كتب الدكتور محمد الزاوي أحد الوجوه البارزة المعروفين سابقا بـ “المعتقلين الإثني عشر”، رسالة مؤثرة يرثى فيها أمه الكريمة يامنة اليعقوبي، التي وافتها المنية يوم الخميس 27 فبراير 2020، وهي الأم المجاهدة التي ما سكنت ولا استسلتمت لفقدان ابنها خلف أسوار السجن الظالم مدة 20 سنة.

فيما يلي نص رسالته:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين

في حضرة الأم المدرسة، والوالدة المربية رحمها الله تعالى

أمام إلحاح كثير من الأحباب آثرت كتابة هذه السطور العاجزة، والقوافي الباكية عن الوالدة المدرسة والأم الحاضنة، اعترافا وتحدثا بنعمة الملك الوهاب، واستمطاراً لوابل الرحمات من لدن الأخلاء.

الوالدة “يامنة اليعقوبي” شريفة الأصل والنسب، تنحدر من قرية ارْشِيدة نواحي جرسيف، ينتهي نسبها الحَسَني إلى الولي الصالح سيدي “يعكوب” الملقب بـ “ذي قَبْرين”. عاشت اليتم في صغرها من جهة أبيها عبدالرحمن رحمه الله، فتربت في حضن أمها الحاجة “الطاهرة” المعروفة بصلاحها رحمها الله، ورفقة إخوتها الكثر.

تربينا نحن خمسة إخوة في كنف عطفها وسمو خلقها ولين جانبها، رضعنا منها لبان الحب لله عزوجل ولحبيب الله صلى الله عليه وسلم ولأولياء الله. وتعلمنا منها العطاء اللامشروط، تدخل السرور على الكبير والصغير، الصحيح والسقيم، تقري الضيف، لا يعرف البخل إلى يدها سبيلاً.

الذكر زادها، والنظافة عنوانها، واقتحام الصعاب هوايتها. تحسبها أمية التعليم وقد أوتيت من فصاحة القلب وبيان الفطرة ما تأسر بهما اللب وتستميل الجنان فإذا بك تُسلس لها القياد عن حب وطواعية، دون ملل أو كلل. تسبقها القُبلة الرحيمة قبل النصيحة الموجهة، واليد الحانية قبل الكلمة الآمرة أو الناهية، والدعوة الجامعة قبل وبعد وأثناء الحديث والمداعبة :”الله يوفي لك ما تتمناه”، “الله يجعلك نوّارة في كارة، اللي شافك يرضاك ..”

كم كانت تغدق علينا من الدعوات الجامعة المانعة الماتعة المسترسلة من قارورة فؤادها دون تكلف أو تصنع؟!! نرجو من الباقي الدائم أن لا يقطع عنا مَدَدها ومُدها دنيا وأخرى.

آنست روحُها محبة المؤمنين والمومنات، فتعلقوا بعذوبة حديثها، وتعلقت بطيب معشرهم، وألهبت عباراتها البسيطة لفظا العميقة معنى حماس الطلبة والطالبات، فاستضافوها مرات ومرات في مدرجاتهم العتيدة تستكمل معهم مسيرة بناء جيل الحرية والكرامة والعدل.

لم تزدها صوارم البلاء من يتم الطفولة وأمراض متتالية، وفقد ابنها لسنوات ذوات العدد إلا مضاء وعزة وتعلقا بالحنان المنان ذو الجلال والإكرام الذي يتعرف إلى عباده المصطفين الأخيار بصفات القهر و الجلال، فيجرهم بسلاسل الضر والمنع إلى ربوة الأنس والرضى، كما يتودد إليهم بصفات العطاء والجمال ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من قرة الأعين وبرد اليقين وجزيل الإنعام.

ما ذكرت يوما في حياتي حتى في أحلك نوائب الدهر أن الوالدة أَنّت أوْ جزعت أوْ شَكت أوْ ضجرت بل كانت تردد بقلب ملؤه الشكر والتسليم” كُلْشِي فيه خير” ، دَابا يفرج الله”..

لم تُخْبر باعتقالي ـ وأنا الابن الصغير المدلل عندها ـ ظنا منا أن ذلك سوف يهد قواها، ويفت من فولاذ عزيمتها، ويُعيدها إلى سابق سُقْمها. ولما هاج بحر اشتياقها، وتلاطمت أمواج أمومتها، وتقرحت كبد حنوها اضطر الأهل إلى إخبارها بعد مضي ما يزيد على السنتين من الاعتقال، فطارت على سكك السرعة تقطر غصة على فلدة كبدها المظلوم، تلملم أحزانها وتكفكف دمعها طوال رحلة الشوق واللقاء من تازة إلى القنطيرة، تتقاذفها الأسئلة المزعجة والوساوس المهلكة عن مصير ابنها الموؤود المنبوذ في غياهب الجب اليوسفي دون سابق علمها؟؟

أذكر يوم أُخبرتُ بالزيارة، ولم يكن وقتها الهاتف المحمول، خطر في بالي كل الزوار إلا أمي، صعدتُ الدرج بخطى متهادية بطيئة، تجاوزت الأبواب الحديدية، فإذا بي أفاجئ بطلعة أمي البهيبة، استرقت النظر إليها متهيبا من أن أجد مَلامة منها، فإذا بصمتها الرهيب يُلجمني عن الاعتذار، وقد مسحت عن وجهها الجميل كآبة هول صدمة الإخبار ، متقلدة درع الصبر ، تضمني في عزة وإباء، تهمس في أذني: “الرجال اللي كيدخلو للسجن”.

