مقدمة

الأخلاق في الإسلام في بعدها الأسمى مكارمٌ، يجمعها علما وفقها القرآن الكريم. ويمثلها سلوكا عمليا ومثالا يحتذى النبي صلى الله عليه وسلم، الذي شهد له الله تعالى بذلك فقال له: [وإنك لعلى خلق عظيم](القلم:4). فهي أخلاق ما وجدت إلاّ ليتّصف بها الإنسان المسلم باعتبارها سلوكا أخلاقيا. وهي في الإسلام أكثر من أن تكون معطيات ومعارف هي دين. فأي تفاوت في الأخلاق بين الأفراد هو في الحقيقة تفاوت في الدين. فكمال أخلاق الفرد هو كمال دينه. فمن زاد عليك في الأخلاق زاد عليك في الدين. على العهد النبوي، كان عندما يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصحّح لأحد الصحابة نقصه في فهم الدين، كان يتمّ ذلك عن طريق تصحيح الجانب الأخلاقي فيه. مثلما قال صلى الله عليه وسلم لسيدنا أبي ذرّ الغفاري رضي الله عنه: “يا أبا ذرّ إنك امرؤ فيك جاهلية”. وذلك حين سبّ أبو ذرّ رضي الله عنه رجلا ونال من أمّه.

إلى جانب أن الأخلاق في الإسلام هي دين، فهي تتميز عن غيرها من الأخلاق عند الفلاسفة والمفكرين الغربيين، وعند الأمم الأخرى، في كونها في الإسلام لها بعدان:

البعد الأول: عمودي يحدد طريقة تعامل الإنسان مع الله عز وجل. وتتلخص هذه الطريقة في الأدب. والأدب عماد الطريق إليه سبحانه وتعالى.

البعد الثاني: أفقي، يحدد طريقة تعامل الناس مع بعضهم البعض. وتتلخص هذه الطريقة في المعاملات. وللمعاملات أحكام في الإسلام تنظمها وتشريعات.

وهاتان الطريقتان، الأدب والمعاملات، تجمعهما شعبُ الإيمان لتشكل منهما المجموع الجيّد من رصيد الأخلاق الإيمانية بالنسبة للفرد، والمجموع الجيد من رصيد القيم الاجتماعية بالنسبة للمجتمع. وفي الوقت الذي نجد في الإسلام هذا الفهم العالي للأخلاق في بعديه الأفقي والعمودي، لا نجد عند غيره سوى بُعدٍ واحد هو البعد الثاني الذي يحدد طريقة التعامل بين الناس في حدّه الأدنى الذي يستحضر فقط احترام الخصوصيات الفردية والجماعية من أجل تحقيق المصالح المتبادلة، والتي هي عبارة عن حقوق وقوانين. أما غير ذلك من الأخلاق السامية التي لها علاقة بتجاوز الذات ونكرانها من تسامح وإحسان، وبحياة المعنى ومعنى المعنى فلا توجد في قاموسها.

والذي يؤصل لهذه الأخلاق السّامية القرآن الكريم، إذ نجد فيه من الأخلاق ما هو متوزع على الآيات، كالحديث عن الصبر بوحده في آية أو آيات لبيان فضيلته وأهميته، وكذلك مثله الصدق والعدل والأمانة. كما نجد في القرآن أيضا من الأخلاق ما هو مجتمع في آية واحدة. كقوله سبحانه تعالى: [خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين] (الأعراف:199). فقد “قال الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه: “ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من قول الله عز وجل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال الحافظ بن حجر في شرح البخاري: ووجَّهوا قول جعفر بأن الأخلاق ثلاثة بِحسَبِ القُوَى الإنسانية: عقلية، وشهوية، وغضبية. فالعقلية الحكمة ومنها الأمر بالمعروف، والشهوية العفة ومنها أخذ العفو، والغضبية الشجاعةُ ومنها الإعراض عن الجاهلين” 1.

طالع أيضا  الحياء: خُلق ودين وحياة أمة

وقوله عز وجلّ: الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين 2.

وبالخلق الكريم أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وأحبابه. قال عالم الصحابة معاذ بن جبل رضي الله عنه: “كان آخر ما أوصاني به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعت رِجلي في الغرز أنْ قال: يا معاذ! أحسن خُلُقكَ للناس 3. وقال صلى الله عليه وسلم: بُعثت لأتمم حسن الأخلاق 4. وروت أمنا عائشة رضي الله عنها عنه صلى الله عليه وسلم قال: إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم 5. وروى الترمذي عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنُهم خلُقا وألطفُهم بأهله”. وبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكاملين والكاملات في الأخلاق فقال: إن من أحَبكم إليَّ وأقرَبكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسِنكم أخلاقا. وإن أبغضكم إلي وأبعدَكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون. قالوا: يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون. فما المتفيقهون؟ قال: المتكبرون 6.

