توالت ردود فعل عائلات المعتقلين والحقوقيين والمتابعين للشأن السياسي حول التقرير الذي قدم المجلس الوطني لحقوق الإنسان، روايته للأحداث التي عرفتها منطقة الريف فيما عرف بـ “حراك الريف”.

أحداث الحسيمة مجرد “احتجاجات”

ملخص التقرير الذي تم تعميمه مساء الأحد الماضي، في 73 صفحة عن التقرير الذي يصل 400 صفحة، وصادقت عليه الجامعية العامة للمجلس في دورتها المنعقدة ما بين 6 و8 مارس 2020، قدم من خلاله المجلس الوطني قراءته لما جرى منذ اندلاع الأحداث في أكتوبر 2016 عقب وفاة محسن فكري وما تبعه من احتجاجات للمطالبة بـتنمية المنطقة وإنهاء تهميشها ورفع العسكرة عنها.

ملخص تقرير المجلس الوطني الذي خرج إلى الوجود بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على أحداث الريف، بتطوراتها وبتداعياتها النفسية والاجتماعية والسياسية التي طغت على الساحة الوطنية، لاسيما مع استمرار ملف المعتقلين؛ تبنى اسم “احتجاجات الحسيمة” بدلا من “حراك الريف”، الذي اعتبر أنه “متشبع بشحنة ايديولوجية وسياسية عالية تجعله يعكس موقفا مسبقا من الوقائع”.

وسجل التقرير ضمن خلاصاته “حالة وفاة يمكن وصفها، ضمن ملابسات وقوعها، بأنها عملية دفاع عن النفس”.

واعتبر التقرير  أن “أعمال الشغب والاحتجاج ذات الطابع العنيف” فوتت الفرصة للحوار حول المطالب لترصيد مشاريع التنمية، في مواجهة ضعف التمدرس وارتفاع نسبة البطالة والنهوض بالحسيمة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.

التحريض على العنف والكراهية

تقرير المجلس الوطني بادر منذ البداية إلى تحميل المسؤولية للمتظاهرين بأنهم البادئون باستعمال العنف عندما قال: “في كثير من الأحيان كان المحتجون الملثمون هم من يبدأون برشق رجال الأمن بالحجارة”. مضيفا أنه “في كثير من الأحيان كانت أعمال العنف تسبب إصابات في صفوف القوات العمومية”. واستعمل وصف “أعمال عنف حاد” وقال إن بعض الاحتجاجات شهدت بعضها.

وحمل التقرير المسؤولية مباشرة لناصر الزفزافي في تأجيج الأحداث حين قاطع إمام المسجد يوم 26 ماي 2017. بقوله: “اقتحام السيد ناصر الزفزافي المسجد أثناء خطبة الجمعة مقاطعا الإمام ومخاطبا المصلين داخل المسجد، ترتب عنه حرمان المصلين من ممارسة حقهم في صلاة الجمعة، حيث أم بهم الإمام في نهاية المطاف صلاة الظهر (أربع ركعات) عوض صلاة الجمعة، وبالتالي تم حرمانهم من صلاة الجمعة”.

طالع أيضا  ذ مستعد: التفاعل الاجتماعي الحاصل يقدم دفتر تحمل للجهات المسؤولة

وأضاف التقرير “باقتحامه للمسجد، يكون قد اعتدى على حق الذين كانوا بالمسجد في ممارسة حرية تعبدهم وحريتهم الدينية. ولذلك فإنه خرق حقهم في ممارسة شعائرهم”.

واتهم التقرير كثير ا من الشعارات التي ترفع في الاحتجاجات، واعتبرها “تحريضا ودعوة إلى العنف”، مؤكدا أنها “تعتبر ممارسات تهدد الديمقراطية والتمتع بحقوق الإنسان”.

واعتبر أن إلقاء الزفزافي الخطاب من على سطح منزل وهو في “حالة الفرار” نموذج ملحوظ لخطاب‏ التحريض على العنف والكراهية الذي انتشرت نماذجه خلال الاحتجاجات.

انتقادات حول التقرير

تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول “حراك الريف” خلف ردود أفعال من طرف حقوقيين وعائلات المعتقلين ونشطاء، الذين اعتبروا التقرير تأكيداً للرواية الرسمية، ومظلمة أخرى تنضاف إلى المعتقلين.

واستندت بعض الانتقادات التي وجهت إلى تقرير المجلس الوطني على أنه تبنى الرواية الرسمية، حيث نقل عن محامي المديرية العامة للأمن الوطني أن عدد الإصابات في صفوف القوات العمومية بلغت 902 ضحية. وأورد إحصاءات عن عدد الإصابات في صفوف القوات العمومية، التي بلغت 788 عنصرا من القوات العمومية. ومال في غالبية خطابه إلى “شيطنة” الاحتجاجات والناشطين، في مقابل دفاعه عن براءة الدولة في تعاطيها مع الاحتجاجات، اللهم في بعض الملاحظات.

  • محمد أغناج

وفور صدور التقرير كتب محمد أغناج محامي معتقلي حراك الريف في صفحته بـ “فيسبوك”: “تقرير مجلس بوعياش تجاهل معطيات خطيرة، وأسس على معطيات غير صحيحة”.

وأكد أغناج أن المعتقلين وهيئة دفاعهم سيرجعون لمناقشة التقرير بالتفصيل، وأضاف :”يكفي أن أقول جازما إن القرار الجنائي في ملف الدار البيضاء أعرض عن جميع المناقشات التي تمت خلال التحقيق وخلال المحاكمة وتأسس فقط على ما تضمنته محاضر البحث التمهيدي، على عكس ما روج له التقرير. والقرار موجود ويمكن للجميع الاطلاع عليه والتأكد من الأمر”.

