تقديم

في ظل عولمة كاسحة ساعية لتنميط كل الثقافات، ولمحو كل الخصوصيات وكل السمات المميزة، يجد الباحث في التاريخ الوطني نفسه ملزما بالبحث أكثر وأكثر في أحداث هذا التاريخ بكل ما وسمه من بطولات وأمجاد من جهة وبكل ما اعتراه من اخفاقات وهزائم من جهة أخرى، من أجل أخذ العبر والدروس، ومن أجل ربط الأجيال بماضيها، انطلاقا من حقيقة مفادها أنه لا يمكن فهم الحاضر ولا استشراف المستقبل إلا انطلاقا من هذا الماضي.

ففي هذا سياق تسعى هذه الورقة العلمية الوقوف عند معركة “بوكافر” التي تشكل محطة بطولية بكل ما للكلمة من معنى، موقنين رغم كل ما قيل فيها، ورغم ما كتب عنها، ما تزال في أمس الحاجة إلى أبحاث متجددة، لكشف النقاب عن خفاياها وأسرارها وملابساتها، من أجل استنباط المزيد من الدروس والعبر.

سنسلط الأضواء على هذه المعركة انطلاقا من الشعور الديني والوطني، الذي نجزم منذ البدء أنه كان محركها ووقودها، كما تأكد لنا ذلك من خلال مختلف الأحداث والحيثيات التي ميزت المعركة. فما حجم علاقة هذا الشعور بوقائع المعركة ومجرياتها ونتائجها؟

1-محدد الشعور الديني في معركة بوكافر

 شكل الشعور الديني منطلق المقاومة العفوية منذ التاريخ القديم للمغرب، فقد شكلت المقاومة الدينية حائطا تكسرت فوقها سلطة الإمبراطورية الرومانية، من أبرزها الثورة الدوناتية نسبة لرجل الدين الأمازيغي “دوناتوس” التي شكلت “عقيدة الثورة التي فجرها الأمازيغ واستمر لهيبها إلى زوال الحكم الروماني” 1، ظل هذا العامل حاضرا طيلة ذود المغاربة عن حياض الوطن ضد الغزو الأجنبي، ففي القرن العشرين ومع بداية التغلغل الأجنبي في المغرب، ستنطلق دعوات الجهاد لصد العدوان الخارجي، تزعمها العلماء ومشايخ الزوايا. فأين يتجلى هذا الشعورفي معركة بوكافر؟

انطلقت معركة بوكافر شهر فبراير سنة 1933 مع بداية زحف القوات الفرنسية الغازية حينها استجابت قبائل المنطقة لنداء “مناد في الأسواق والمداشر: أن هبوا لمقاتلة النصارى وطردهم من هذه البلاد، فان من يفعل ذلك فعداده من المجاهدين ومن يتقاعس فهو محصي مع المستعمر وخدامه” 2.

وفي تلك الظروف تم انتخاب «شيخ الحرب» عسو وباسلام… سيكون سيد هذه الفترة حامل راية الإسلام الذي سيقود أيت عطا نحو النصر…» 3.

إلى جانب القبائل العطاوية الزاحفة نحو صاغرو معقلها المقدس، للدفاع عن مجالها القبلي شارك “الشرفا إما بالقتال المباشر أو بتحريضهم المجاهدين، وتبشيرهم بجنات الخلد. وظلت الوثائق الفرنسية تصف هؤلاء الشرفاء المشاركين في الملحمة بالدجالين والمحرضين…” 4.

ومن خلال رواية محلية نادرة معاصرة لمعركة بوكافر، تحكي لنا الشعور الذي كان سائدا آنذاك، وهو مخطوط مفعم بالدعاء للمجاهدين لصاحبها الطالب لحسن بن حماد بن موحى العزاوي ثم العطاوي بالنيف، ملم بالقراءة والكتابة وحافظ للقران الكريم، كان عمره 48 سنة أثناء وقوع المعركة بدأ مخطوطه 5 بالقول: “…هذه قصة غزوة سغروا رضي الله عن المسلمين اجمعين… إذا أراد المسلمون أن يقدموا إلى القتال، يقولون كلهم؛ الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله… فيدخل الخشوع في قلوبهم حتى نسوا الدنيا وهواها رضي الله عنهم، والنساء يتنبهن في الرجال فيقولون بلغة أهل الوقت –الامازيغية- حي حي المسلمين رضي الله عنكم ونفعنا ببركاتكم وجهادكم…” 6.