لقد كان درسا قرآنيا بليغا مدهشا بحق: “وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) (القصص/7-10)

لا ضير على الأمومة عندما تتلقفها يد العناية الإلهية اللطيفة الرحيمة، جزاء صبرها واحتسابها، فالتثبيت من الله والثبات من العبد، كما أن البلاء والولاء صنوان لا يفترقان :

وإذا العناية لاحظتك عيونُها **** لا تخشَ من بأسٍ فأنت تصانُ

وبكلّ أرضٍ قد نزلت قفارها **** نم فالمخاوف كلّهنَّ أمانُ

واصطد بها العَنقاءَ فهي حبائلٌ **** واطعن بها الأعداء فهي سِنانُ

وافتح كنوز الأرض فهي غرائمٌ **** واقتد بها الجوزاء فهي عنان

التسليم للقادر المقتدر المقدر كنز ٌما أعظمه!! سلم الأمر إلينا نحن أولى بك منك

لقد كان السجن أفضل قدر لأتعرف على وجوه الشموخ والإباء في شخصية أمي، وليس ذاك بالأمر الغريب عنها، وهي سليلة بيت النبوة والقائمين بالله ولله، وقد حكت لنا قصة جدها قاضي قرية ارشيدة الذي أبى أن يكنس مكاتب المستعمر الفرنسي لما جاء دور أسرتها، فاشتاط حنقه ــ المستعمر ـ ونفاه مع أهله إلى خارج القرية.

أمضي خفافا سراعا مع الأحباب، وأطوي الزمان والمكان لأتذكر يوم كَحَّلَتْ رؤية سيدي المرشد سيدي عبد السلام رحمه الله عينيها، فهرولت على جَناح لوعة المؤانسة وروعة المجالسة إلى زيارتي تبث إلي فرحة الظفر بالكنز العظيم، باب وَصل نسبَها الفطري الطيني بنسبها الروحي النوراني لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين.

تصف دقائق الوصلة الغالية وتفاصيلها السَّنية بلهفة وحبور: “جالست سيدي عبد السلام وكنت قبالته وتحدث عن كذا ووو”. منذ ذلك اللقاء وهي تلهج بذكر اسمه مرات ومرات ومرات.. دعاء له، وإخبارا عنه، ووفاء لعهد الود.

أجدني مضطرا إلى إلجام العبارات والعَبرات عن البوح والبيان حتى لا نسقط في مغبة المحظور، ونخرج عن سكة المأذون، إذْ يَكفي من القِلادة ما أحاط بالعُنق. وأختم بشهادة لحفيدتها مريم صديق، وأخرى لأخي سيدي محمد اللياوي شافاه الله :

مريم صديق: “بالنسبة لي من بين أكثر ما ظل راسخا ببالي في حياة “حنّا”، أن يوم الجمعة كان يوم عيد بحق بالنسبة لها، كانت تستيقظ باكرا، وتدخل للاستحمام، وتغير ملابسها وتلبس لباسا نظيفا أبيض “قميص” ، وترش العطر، وتضع المسك، وتنادينا، وترش لنا العطر أنا وأختي أسماء، وتعطينا نحن أحفادها النقود.. هذه المشاهد لا زالت حية بذاكرتي وأحس بها وكأنها يوم أمس…”

محمد اللياوي: “أمنا يامنة كانت بالفعل أما لنا جميعا في تلك المنحة الربانية. غمرتنا بمحبتها وحنانها وكأننا جميعا أبناؤها. كانت زيارتها لنا رفقة الحاج الطيب شفاه الله يوم عيد نبتهج فيه فرحا وسرورا. أفسح الله لها في قبرها وألحقها بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم”.

ما أعظمك من أم تُشرق في سماء ابتسامتها العذبة نجوم المسرات والآمال.وتَنهد أمام صلابة شخصيتها جبال الهموم والأحزان. إنها خريجة مدرسة الفطرة، وينبوع الرحمة والحنان، ومعدن الشهامة والكرم. زانتها وزادتها الصحبة والجماعة بهاء ونقاء وحظوة في قلوب المؤمنين والمومنات. وما جنة الأمومة إلا صحبة حانية راقية تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها: جماعة أبناء بررة لا ينقطع العمل والمدد بدوام نسلهم، لمثل هذا اليوم فليعمل العاملون.

فارفع لنفسك عند الموت ذكرها **** فإن الذكر للإنسان عمر ثاني

أكتفي بهذا المحرر الوجيز ناسبا الخير إلى أهله، متحدثا بنعمة الله علينا وعلى الناس، ولا نزكي على الله أحدا، فالفضل منه وإليه، سائلا الرحمة والغفران للوالدة الكريمة ولمن له الحق علينا من المومنات والمومنات.

قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) سورة البقرة.

يا ذا الفضل العظيم اختص الوالدة وجميع موتى المسلمين برحمتك. يا خير مستودع، يا من لا تضيع لديه الودائع، اللهم إنا نستودعك إياها وجميع المومنين والمومنات. لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم. والحمد لله رب العالمين.

الجمعة 11رجب 1441هـ موافق 6 مارس 2020م