يخصص 8 مارس من كل سنة للاحتفال بما اكتسبته المرأة من حقوق وحريات بعد نضال دام سنوات طوال، والتنويه بالتقدم الذي أحرزته خلال السنة المنصرمة، وبسط باقي المطالب التي تروم تحقيقها مستقبلا.

وإن كان لا بد من وقفة مع هذا الموعد السنوي، فلنجعله مناسبة لتسليط الضوء على ما يعيشه أبناء الوطن رجالا ونساء من قهر وظلم، وتجريد من قيم المواطنة الحقة؛ التي تنص على حفظ الكرامة الإنسانية وتوفير الأمن والأمان، والقطع مع مختلف أشكال الانتهاكات والتضييقات على حقوق الإنسان.

وضع عام لا تشكل المرأة فيه استثناء، بل تطالها نيران الإقصاء والتهميش، وسنخصها بطرح مظلوميتها كونها تمثل اللبنة الأساسية للمجتمع، وجزء لا ينفصل عنه تربية وتأطيرا وتسييرا، ونظرا للظلم المركب الذي عانته، وما تزال، والذي كان من نتائجه أن حصرت بين جبهتين؛ إحداهما شددت عليها الخناق باسم الدين حتى أضحت مسلوبة الإرادة، لا تعلو عن مرتبة العبد الذي لا رأي له يسمع ولا فهم له يتبع ولا عاطفة تراعى، والأخرى تأثرت بالغزو الثقافي والإفساد التغريبي تمردا على المجتمع الرجولي الذي قهر المرأة المسلمة، فاعتنقت أفكارا دخيلة أبعدتها عن مقاصد رسالتها السامية التي لأجلها خلقت، فنَحَت نحو طلب الندية الكاملة للرجل دون مراعاة لخصوصية كل منهما وتكامل أدوارهما، وجعلت من تحصيل “حقها” في ملكية جسمها تفعل به ما تشاء هما تدافع عنه.

فأما جبهة المدافعين عن الحريات الفردية للمرأة، ممن يختزلون المعنى الشامل للمصطلح في الجسد، فقد أعلنوا رفضهم لوصاية المجتمع كيفما كانت طبيعتها قانونية أو دينية.. مستوردين أفكارا جاهزة من مجتمعات تمتح من أديان ومعتقدات غير ديننا وثقافة غير ثقافتنا؛ ومنها أن تصبح المرأة أداة لتسويق المنتجات ووسيلة لجذب الزبائن في مجالات شتى بما فيها الإدارات، وما يتبع ذلك من اتجار مُبالغ في أدوات إبراز زينتها ومفاتنها وتغيير خلقتها، وكذا ارتمائها في العلاقات غير الشرعية أو ما يطلقون عليه “العلاقات الرضائية بين راشدين”، بما فيها العلاقات الشاذة والحق في الإجهاض بعد ممارسة الجنس الرضائي.. وغيرها من الممارسات الغريبة عنا والتي تجعل من النساء مادة استهلاكية معرضة للرمي بعد انتهاء تاريخ صلاحية أجسامهن.. مع أن الحريات الفردية التي خص بها الشرع الحنيف المرأة أعمق وأشمل وأنبل من هذا الطرح السطحي، الذي ظاهره حرية وباطنه تكبيل في سلسلة من المشاكل المتناسلة والمركبة (النفسية والاجتماعية..)، وامتهان لكرامتها حين تصبح كالدمية تتلاعب بها الأيدي، وانتهاك لحقوقها التي يطولها الغمط وهي مسيجة بسياج متين من الحماية، فكيف بها عندما ترفع هذه الحماية ويسهل لكل لص سارق لأنوثتها في وضح النهار أن يتخلى عنها بعدما تنتهي نزواته دون مساءلة أو محاسبة.

طالع أيضا  مشاركة المرأة المسلمة في الشأن العام بين الممارسة والمطلوب

إن حق المرأة في الإسلام مكفول كأفضل ما يمكن أن تطلب، نتتبعه في سنة رسولنا الكريم، وتعامله مع نسائه وبناته والمؤمنات عامة، فهما وتحقيقا وتفصيلا لما ورد في القرآن الكريم؛ كلام الله سبحانه وتعالى. وإعادة إحياء هذه الحقوق والذب عنها، والبحث عن حلول لما استجد من أمرها، يحتاج تضافر جهود كل الأطياف والعاملين في المجال من علماء وأخصائيين اجتماعيين ونفسانيين.. لتنعم بها من جديد.

ومما يستوجبه هذا الأمر إعادة فتح باب الاجتهاد بما يدفع عن قضية المرأة ارتهانها لفقه منحبس وضعه علماء انطلاقا من أوضاع تاريخية معينة، وفهم عليل لكثير من الناس يجعلهم يتعاملون مع المرأة على أنها أساس غواية ومصب شهوة وناقصة عقل ودين وجالبة عار.. فقه صب جل فتاويه على مظهر المرأة، وما يجوز ولا يجوز في التعامل مع جسدها، حتى أضحت عضوا منكمشا لا يكاد يظهر له أثر في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية كما كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل مجرد أداة لتفريخ الكم الغثائي.

وإلى أن يتحقق هذا الهدف السامي الذي لا ينال بين عشية وضحاها، كيف تربأ المرأة بنفسها عن الخندقين؟ وما هو واجبها الآني تجاه قضيتها؟

إن قضية المرأة ليست نظرية وفكرية محضة؛ يفتح حولها النقاش في المناسبات المحدودة والمتباعدة، ولا ورقة تستغل في الحملات الانتخابية بكثرة الشعارات الغوغائية، فالواقع الذي تعيشه المرأة إلى جانب أخيها الرجل واقع مرير يبقى شاهدا على استمرار معاناة الطرفين في ظل نظام يجرد الإنسان من إنسانيته، وما نراه من انتهاكات وعنف ممارس عليها بجميع صوره؛ الجسدي واللفظي والاعتباري، والتحرش الجنسي والاغتصاب والطلاق الظالم وعدم تكافؤ الفرص.. وما ينتج عنه من سلوكيات مهينة لقيمة المرأة، وما يخلفه من آثار نفسية سلبية؛ كالخوف والألم والإحباط والاكتئاب وفقدان الشعور بالأمان.. ما هو إلى نتاج طبيعي لما يعانيه الرجل من ظلم واستبداد وعنف..

طالع أيضا  هذه قصتك سيدتي.. كل عام وأنت حرة كريمة

وإن خلاص المرأة رهين بمعرفتها، أولا، لوظيفتها ودورها الأساسي في الحياة؛ فعلمها الصحيح بما لها من حقوق وما عليها من واجبات كفيل بأن يحدد لها إطار حركتها وهدف نضالها، وهي محتاجة قبل ذلك للتخلص من الإحساس بالدونية الذي خلفته نظرة النقص إليها، والذي يسبب لها الضعف النفسي، وأن تعي أنها مكلفة معنية بخطاب الله عز وجل: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (سورة الأحزاب، الآية 35).

الخلاص الأعظم أن تقف وقفة تأمل لتطرح على نفسها أسئلة حازمة حاسمة؛ من أنا؟ وما دوري في الحياة؟ وما الغاية من وجودي؟ وما مصيري؟ لتسمو بهدفها وتسعى إلى قضيتها الأساس والتي هي محور القضايا ولبها؛ قضيتها مع ربها، حينها فقط سيكون لنضالها من أجل نيل حريتها وحقوقها الكاملة معنى، حيث ستخدم الوسائل الغاية، وتنخرط في دواليب المجتمع لتشارك في التغيير راضية مطمئنة.

المصدر: موقع مومنات.نت.