرجل ليستخير الله فيختار له، فيتسخّط على ربه، ولا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خِير له”. وذكر أن سيدنا أبا الدرداء رضي الله عنه قال: “ذروة الإيمان أربع: الصبر للحُكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب عز وجل”.

إنه لا يملك المؤمن أمام مثل هذه الوقائع إلا أن تثبت قدماه على اليقين بأن الحق سبحانه هو المتصرف في كونه وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ 59.

كما لا يملك إلا أن يتدبر الأسباب لينفع نفسه وينفع الناس بما أوتي من علم لرفع البلاء عن الأنفس، ومقاومة الضراء التي أصابتها وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًاۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ 32.

المؤمن والمؤمنة شخصية مفعمة بحسن الظن بالله، لا تزحزحه المصائب عن لزوم حب الله تعالى وحب لقائه، وشكر نعمائه، والصبر على ضرائه، أمره كله خير، قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “والذي لا إله غيرُه ما أُعطي عبدٌ مؤمن شيئاً خيراً من حسن الظن بالله عز وجل، والذي لا إله غيره لا يحسن عبد بالله عز وجل الظن إلا أعطاه الله عز وجل ظنَّه؛ ذلك بأنَّ الخيرَ في يده» رواه ابن أبي الدنيا في حسن الظن.

فما حدثُ وباءِ ”كورونا” بمُغاير لما سبق في تاريخ البشرية، بفعل فاعل أو بمقتضى امتحان رباني خالص، هو الأول أو الأخير، إنما لله فيما يقع في ملكه وملكوته لحِكماً وشؤوناً، و غايات ومقاصد وما الله يريد ظلما للعالمين. ولهو فرصة لقول كلمة الحق وتبشير الناس بالرجوع إلى الله.

ثانيا: حسن خطاب وجميل تواصل

قول كلمة الحق وتبشير الناس ودعوتهم للتوبة إليه والرجوع إليه سبحانه

الناس مساكين ضعاف أمام أمر الله وقضائه، وأمام فعل بأخيه الإنسان وبطشه به…. الناس في حاجة لمن يذكرهم بأمر الله والدار الآخرة والعاقبة والمآل…

الناس تمنعهم الغفلة أن ينظروا عاليا لما يريد الله بعباده من خير وفضل وهداية، وما يريده بعضهم لبعض من كيد ومكر وسوء.

ألا وإن الله حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرما، ألا وإن الحق سبحانه طوق البشرية الأمانة العظمى، وطوق كبراء الأمم أن يعدلوا بين الناس، وألا يلحقوا الضرر ببعضهم….

نسمع اليوم أن المغرب يغلق الحدود عن مواطنيه القادمين من دول استوطن فيها الوباء ويتركهم في العراء، ثم يتبجح بأن الوضع تحت السيطرة، وأن الاستعدادات في البر والبحر والجو على أكمل الوجوه، ثم تأتيه الأوامر ليجلي مواطني دول بعينها لبلدانهم فيسرع للتنفيذ مسارعة الذليل.

واعجبا كيف يستقيم هذا، وحال مستشفياتنا لا يخفى على أحد؟

كيف يستقيم هذا، ونحن نوقف الدراسة من غير إعداد العدة الحقيقة لتعليم بديل يحقق الأهداف ويخفف المعاناة؟

كيف يستقيم هذا ونحن لا نبرح أوراقا ومذكرات وتصريحات… والأمر جد لا هزل فيه.

فيا أيها الإنسان ما غرك بريك الكريم !؟ ويا أيها المسلمون في المغرب والمشرق، إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار، ويبسطها بالنهار ليتوب مسيء الليل.

اجعلوا بيوتكم من التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ولا تخافوا فإن الظلمة لن يستطيعوا تشميعها بتهمة أنها “دورا للعبادة”، اجعلوها بيوتا للتسبيح بالغدو والآصال وإقامة الصلاة و…

اجعلوها بيوتا للعلم ومدارس للتعلم ومتابعة الدراسة، وتدربا على الإعداد الجيد والاستعداد الكافي لما يتطلبه مستقبل الأبناء فيما ينفعهم في العاجل والآجل.

اجعلوها مراكز لتوعية الجيران وعيا صحيا، وتفقيههم فقها شرعيا، وتربيتهم تربية إيمانية، (ومكر ـأولئك هو يبور)، مع اليقظة الوقائية والوعي العميق والدراية الراسخة.

ومن هنا

تحية عالية لكل متقاعد من موظفي الصحة الذين أعلنوا استعدادهم للإسهام الجيد للخروج من الأزمة.

تحية عالية لكل إطار تربوي بذل الجهد لإعداد الدروس، وإحسان التواصل مع متعلميه ليحقق الأهداف ويبلغ المقصود.

تحية عالية لكل من فتح بيته للإسهام بما يخفف من وطأة ما نزل مما قد يعجز عنه المسؤولون.

تحية عالية لكل الشباب الصادق الذي أعلن عن استعداده، كعادته دائما، للانخراط في إنقاذ الوطن وأبناء الوطن.