قيل عن الأخلاق

يتفق الفلاسفة في أن فلسفة الأخلاق تكمن في كونها معايير تفيدنا فيما نفعله وما لا نفعله. لكنهم يختلفون في نوعية الأخلاق الفردية والجماعية التي يمكن أن يتصف بها الإنسان والمجتمع. فبعضهم يؤمن بالأخلاق المطلقة التي تجعل القوي دائما يتحكم في الضعيف، والغني في الفقير، والعالِم في الأميّ. وهي الأخلاق التي تتبناها الإمبريالية كمثال على ذلك في سيطرتها على الدول الفقيرة والضعيفة والمتخلفة. وبعضهم يؤمن بالأخلاق النِّسبَوية التي تجعل من الحرية الفردية الأساس في اختيار نوع الأخلاق. فما يؤمن به هذا بأنه خُلق، قد لا يؤمن به الآخر. وهذا النوع من الأخلاق يعمّق هُوة الخلاف والاختلاف بين الناس وبين الدول، مما يسبب الحروب التدميرية والصراعات الدامية. وبعضهم الآخر يؤمن بالأخلاق النّسبية التي تعرف مع مرور الوقت التطور والنمو. فكلما مرّ الزمن ظهرت أخلاق جديدة لم تكن من قبل. كحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، وحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة. ونجد لهذا التطور والنمو إشارة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه:” إنما بُعثت لأتمّم مكارم (وفي رواية صالح) الأخلاق” 7. فكأن الأخلاق لم تكن قد تجسدت في المجتمع البشري بالشكل الكامل علميا وعمليا ونوعيا، فكانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم المرحلة النهائية التي صاغت الأخلاق في نظرية متكاملة. وهذه الأخلاق الفردية منها والجماعية والكونية، هي أخلاق مشتركة تساهم في تأليف الناس وتقريب الشعوب وتوحيد الدول واحترام الانسانية.

طالع أيضا  من حقوق الأخوة في الله: الصبر على العثرات وغض الطرف عن الزلات

من الذين تحدثوا عن الأخلاق وكانت لهم إضافة نوعية في التحليل، السيد علي عزت بيجوفيتش رحمه الله، رئيس البوسنة والهرسك السابق. يقول في كتابه “الإسلام والغرب” وهو يتحدث عن الأخلاق: “الواجب هو المصطلح الأساسي في علم الأخلاق، والمصلحة هي المصطلح الأساسي في علم السياسة. الواجب والمصلحة وإن كانا متعارضين، فإنهما قوتان محركتان للنشاط الإنساني، ولا يمكن الخلط بينهما، فالواجب دائما يتجاوز المصلحة، ولا علاقة للمصلحة بالأخلاق” 8. كلام جميل. قائله يتحدث عن الأخلاق العالية التي تنطلق من الواجب في التعامل مع الآخر، لا تنتظر مقابلا معنويا ولا ماديا. وهذا هو “معنى المعنى” الذي تحدثنا عنه في مقال سابق. والذي يعبر عن تجاوز الذات ونكرانها. هذا النوع من الأخلاق التي تنطلق من الواجب قليلة في المجتمع لطغيان التفكير في المصلحة الذاتية. قليلة حتى في الأمكنة التي ينبغي أن يشيع فيها الحب، مثل مؤسسة الأسرة. فقد أصبحت تتعامل بمنطق الواجب والحق. وإذا حضر هذا التعامل العقلي القانوني بكل تأكيد سيؤثر على التعامل العاطفي التطاوعي.

ويضيف علي عزت بيجوفيتش أنه لا يمكن الحديث عن السلوك الأخلاقي إلاّ عند من يؤمن بوجود الله تعالى. فلا معنى لوجود الأخلاق إذا لم يكن هناك معنى لوجود الله في الحياة. ويستشهد بالشيوعية كمثال على ذلك في التاريخ، بأنها لم تعرف الأخلاق أبدا، لأنها لم تؤمن بوجود الله تعالى، بل كانت تؤمن بالإلحاد. والإلحاد يتنافى مع الأخلاق. وكما قال بعضهم: إذا لم يوجد الله، فكل شيء يجوز.

