1.  فـي مفهوم الابتلاء:  

البلاء والابتلاء هو الاختبار والامتحان. من بلاه يبلوه وابتلاه، أي جرَّبه، يقال: بلوت الرجل بلواً وبلاءً وابتليته: أي اختبرتـه. وبلاه يبلوه بلواً: إذا جرّبه، وبُليّ فلان وابتُليَ: إذا امتُحِن. والبلية والبلوى والبلاء واحد وجمعها البلايـا.

والبلاء يكون منحة ويكون محنة، والله عز وجـل يبلـو عبـده بالصنع الجميل ليمتحن شكره، ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره، وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ  1

2.  الابتلاء سنة ثابتة لا تُحابي ولا تُجامل

يقول تعالى فـي محكم التنزيل: ألم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ  2

ويقول جل جلاله فـي سورة آل عمران: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولـما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين. 3

ومن سورة البقرة نقرأ قولَه تعالى: أم حسبتمُ أن تدخلوا الجنة ولـما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساءُ والضراءُ وزلزلوا حتى يقولُ الرسولُ والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب. 4

وحسبنا من السنة النبوية جوابُه صلى الله عليه وسلم، لـما سئل: أيُّ الناس أشدُّ بـلاءً؟ قال صلى الله عليه وسلم: “الأنبياء، ثم الأمْثَلُ فالأمثلُ، يُبتلَى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صُلابة زِيدَ صَلابةً، وإن كان في دينه رقَّةٌ خُفِّف عنه، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ما له خطيئة”.

مما سبق، يتضح أن البلاء والابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان، وهما غاية الوجود، هو الذي خلق الـموت والحياة ليبلوكمُ أحسن عملا. (سورة الـمُلك). فالابتلاء سنة إلهية سارية في العباد والجماعات، لن تجد لها تبديلا أو تحويلا، فهو قاعدة التمحيص. يقول تعالى في مبررات تحويل القِبلة قبيل غزوة بدر: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ 5.

3.  أنواع الابتلاء فـي كتاب الله تعالى

وردت مادة البلاء والابتلاء بمشتقاتها في القرآن الكريم (38) مرة، في مواطن ودلالات مختلفة، منها:

  • الوفاء بعهد الله وتكليفه: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالـِمِينَ. 6.
  • الشدائد والـمحن: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الـْمُهْتَدُونَ. 7
  •  العقاب علـى اقـتراف الـمعاصي: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنهَـرٍ فَمَن شَـرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْـتَرَفَ غـرْفَةً بِيَدِهِ فَـشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ. 8.
  • النعم: وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. 9. وقوله جل جلاله: فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ. 10.
  • الـمنح والـمحن: وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ 11
  • صدق الطلب: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الـْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُم 12.
طالع أيضا  الابتـلاء للمؤمـن

4.  حصار شعاب أبي طالب

يقول صاحب الرحيم الـمختوم جدد الله الرحمة على صاحبه: “اجتمع صناديدُ قريش فـي خيف بني كنانة من وادي الـمحصب فتحالفوا، على بني هاشم وبني عبد الـمطلب أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، حتى يُسلموا إليهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للقتل… فانحاز بنو هاشم وبنو عبد الـمطلب مؤمنهم وكافرهم ـ إلا أبا لهب ـ وحُبسوا في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة.

اشتد الحصارُ، وقطعت قريش عنهم الـميرة (الـمِيـرَةُ : الطَّعامُ يُجمع للسَّفر ونحوه) والـمادة فلم يكن الـمشركون يتركون طعاما يدخل مكة ولا بيعا إلا بادروه فاشتروه، حتى بلغهم الجَهدُ والتجأوا إلـى أكل الأوراق والجلود، وحتى كان يُسمعُ من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغَـوْن من الجوع… وكان أبو طالب يخاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أخذ الناس مضاجعهم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضطجع في فراشه، حتى يرى ذلك من أراد اغتياله، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوانه أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يأتي بعضَ فُرُشهم” 13.

لقد كانت غاية الحصار واضحة ودقيقة “تصفية رسول الله بصفته حاملا لـمشروع الإصلاح”، من خلال التضييق على الـمسلمين ومن ساندهم من بني هاشم وبني عبد الـمطلب من غير الـمسلمين، فاشتدت عليهم الـمحن ثلاث سنين كاملة، ولنا أن نتخيل مشهد الأطفال ـ تحديـداً ـ وهم يتضاغَـوْن من الجوع، قبل أن يأذن الـمولى الكريم بالفرج، بعد تدخل مجموعة من عقلاء قريش لنقض الـميثاق.