وما ورد في المخطوط يؤكده الجاسوس الفرنسي جورج سبيلمان بقوله: “…ولديهم طلبة ومساجد –ايت عطا- وفي قتال بوكافر يوم 14 فبراير 1933 لم يفتحوا النار إلا بعد أن رددوا شهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله..” 7.

كما تستحضر أهازيج أيت عطا هذا الشعور في أشعارها “ليغ كنولي بوكافر هان نبي يزواراغ”، عندما صعدنا إلى بوكافر كان النبي يتقدمنا “اليك نكز بوكافر هان نبي نزريتين” أما حين نزلنا بوكافر فقد تركنا النبي وراءنا 8.

بل ظل الشعر النسائي الأمازيغي المؤرخ لتلك الفترة مفعما بذلك الشعور مبرزا دوره في التعبئة والتحريض ورفض التفاوض وإلقاء السلاح.

“قالت الشاعرة عدجو يشو

تاغول أتساعيا ءاخريط ءام تالوبانين

ءاغولن ءيغدارن ءار لسان تيحندرين-نوع من الغطاء –

ءاوي فغات تاتكانين ن لجامع ءايوداين”. 9.

تهجو الموقعين لاتفاق 30مارس1933مع الجنرال هوري، من العار تخزين البنادق كما يخزن اللوبان وتناشدهم عدم الاقتراب من المساجد، لأنهم أضاعوا قيمهم الرجولية.

2-حضور الشعور الوطني في المعركة

     احتد النقاش بين المؤرخين حول مدى حضور الشعور الوطني في المقاومة المغربية للمحتل الأجنبي، وظلت تتنازع المسألة أطروحتان، أطروحة تنفي حضور ذلك تزعمها مؤرخو الفترة الاستعمارية، فحواها أن كل قبيلة لا تدافع إلا على مجالها القبلي 10.

أطروحة ثانية تزعمها مؤرخون مغاربة وفرنسيون أمثال “محمد حجي” و”جرمان عياش” و”دانييل ريفي”… تؤكد أن فكرة الوطن هي الباعث على مواجهة المحتلين “… إن الانتفاضة التي قامت بها القوى الشعبية وهي وحدها التي مكنت المغاربة من عدم التعرض للإبادة… ولولا وجود شعور وطني حقيقي وفعال لما أمكنهم كما فعلوا أن يحاصروا الغزاة في نقاط نزولهم لطردهم فيما بعد خلال كفاح دام أربعة قرون…” 11. فأين يتجلى الشعور الوطني في معركة بوكافر؟

تميزت قبائل أيت عطا في تاريخها بتقاليد الدفاع الجماعي عن مجالها القبلي، خاضت في ذلك سجالا قتاليا مع القبائل المنافسة لها، لكن دفاع الحلف العطاوي تجاوز حدود القبيلة ليشمل الوطن، “فمقاومة ايت عطا لم تقتصر على ملحمة صاغرو وبوكافر سنة 1933، بل يعتبر هؤلاء من أولى القبائل المغربية التي هبت للدفاع عن حوزة الوطن، منذ ثمانينات القرن 19 واخر من ألقى السلاح في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين” 12.

فقد استنجد السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان بعد انهزام المغاربة أمام قوات “أودونيل”، التي احتلت تطوان سنة 1859 بزاوية مولاي عبد الله بن حساين بتمصلوحت بنواحي مراكش، فأرسل الشرفاء المصلوحيون رسائل 13لقبائل أيت عطا، للقيام بهبة وطنية للدفاع عن تطوان أمام الجيوش الإسبانية الغازية وتحرير الصويرة والجديدة من الزحف الفرنسي، المنتشي بانتصار معركة “اسلي” 1844، باعتبار ايت عطا-يدينون بالولاء لشرفاء الزاوية، تجندت أيت عطا لذلك بإرسال ألاف من “التراس” أي المحاربين الذين أبلوا البلاء الحسن في الدفاع عن المجال الوطني.