ثالثا: عمق وعي ورسوخ ودراية

اليقظة الوقائية والعلاجية مع الوعي بالسياقات والتعاون الجماعي للخروج من الفتنة

مما لا شك فيه أن الحقائق التي ينطق بها الوقع، ويدل عليها العلم الواضح أن الداء قد انتشر، وأن الوباء أصبح خطرا يهدد الشعوب، ما يعني أن الأمر يتطلب يقظة وقائية من غير تهويل ولا تهوين.

لقد بين أهل الاختصاص أن الأمر جد ولا يحتمل التأخير، وأن المسؤولية ملقاة على عاتق كل واحد من أفراد المجتمع أن يتخذ الاحتياطات اللازمة التي من شأنها أن تيسر أولا وعاجلا وحالا، الحد من احتمال انتشار الخطر الداهم:

النظافة من الإيمان: نظافة المكان والثوب والجسم خاصة أماكن تجمع الأوساخ والأدران، فقد روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ ـ قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ، زَادَ قُتَيْبَةُ، قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ: يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ. (البراجم مفاصل الأصابع مما تتجمع فيه الأوساخ)
لا للمصافحة والعناق والقُبَل وتبسمك في وجه أخيك صدقة: ودعاؤك لأخيك أو أختك بظهر الغيب أوثق في هذه الحال من غيرها.
تباعد الأجساد والأنفاس بين الناس في المنازل والمكاتب ووسائل النقل، وتجنب ذلك أفضل.
ترك الأحذية خارج البيوت، فإنها حمالة للأوساخ والمكروبات الخطيرة، وتلك من أخلاقنا.
ترك لمس ما هو معدني في الدرج والمصاعد والممرات الإدارية وغيرها…
إعداد البيوت وتنظيفها وتعقيمها بالمطهرات: فإنه، لا قدر الله، إن تطورت المضاعفات، فإن المصالح الصحية، كما هي عاجزة في الحالات العادية عن تحقيق الاكتفاء الذاتي، فهي في هذه الحالة أعجز، فلنجعل في بيوتا غرفا معقمة قد نحتاجها بعد حين.
وبعد

قد يكون أمر هذا الفيروس من تدبير مفسدين، أو مكر ماكرين، أو كيد كائدين، فلا تنسينا جزئيات الأحداث كليات الأصول، ولا تسارُعُ الوقائع أن نغنم مع الصادقين، مما نزل، كما يسعى الماكرون أن يستفردوا بثروات الأرض ومصائر الشعوب.

ولقد طلعت علينا التحليلات والمتابعات والتحريات تنسب الأمر لمدبرين بالليل والنهار، وما كرين مكرا تزول منه الجبال، لكن السنة الربانية التي لا تخطئ أن المكر السيئ إنما يحيق بأهله، وأن كيد الله متين.

ومع الإيمان بهذه السنَّة، فإن الأمر يتطلب من ذوي العلم والاختصاص بيان ما في هذا من مثالب، سواء من حيث الأصالة والابتداء بالمكر، أو من حيث استغلال الفرصة والربح منها قدر الإمكان، وذلك عمل كل متربص بحاجات الناس ومصائبهم، يعتبر الذكاء في الاستفادة من ذلك، وما هو إلا مغبون تعرض عليه فرص إنقاذ البشرية وبث الأخوة بينها، فيعدل عنها لطمع زائل، ومصلحة وهمية.

هي فرصة لنا، ولكل من يريد الخير لهذا البلد وللمسلمين وللناس أجمعين، بنصح أو توجيه، بعلم أو اختراع مفيد، بالتي هي أحسن التي تجعل العدو وليا مناصرا، وصديقا محبا، يعم خيره، وينتشر نفعه، ويرفع ذكره، عن سيدنا  عبدالله بن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلى من أن أعتكف في هذا المسجد شهرا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل) أخرجه ابن أبى الدنيا في كتاب قضاء الحوائج

ولله عاقبة الأمور !

نعم نهض العالم متناصرا للقضاء على فيروس “كورونا” صغير فتاك، وستنتهي المعركة بانتصار الإنسان بالعلم الذي أودعه فيه على الجهل الذي تلبس به، مع بعض الخسائر في الأرواح والأموال، والمعايش والثروات.

لكن هناك “فيروسات” أخرى أخطر لابد من مواجهاتها ومحقها؛ منها فيروس ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وتظاهره عليه بالقهر والجبر! فيروسات الأنانية والأثرة، فيروس الفساد والاستبداد، فيروس قتل الأبرياء وسجن الأحرار…

هل من متدبر ذي مروءة فيما فعلته “فيروسات” الحروب الخفية المعلنة بالناس خاصة المستضعفين منهم؟ كفى !

هل من متعقل يرفع عن البشري ما عانته وما تعانيه، ويحصنها مما قد تعاني منه مستقبلا؟

هل من متدبر من ذوي الضمائر الحية من أكابر العلماء والمفكرين، أن الأرض تسع الجميع، وأن العدل يرضي الكل، وأن الإحسان يرضي ساكن الأرض وساكن السماء؟

إن الله يأمر بالعدل والإحسان.