وما كان لحدث النقض أن يتمّ دون دليل ساطع على نبوته صلى الله عليه وسلم، فقد أوحــى الله تعالـى لنبيه أن الأرضة أتت على صحيفة الوثيقة، وهو ما يسّر على صناديد قريش قَبول فكرة التراجع على قرار الحصار والتضييق.

5.  حصار غزوة الأحزاب

بعد تأكّدِ الـيهود أن ميزان القوة لم يعد لصالحهم في الـمدينة، سارع زعماء يـهود بني النضير لتأليب القبائل العربية وإغرائها باستئصال شوكة الإسلام، وجهّـــــزوا جيشا قِوامُه عشْرةُ آلاف مقاتل؛ جيش يفوق عدد الـمسلمين وقتها في الـمدينة رجالا ونساءً وأطفالا.

وبأقصى ما تكون اليقظة والتعبئة، سارع الـمسلمون تحت القيادة النبوية لتحصين الـمدينة من العدوان الغاشم ببناء الخندق، وهو ما أربك حسابات الـمعتدين واضطُروا للمرابطة قرابة شهر دون أن يتمكنوا من اختراق الخندق إلا ما كان من مناوشات وتراشقٍ بالنبال.

 خندقٌ أمّن الجبهة العسكرية، لكن نقْضَ بني قريظةَ للعهد مع الـمسلمين جعل الجبهة الخلفية للمسلمين تتكشف، وأوضحوا بيـن عدوين متربصيْن، يُــضاف إلـى ذلك تشويـشُ الـمنافقين من داخل الصف: عدو متربص وبرد وجوع وخيانة وتخبيل بالتعبير القرآني.

طالع أيضا  كيف نتعامل مع البلاء؟

أهوالٌ وشدائدُ ليس أبلغ من البلاغة القرآنية في تصوير خلجات النفس واضطراب القلب وتشتت الفكر. يقول الحق سبحانه في سورة الأحزاب: يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَـــــتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْـمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا 149،10

لقد صورت الآية ما أصاب الـمسلمين من فزع وكرب مضاعف تصويرا بديعا ومؤثرا، رسم حركاتِ القلوب وملامحَ الوجوه وخلجاتِ النفوس؛ إنه ابتلاء عظيم وزلزال مَــهُولٌ واختبار عسير محّص الصف وفيأه، بين من رؤية الأحزاب وتكالبهم على الإسلام زاد منسوبَ يقينه وثقته في موعود الله بالنصر والتمكين لعباده ودعوته، وبين من هم أقل من ذلك يقينا وثباتا، وبيـن من رسبوا في الاختبار وانكشف نفاقُـــهم وسوءُ ظـنهم بالله ورسوله، ولسان حالهم يقول: “كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر، وأحدُنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط”. اشتد الأمر على الـمسلمين فقالوا: يا رسول الله، هل من شيء نقول، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم، قولوا: اللهم اسْتُر عوراتِنا، وأمّنْ روعاتِنا.

أهوالٌ لم يُسمِّها القرآن الكريم زلزالا شديدا عبثا، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم “يتقنع بثوبه حين أتـاهُ غدرُ بني قريظة، فاضطجع ومكث طويلا، حتى اشتد على الناس البلاءُ ـ وقد كان أحــرجَ موقف يقفه الـمسلمون، فلم يكن يحُول بيـنــهم وبين بني قريظة شيءٌ يمنعهم من ضربهم من الخلف ـ ثم غلبته روح الأمل، فنهض يقول: الله أكبرُ، أبشروا يا معشر الـمسلمين بفتح الله ونصره”؛ أهوالٌ نتلمسها على لسان من عاشها فيما رواه مسلم في صحيحه، عن إبراهيم التيمي عن أبيه، قال: كنا عند حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، فقال له رجل: لو أدركت رسول الله صلـى الله عليه وسلم، قاتلت معه وأبليت. فقال له حذيفــــــة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدةٍ وقرٍّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا رجلٌ يأتي بخبر القوم، يكون معي يوم القيامة؟. فلم يُجبه منا أحد، ثم الثانية، ثم الثالثة مثله. ثم قال: يا حذيفةُ، قُم فأْتنا بخبر من القوم. فلم أجد بُـــــدّاً إذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال: ائتني بخبر القوم، ولا تُذعِـرُهم علي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شِماله، ومن فوقه ومن تحته. قال: فوالله ما خلق الله فزعا ولا قـرّاً فـي جوفي إلا خرج من جوفي، فما أجد فيه شيئا، وإذا الريح في عسكرهم ما تُجاوِز عسكرهم شبرا”.