وإبان صعود المقاومين لجبل بوكافر ظل هذا الشعور ملتصقا بالجانب الديني”فقد جمع-عسو أوبسلام- المجاهدين وعددهم قرابة ألف رجل وخطب فيهم قائلا: “من أراد منكم أن يموت في سبيل الله… في سبيل الشرف… في سبيل الدفاع عن معقل آبائه وأجداده، فأجابوا بصوت واحد نحن فداء لبلادنا ولا حياة بعد اليوم” 14.

وبعد انتهاء المفاوضات بين الفرنسيين ومقاومي “بوكافر” بقيادة عسو أوبسلام رفض أيت خباش إلقاء السلاح “كما أن أيت عطا بعد معركة بوكافر جردوا من سلاحهم إلا قبائل رفضت الاستسلام خاصة أيت خباش نزحوا من منطقة تافيلات وصاغروا في مسيرة انتهت بهم إلى المحيط الاطلسي حيث حوصروا من طرف الفرنسيين والإسبان وتلك صفحات أخرى لتزال مجهولة في سجل أيت عطا الكفاحي”. 15.

خلاصة

*  إن الباعث الأساسي الذي جعل قبيلة أيت عطا «تصعد» إلى جبل بوكافر وتستعد لمواجهة الآلة العسكرية الفرنسية، هو الباعث الديني أساسا، ذلك من خلال تلبية نداء الجهاد ومصاحبة بعض الزعماء الدينيين (الشرفاء–إكرامن) للمعتصمين هناك وتحريضهم على الثبات والصمود.

*  إن قبائل أيت عطا تجاوزت حدود الدفاع عن القبيلة إلى الذود عن الوطن، مسجلة بذلك صفحات مجيدة في سجل الكفاح الوطني.

*ظل التداخل حاضرا بين الشعور الديني والوطني في معركة بوكافر.


[1] محمد بوكبوط، الممالك الأمازيغية في مواجهة التحديات صفحات من تاريخ الأمازيغ القديم، اصدارات مركز طارق بن زياد، الطبعة الأولى، مطبعة فيديبرانت، الرباط ،2002، ص73.
[2] ميمون أم العيد، أوراق بوكافر السرية، الطبعة الأولى، سنة 2014، ص7.
[3] نفسه، مقتطف من تقرير استخباراتي فرنسي ليوم 4فبراير 1933. ص13.
[4] نفسه، ص8.
[5] للتوسع محمد بوكبوط، مقاومة الهوامش الصحراوية للاستعمار 1880_1938صفحات مجهولة من صمود قبائل التخوم الشرقية من تافيلالت الى واد نون، دار ابي رقراق للنشر، مارس 2015.
[6] نفسه، صص130، 163.
[7] جورج سبيلمان، ايت عطا الصحراء وتهدئة افلاندرا، ترجمة وتعليق محمد بوكبوط، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، مطبعة المعارف الجديدة الرباط،2007، ص31.
[8] محمد بوكبوط، مرجع سابق، رواية الحاج لحسن وحماد بوكبوط ارفود، ص 146.
[9] للاصفية العمراني، مطبوع الشعر النسائي الأمازيغي ومسألة كتابة تاريخ المقاومة المسلحة، ص11.10.
[10] للتوسع، محمد بن لحسن، الأمازيغ أضواء جديدة على المسيرة الحضارية عبر التاريخ، مطابع الرباط نت،2015صص86.85.
[11] جرمان عياش، دراسات في تاريخ المغرب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الطبعة الأولى، سنة 1986، نسخة PDF،صص168.167.
[12] محمد بوكبوط،مرجع سابق،ص33.
[13] رسائل بحوزة الدكتور عبد القادر بوراس،القنيطرة.المغرب.
[14] مصطفى العلوي، المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية: الحرب المغربية الفرنسية الإسبانية 1906-1936،الجزء4 ، الطبعة الأولى 1995 ص151.
[15] محمد بوكبوط، مرجع سابق، ص 138بتصرف.