  • عادل تشيكيطو
طالع أيضا  احتجاج "الطنطنة" والوقفات والمسيرات في استمرار لرفع الظلم وكسر الحصار

وهاجم عادل تشيكيطو رئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان من جهته تقرير المجلس، معتبرا أن ورقاته “صيغت خارج مقر المجلس”، منتقدا بشدة “تسفيه الحراك وشيطنة رموزه، والانتصار لأطروحة التدخل الخارجي”.

وأضاف تشيكيطو في تدوينة له في حسابه الرسمي في “فيسبوك” أن التقرير حاول بطريقة “ماكرة” الطعن في تسمية الحراك المتداولة إعلاميا، ثم أصر على تحميل المحتجين مسؤولية العنف الذي وسم بعض الأشكال الاحتجاجية وبرر التدخل العنيف للقوات العمومية، ولم تفته الفرصة ليحمل الشباب المنتفض مسؤولية تعثر بعض المشاريع الحكومية التي لم نر أثرا لها حتى بعد خمود الحراك.

وأكد رئيس العصبة أن “الورقات المنسوبة لمجلس بوعياش والتي تضم 400 صفحة تمت صياغتها خلال الفترة ما بين نونبر 2019 ومارس 2020، صنفت مقالات تضمنت رصدا لانتهاكات جسيمة في خانة الأخبار الزائفة أو التضليل، وأنه انطلاقا من 302 ألف مادة منشورة، تم رصد أكثر من 10 آلاف مادة ذات محتوى زائف ومغلوط حول ما أسماه بـ ”إحتجاجات الحسيمة”.”

واستهجن المتحدث ذاته نفي التقرير أيضا لمزاعم التعذيب كان قد صرح بها المعتقلون وأثبت التقرير الطبي للمجلس وجودها في يوليوز من سنة 2017.

  • خالد البكاري

من جانبه نفى خالد البكاري الناشط السياسي والحقوقي المعروف، صبغة الاحترافية عن التقرير، معتبرا أنه يتضمن “أخطاء فظيعة” بما في ذلك أسماء المعتقلين، وأخطاء في كرونولوجيا الأحداث.

وانتقد البكاري في تدوينة له في فيسبوك “إغفال أحداث مفصلية من قبيل تسريب فيديو حاط بالكرامة الإنسانية لناصر الزفزافي داخل مقر الفرقة الوطنية”.

واعتبر الاستماع مباشرة لإفادات عناصر الشرطة، والاقتصار على بيانات تقارير المجلس والمحاضر دون الاستماع مباشرة للمعتقلين؛ تمييزا في إيراد البيانات الخاصة بالتعذيب والعنف بين أفراد القوة العمومية والمعتقلين

وذهب بكاري إلى أن ادعاء التقرير أن المحكمة بالبيضاء بنت حكمها على ما راج أمامها “يبين أن معدي التقرير لم يطلعوا على تعليلات المحكمة والتي اعتمدت فقط على محاضر البحث التمهيدي، واستبعدت كليا ما راج أمام قاضي التحقيق وأمام المحكمة”.

طالع أيضا  بعد أحكام حراك الريف.. عمتم في وطن زنزانة!

وأضاف: “تحدث التقرير عن الشهود وادلة الإثبات في محاكمة البيضاء، دون أن يثير رفض عرض ادلة النفي ورفض شهود المتهمين، مما يعد تضليلا من طرف التقرير”.

وخلص البكاري إلى أن التقرير انحاز إلى الرواية الأمنية وهو ما يظهر بوضوح “في تغاضيه عن أحداث تكسير أبواب المنازل في إمزورن، وإيراد رواية غريبة تبرر مقتل الشهيد عماد العتابي، دون الإشارة إلى أن الشاهد الوحيد على مقتل العتابي تم اعتقاله لاحقا، وانه يستحيل منطقيا قبول ان الوفاة كانت بسبب شظايا الرصاص الذي كان موجها للأرض، مع تسجيل أن كل تصريحات وزير الدولة الرميد ووزير الداخلية كانت تنفي استعمال القوات العمومية للأسلحة النارية”.

واتهم البكاري تقرير المجلس بـ “التضليل” عندما وصف “خطابات قادة الحراك بالعنصرية ونشر العنف والكراهية انطلاقا فقط من ثلاث جمل مجتزأة من سياقها.

  • أحمد الزفزافي “الأب”

من جهته اتهم الزفزافي الأب آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان بإصدار هذا التقرير في هذه الظرفية، من أجل التغطية على ما يقع في السجون، و”لكي لا يأخذ الإضراب حيزه الحقيقي”.

وقال الزفزافي الأب، في تصريح صحفي نقلته بعض المواقع يوم الاثنين، إنه “من العار أن تقول إن اسمك مجلس وطني لحقوق الإنسان، ويصدر عنك مثل هذا التقرير”.
وأوضح الزفزافي الأب، أن عائلات المعتقلين لم تكن تنتظر يوما أن يصدر المجلس تقريرا ينصف المعتقلين، والعائلات، والوطن، مشيرا إلى أن هذا التقرير “على غرار التقارير السابقة، التي صدرت عن المجلس من قبل، فهذه نسخة”.
وأكد الزفزافي الأب أن عائلات المعتقلين لم يسبق لهم أن انتظروا شيئا غير الموت، مؤكدا “نحن ننتظر فقط متى يموت أولادنا في الحبس، اليوم مرت عشرون يوما دون أن تلج لقمة واحدة جوف الزفزافي، وأحمجيق”.