قراءة جامعة متفحصة في الأحداث التي عرفها ويعرفها العالم العربي الإسلامي الآن، وما حدث قبيل “الربيع العربي” وما تلاه من تطورات وتحولات في السياسات الدولية والعربية على حد سواء، نصل إلى استنتاج عام، مفاده أن العالم عموما مقبل على تغييرات جذرية قد تعصف بالثوابت الدولية، التي صُنعت ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وبالنظر أيضاً إلى ما خلفه الاستعمار الغربي بالأوطان العربية والإسلامية، التي ما تزال تحت صدمته القاسية تلك والذي كان تأثيره اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا محطماً بلا منازع. نجد شعوبنا المسلمة العربية الآن تتدافع لإثبات هويتها الحقيقية أمام موجات الاحتواء والتغريب والعولمة المدمرة، التي عصفت بالضعاف في سوق تعترف بذوي الدرهم والقوة. وما يتبع ذلك من نفوذ سياسي وسيادة اقتصادية على الدول التابعة قسرا أو طوعاً.

فهل نقول إنها الآن في مأزق أمام ما نشهده من كثافة هذه الأحداث، وكثرة تفاصيلها وتنوع مضامينها وأبعادها، والدخول في دوامة التحليلات الجيوسياسية، التي غالباً ما تكون موجهة من جهات تفهم غايات ما تذهب إليه من تأويلات.

نخلص إلى أن الوضع الراهن في تطور متزايد وتشابك ملحوظ. فهل نسلم أن الأحداث الكثيفة لا يلزمها سوى “التسليم” والإيمان بالقدر الذي لا منجى منه إلا إليه؟ أم نبتعد مسافة من الأحداث كي نفهمها وفق ضوابط القدر نفسه والقضاء خيره وشره؟

إن فهم مجريات ما يقع الآن وعرضه على القرآن الكريم يسعفنا أن نسلم تحت مُسلَّم “الحقيقة” التي تناقض في أحايين كثيرة مسلمات “الشريعة” ومقتضياتها -بشريا-، وفي الغالب تكون هذه الحقائق متجاوزة لمستوى طاقتنا وإراداتنا وتحليلاتنا التي لا ترى إلا ما يظهر من أسباب، وما يترتب عليها من وقائع وفق المنظور البشري الأرضي، وننسى أن للكون مسببا أول حكيم التدبير، عالم بمنتهى الأمور والمآلات وكفى به بصيراً سبحانه وتعالى.

طالع أيضا  مائة يوم من الاستبداد المحض

إذن وبناء على ما سبق؛ ما هو عنوان المرحلة الراهنة؟ وما هي أولويات الأخذ في التحليل، الطالب للتغيير بمفهومه الشامل، الذي يروم الأفضل للأمة الباني للمستقبل المنشود أمامها؟ ولماذا تأخر عالمنا الإسلامي العربي في قيادة العالم اعتباراً لأنه أرض الوحي، نشره أبناؤه من قبل أو على الأقل لِم تأخر في قيادة نفسه كي لا نكون حالمين؟ وبناء على أية أرضية تنهض مشاريع التغيير، وخلع ربقة التبعية الغربية، التي تخنق نياته ومشاريعه واستراتيجياته وتجهضها في مهدها؟

من هذه التساؤلات نطرح سؤال الرؤية الاستراتيجية التي تؤطر عمل الفاعلين في حقل التغيير ككل، إذ نجد الآن جميع التجارب أمامنا قد أعادت نفسها إلى ما قبل “الربيع العربي” على الأقل!

خطوة أخرى قد تبدو غالبة على المرحلة الآن وهي ارتفاع مستويات التصعيد، التي تُشَن على العالم الإسلامي والعربي (نموذج الحرب الشعواء على مسلمي الهند، الحرب الباردة المفتعلة بين إيران وأمريكا، المستنقع السوري، والفبركة الليبية، اغتيال الصحافي خاشقجي تحت أنظار العالم بشكل صفيق، إعلان صفقة القرن الصهيو-أمريكية…). مماثلا لذلك الجمود العربي والتراجع في مجال حركات التغيير، إما قسراً (نموذج إخوان حسن البنا) أو طوعاً ومراجعة لاستراتيجيات التدافع التي يحكمها منطق التدافع اللين الرفيق، أو ما اصطلحت عليه بـ “أسلوب خامة الزرع” والذي تنهجه كثير من حركات التغيير المجتمعي ذات المرجعية الإسلامية.

هذا التصعيد امتد كذلك نحو إطارات جغرافية كانت لا تبدي العداء للإسلام وأهله كالصين مثلاً، وما تفعله بطائفة الإيغور المسلمة من مذابح، ينضاف إلى ذلك ما تفعله الطوائف المتطرفة في الهند وأفريقيا الوسطى بمسلميها أبناء أرضها ولغتها.

نضيف إلى ذلك موجات التطرف التي تشهدها أوروبا، والتي لم تعد هذه الأخيرة تخفي تحيزها ضد الإسلام، أو على الأقل محاربة ما يدل عليه من رموز جهاراً والسماح لرموز هذا التطرف المقيت بالظهور على الشاشات وقنوات التلفزة العمومية، حيث يشاهده الجميع وإعلان المخفي من سياساتها العنصرية ضد الإسلام والمسلمين على أراضيها.

طالع أيضا  روح الاستبداد

ما يخفف موجة الإسلاموفوبيا هاته، هو شراكة الطوائف اليهودية في الدفاع عن حرمة أكل لحم الخنزير في المدارس على الأقل، وإلا بالأخبار أحيانا تطلعنا أن بعض المدارس تجبر تلاميذها من أبناء المسلمين واليهود على تناوله، والمحلات الشعواء على ارتداء الحجاب مثلاً. فهل تجعلنا كل هذه الأحداث نطرح ذلك السؤال القديم الجديد: ما العمل؟

بالعودة لمنطلق أن للكون رب يسيره وفق الخير والشر إظهارا أو إخفاء رحمة أو رهبة، يبدو في مقابل ذلك أن هذا السؤال سؤال مأزق فعلاً، إذ يصاحب منذ أمد بعيد كل المهتمين بشأن التغيير بطرحه بصيغ مختلفة عن الآن، وهناك من استنكر كيف تقدم الغرب وتخلف غيرهم. وهناك من المرجعيات الفكرية من طرحت السؤال نفسه لكن بنفَس منطلقاتها ومنطلق الدعوة والتغيير. لكنه الآن يطرح نفسه بجدة وبإلحاح شديدين أمام نفس الفاعلين العالميين والمحليين كي نتبين على الأقل ملامح المستقبل الذي نريده لأنفسنا ولأمتنا.

بناء على الأرضية التي سبقت نعود ونقول إن العالم الآن مقبل على تحولات جذرية قد ترسم ذلك المستقبل المأمول فعلاً وتطبيقاً. فهل نفهم موقع أقدامنا مما يجري؟ أم ستظل التحليلات تجانب الإجابة عن كل هذه التساؤلات بدعوى أن كثافة الأحداث متروكة لما ستؤول إليه أخيراً؟!