الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله خاتم الأنبياء والمرسلين، اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد، فيقول المولى عز وجل: وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)

لله دره سيدنا يوسف عليه السلام… سبقت دعوة حاله دعوة مقاله، فتوسموا فيها خيرا، وقالوا إنا نراك من المحسنين.

وهل الإحسان إلا بذل وعطاء، وابتسامة في وجه مكروب بكّاء، وضمّة دافئة تذهب اليأس وتطرد الشقاء؟

هل الإحسان إلا تقاسم همّ، وتشاطر غمّ، وحركة ضمٍّ، تجعلك الفاعل لا المفعول به، ترخي بظلال ودّك على من حولك من الأيتام، المطرودين عن موائد اللئام، المبعدين في سجون الظلم والظلام.

وهل الإحسان إلا إتقان صِنْعة جبر الخواطر، وكلمة رقيقة موقظة تضمد جرح الجور الغائر؟

طالع أيضا  الخيال القصصي والبرمجة العقلية للأطفال

وهل الإحسان إلا عبادة خالصة تطرد نفسيتنا وتبقي روحانيتنا، حتى نستشعر مراقبة الله لنا، فنستحيي منه أن يرانا على غير ما أمرنا؟

وهل الإحسان إلا قلب صفا، وعلى سطح الروح طفا، وإلى الأنس بمولاه الكريم هفا، وتقرب بالفرض والنفل حتى نال الشرفا؟

عاهد فوفى، وترك الغلظة والجفا، وتأدب مع الحق، ونظر نظرة إشفاق ومحبة للخلق. فانبعثت أنواره، وظهرت للآخرين أسراره، فقالوا إنا نراك من المحسنين…

ثم ّهل ينتظر الداعية أن يلبس قميصه الأبيض، ويضع عمامته، ويصعد منبره، ليبلغ دعوة ربه؟

هل ينتظر أن تجتمع له الجموع، ويحددون له الموضوع، ويجلسونه على منصة، ليبلغ عن الله؟

في حالات الرخاء قد يحصل هذا فضلا من الله ونعمة، لكنه ليس أصلا في طريق الدعوة؟

الدعوة ليس لها مكان خاص، ولا زمان خاص، ولا حال خاص…

سيدنا يوسف -عليه السلام- كان موجودا في السجن، الوسط الدعوي هو السجن، والفئة المستهدفة هي مجموعة من السجناء -أي نعم يمكن أن يكون بينهم مظلومون وسجناء رأي- لكن الفئة الكثيرة هي من الّلصوص وقطاع الطرق والقتلة وغيرهم من أصحاب السوابق. ثم إنّ سيدنا يوسف عليه السلام هو الآن واحد من السجناء، ولا شك بلغ إلى علم هؤلاء السجناء أنه كان يعيش في القصر، بل لعلهم على علم بخبر امرأة العزيز وما حدث بينه وبينها… وكونه في السجن ليس لصالحه في وساوس النفوس…

ثم انظر إلى نفسية سيدنا يوسف-عليه السلام- فهو مسجون ظلما. بريء من التهمة التي نسبت إليه براءة الذئب من دمه. والأمرُّ هو أن براءته ثبتت بالبرهان الجلي الذي لا يبقي للشك أي أثر.. ومع هذا فقد قرروا أن يُسكتوا صوت المظلوم، ويخرسوا فم الحقيقة الواضحة الفاضحة.

طالع أيضا  ذ. العلمي: القرآن الكريم والسور الفاضلات باب القرب من الله

ورمية كهذه في غياهب السجون، لا شك تحيي ألما فظيعا لا تمحوه السنون، وتضغط على الجرح الدفين الذي سبّبه إخوة غاروا فجاروا، إخوة أعماهم الحسد فرموا به صبيا في غيابات الجب، وباعوه بثمن بخس لنخاس فضيعوا الود وأعدموا الحب.

نفسية كهذه تحمل هذا العبء الثقيل، وتعاني من هذه الجروح الغائرة، يجب أن تكون نفسية محطمة مهشمة منهزمة سلبية ساخطة على الجميع، لكن معية الله جلّ وعلا، ولطفه سبحانه بعباده المحسنين، يجعلهم يعيشون عالما غير عالم الناس، ويحملون همّا غير همّ الناس…

فكلّ همّهم هو الدلالة على الله… عيشهم بالله، وفي الله، ولله… وظيفتهم هي نقش لفظ الجلالة “الله” في قلوب العباد… وعملهم تبليغ دعوة الله ودحض الباطل وفضح الفساد… لذلك ما إن ظهرت أمام سيدنا يوسف عليه السلام الفرصة لينقش نقشه، حتى انطلق… انطلق بحكمة وروية، وصدق وحسن نية… والداعية الناجح لا يضيع الفرص…

ويُطمئن سيدنا يوسف -عليه السلام- صاحبيه، ويُقرّبهما إليه، ويتحبب إليهما بالكلمة الطيبة المختارة “يا صاحبي السجن” ويخبرهما بأن له دراية بتأويل الرؤى، بل إن له علما لدُنيا من ربّه الواحد الأحد، يُمكّنه من التعرف على نوع الطعام الذي سيُقدّم لهم في السجن قبل أن يحضره السجانون.

وبعدما كسب ثقتهما أكثر، مرّ إلى الموضوع الأهم، “ألا كلّ شيء ما خلا اللهَ باطل”…

وبلطف وعناية، وسلاسة ودراية، يبين لهما عظمة ربه -سبحانه- وقدرته، ثم بهدوء لا يثير الحوافظ يهجم على دين القصر وآلهته الزائفة، ليخلص في الأخير إلى سؤال يهزّ الفطرة هزّا، ويؤزُّ المشاعر أزّا. يَٰصَٰحِبَيِ اِ۬لسِّجْنِ ءَآرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ اَمِ اِ۬للَّهُ اُ۬لْوَٰحِدُ اُ۬لْقَهَّارُۖ ولما شعر بأن كلامه تمكن منهما، مرّ إلى المرحلة الثانية من مشروعه وهي نقض تلك العقائد الفاسدة التي كانت تسكن قلوبهم ويعتبرونها دينهم. مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون.

وبعدما قال -عليه السلام- كلمته، أوفى بعهده الذي أعطاه لصاحبي السجن وأولّ لكل واحد منهما رؤياه، حتى لا تكون الدعوة مجرد خطبة مبتورة نلقي بها على مسامع الناس بعيدا عن همومهم ومشاكلهم وآلامهم.

طالع أيضا  الدكتور الزاوي يكتب عن تعظيم المصحف الشريف والتأدب معه

الدعوة احتضان وصبر واستمرار، ورعاية الغرس حتى يثبت وتنبت له أشجار، ويشتد عوده ويعطي الثمار.