ومن الفلاسفة الذين تحدثوا عن الأخلاق كذلك “إريك فروم” في كتابه “الإنسان من أجل ذاته، بحث في سيكولوجية الأخلاق”، وقد قسمها إلى قسمين: الأخلاق التسلطية والأخلاق الإنسانية. وجعل بينهما فرقا كبيرا. فالأخلاق التسلطية هي التي تقررها السلطة وتفرضها على الإنسان بصفته محكوما وتابعا لها. فما تراه خيرا هو الخير، وما تراه شرا هو الشر. وهي أخلاق في النهاية تخدم مصلحتها. وكل خلُق يدفع إلى مواجهة هذه السلطة -حتى وإن كانت ظالمة وجائرة- فهو في قاموسها الأخلاقي شرّ يُخلّ بأمن المجتمع وباستقراره. أما الأخلاق الإنسانية فهي التي يقررها الإنسان لنفسه بما يخدم الإنسانية جمعاء. وليس طرفا أو عنصرا أو جنسا أو عرقا معينا بعينه.

كذلك من الذين تحدثوا عن الأخلاق صاحب كتاب “المشترك الإنساني نظرية جديدة للتقارب بين الشعوب” الدكتور راغب السرجاني. إذ يذكر في كتابه وهو يتحدث عن الأخلاق نوعين منهما:

–       الأخلاق الأساسية: وهي أخلاق يقول عنها صاحب الكتاب: “وهذا مصطلح جديد أدخلته في هذه النظرية لأعبر به عن مجموعة معينة من الأخلاق أرى أنها مشتركة بين عامة البشر، وهي في رؤيتي أساس الأخلاق، ومن عُدم أحد هذه الأخلاق الأساسية فإنه سيتعذر عليه في الغالب أن يتصف بغيرها من الأخلاق. وهذه الأخلاق الأساسية من وجهة نظري ثلاثة، وهي: الصدق والأمانة والعدل” 9. ذِكره لهذه الأخلاق لا يعني أنه همش غيرها. بل ركز على هذه الثلاثة لأنها تمثل أساسا مُهما لمبدأ التعارف، ومشتركا إنسانيا عاما لا يمكن الاختلاف عليه. وأضاف أن أي أمة فقدت هذه الأخلاق وتفشت فيها أخلاق الكذب والخيانة والظلم هي أمة تقترب من لحظاتها الأخيرة.

طالع أيضا  حسن الخلق

–       الأخلاق السامية: اعتبرها الدكتور السرجاني أخلاقا ترتفع عن الحدّ الأدنى المذكور من الأخلاق الأساسية لتؤسس “حياة إنسانية راقية”. وعلى رأسها التسامح والعفو والإحسان. يقول عنها الدكتور: “إن الأخلاق السامية أو بتعبير آخر “أخلاق الفضل” تمثل الجمال الزائد الذي يجعل الحياة أحلى وأسعد، وهي لهذا أخلاق لم يشترك فيها كل البشر، […] وأرى أن الأمة الإسلامية فيها اجتمعت هذه الأخلاق السامية، أو أخلاق الفضل” 10. كما أضاف أن هذه الأخلاق السامية، لا يمكن أن تكون إلا تلك الأخلاق التي بُعث النبي صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارمها. وأنها أخلاق لا توجد إلا في الأديان السماوية إذ تمثل فيها النظام الأخلاقي النازل من السماء.

يبدو لنا من خلال ما سبق أن موضوع الأخلاق له تاريخ طويل حافل بالاجتهاد. كل مفكر وكل عالم ينظر إليه من زاويته، وكل دين له سلوكه الأخلاقي، وكل مجتمع له فلسفته الأخلاقية. إلا أن الشيء الذي يتفقون عليه ولا يختلفون فيه هو أن الأخلاق هي المعيار في بقاء الأمم أو ذهابها، في تقدمها أو تخلفها، بمعنى أنّ أي خلل يصيب الأخلاق يهدد الأمم بالذهاب والتخلف. وربما قد يجعلها لقمة سائغة بيد الأعداء ليبلعوها كما يشاؤون. وصدق أمير الشعراء أحمد شوقي إذ يقول:

إنـما الأمـــم أخـــلاق ما بقيـــــت         فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم          فأقــم  عليهم    مأتـما  وعويـــلا

صلاح أمرك للأخلاق مرجعه         فقوّم النفس بالأخــلاق تستقم

 


[1] الإحسان ج2، ص:317.
[2] آل عمران:134.
[3] رواه الإمام مالك في الموطأ.
[4] حديث صحيح في الموطأ عن مالك بن أنس رضي الله عنه.
[5] رواه أبو داود بسند صحيح.
[6] رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه بسند حسن.
[7] رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[8] علي عزت بيجوفيتش، الإسلام والغرب، ص:176.
[9] راغب السرجاني، المشترك الانساني، ص:185-157.
[10] نفس المرجع، ص: 522.