وفي ذروة الزلزال، حيث بلغ الهلع مداه، وبلغت القلوب الحناجر، تحل ساعة صفرِ هزيمة تحالف العدوان، وتتولى العناية الإلهية تصريف الأقدار. يقول الحق سبحانه: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا. وقال عـزّ من قائل: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْـمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً.

6.  خلاصات

طالع أيضا  الابتلاء سنة ربانية وقدر إلهي -1-

بداية وجب التنبيه أن عصمة الأنبياء عليهم وعلى رسولنا أزكى الصلاة لا تتعارض وسنة الابتلاء، بل إن الأنبياء أشد بلاء ومن سار على دربهم تبليغا للدعوة وتجديدا لمشروعهم الرسالي.

ثم إذا كان الابتلاءُ سنةَ الله في خلقه أفرادا وجماعات، وإذا كان على قدر إيمانه يبتلى الـمؤمنُ، فإن الـمؤمنين جماعة يُبتلَون على قدر تبلور مشروعهم التحرري الذي يحملونه، وعلى قدر حضورهم وتأثيرهم الـمجتمعي وإشعاعهم وتنامي منسوب التجاوب مع مشروعهم، فحصار شعاب أبي طالب وإصرار قادة الشرك القرشي على تصفية رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء بعد تسارع وتيرة الإقبال النوعــيّ على دعوة الإسلام، حيث أسلم حمزة وعمر بن الخطاب، ناهيك عن رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم أي مساومـــة مع قريش.

أما في غزوة الأحزاب، فالـمحرك الأساس كان تحوّل ميزان القوة لصالح الـمسلمين مترجَـماً بقرار إجلاء اليهود إلى خيبر، وحيث إن اليهود أيقنوا ألا حول لهم لـمواجهة عسكرية مباشرة مع الـمسلمين، نجحوا بدهائهم الـماكر فـي تعبئة من يخوضها عنهم بالوكالة.

وفي حالتيْ الحصار، تجلت محورية القيادة الراشدة الحانية المحبوبة في تثبيت الصف، والذود عن الـمشروع وإكسابه زخما متجددا بعد كل استحقاق. ومن القيادة الراشدة وما تتميز به من ثقة ومصداقية وحضور ميداني (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشارك عمليا في حفر الخندق ولم يكتف بإصدار الأوامر، يجد من النصب والجوع والقر ما يجده عامة الصحابة) يُستمدّ الثبات بشرط الصدق.

وبعد الصدق والـملازمة ينتصب الذكر الكثير وتحري الاستقامة شرطا حاسما للثبات، فلا ثبات إلا بتثبيت، والتثبيت يُشتغل عليه ويُكتسب في محاضن التربية، في صحبة وجماعة يُتعلم فيها اليقين وتكتسب الرجولة الإيمانية، ويختبر (يقول الإمام الـمرشد رحمه الله) “الوارد والعضو لنعرف ونقوي صلاح أمره على مستوى الخصال العشر: صدقَ صحبته لنا وانضمامه لجماعتنا، صدقَه مع الله ورسوله، صدقَ ذمته وهمته وهجرته ونصرته، صدقَ بذله للمال والنفس والجُهد، صدقَ إقباله على العلم، صدقَ عمله ينجزه ويتقنه، صدقَ سمته وتميـزه، صدقَ صبره وتحمله وضبطه لنفسه وشؤونه، صدقَ توجهه إلى الأهـداف الجماعية والغاية الفردية الإحسانية، صدقَ طلبه للموت في سبيل الله“.

وختاما، إن الابتلاء مِرْقاةٌ للمؤمن يرفع به الله تعالى الدرجات ويُكفر به السيئات. وفي الحديث الشريف: ما يُصيب الـمسلم من همٍّ ولا نَصَبٍ ولا وَصبٍ حتى الشوكةِ يُشاكها إلا كفَّر اللهُ بها من خطاياه.

إن الابتلاء دليل على حبّ الله لـمن ابتـلاه. فعن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: عِظمُ الجزاء، مع عِظم البلاء، وإن الله إذا أحبَّ قوماً ابتلاهم، فمن رضِيَ فله الرضا، ومن سخِط فله السَّخَط.

والحمد لله رب العالـمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] سورة الأنبياء، الآية: 35
[2] (سورة العنكبوت: 1،3)
[3] (الآية 142)
[4] (212)
[5] سورة البقرة: 142.
[6] البقرة: 124.
[7] البقرة: 155
[8] البقرة:249.
[9] الـمائدة: 48.
[10] النمل: 40.
[11] الأنبياء: 35.
[12] سورة محمد: 31.
[13] الرحيق الـمختوم ص: 98،97.
[14] سورة الأحزاب الآيتان