أنس السبطي

للنسق السلطوي المغربي خصوصيته في تثبيت هيمنته على المشهد السياسي والمجتمعي، وفي ابتداع وسائل الضبط والإخضاع للمجتمع ولمعارضته ولكل من يغرد خارج سربه الرسمي، لذلك فإن عددا من الممارسات التي ينهجها لهذه الغاية تكاد تكون حصرية بالبيئة المغربية ولا تجدها في غيرها؛ مثل قراره بتشميع بيوت عدد من معارضيه من أعضاء جماعة العدل والإحسان الذي يعد واحدا من أبرز القرارات غرابة والذي يعتبر انتهاكا صارخا لخصوصية الأفراد ومساومة لهم عبر ابتزازهم بحقوقهم الأساسية.

هذا أمر ليس جديدا فالنيل من الحق في السكن هو ديدن السلطة في موضوع بيوت أعضاء العدل والإحسان، فمن إحصاء أنفاس الداخلين إليها والخارجين منها ومحاولة الضغط على بعض زوارها، وصولا إلى إخراج أهلها منها وإقفالها بالشمع الأحمر. نحن أمام وصاية مخزنية تتجاوز حدها في التطاول على المواطنين لمجرد أنهم لا يشاطرونها توجهاتها.

لا يستطيع العقل المخزني أن يستوعب منطق الحقوق والحريات ولا يتحمله، فلا حصانة لمن يتحرك في الأجواء المغربية إن لم يسلم له بالسيادة، المسألة تتجاوز الاكتفاء بحرمان فئة عريضة من المغاربة من الفضاءات العمومية والتضييق على نشاطهم الجمعوي وحصار قناعاتهم السياسية، حيث أن الخناق يمتد ليطال حقوقا يتمتع به أي مواطن في البلاد، فيصبح الحق في السكن والحق في التوظيف وفي الترقي المهني حقوقا مهددة، وهو ما يحدث اليوم في موضوع تشميع البيوت وفي ترسيب الأساتذة وكذا في حملات إعفاء العشرات من الأطر والكفاءات كل هذا يحدث على خلفية الانتماء السياسي، بل إن العقاب يشمل الأبناء في منعهم من التخييم في حالات عديدة وأحيانا يصل الأمر إلى حد التضييق على بعض مناسباتهم الاجتماعية الصرفة.

ذلك أن المخزن يجهد نفسه في تقديم معارضته على أنها خارجة عن الصف وعن الإجماع وأن آراءها ليست إلا شذوذا عن القاعدة، وتبعا لذلك فإن الدعاية الرسمية تسعى لانتزاع صفة المواطنة عنها كأنها مجرد جالية طارئة على البلاد، لمستوى تضيق معها ذرعا بأي رأي يصدر من طرف بعض أنصارها حتى لو كان مجرد تعليق على مباراة كرة القدم أو عن أغنية تداولها الرأي العام، فتستنكر عليهم التفاعل فيما يتفاعل معه الناس، فالمواطنة في العرف المخزني ليست إلا إكرامية يهبها لمن يشاء بالقدر الذي يريد وينزعها عمن يرفض الإذعان لمسلماته.

طالع أيضا  باب المساجد في البيوت للبخاري يؤدي إلى تشميع البيوت وهدمها بالمغرب

 يبدو أن السطوة المخزنية لم تعد تكتفي بتطويع الإنسان المغربي ومصادرة آرائه، فكل ما في البلاد يجب أن يخضع لها وإلا فالأغلال والقيود والأقفال أمامه يستوي في ذلك البشر والحجر. تشميع البيوت هو إحدى الصور التي تتجسد فيها هذه الروح التي تسكن السلطة التي لا تعترف بحرمة لأي شيء. الجدير بالذكر أن خطوة التشميع هذه ليست الأولى، فقد سبقها تشميع عدد من بيوت أعضاء العدل والإحسان، من بينها بيت أمينها العام، في أحداث 2006، ولعل الذاكرة تعود بنا إلى السلوك المخزني ساعتها والذي يعطينا مؤشرات واضحة على منطقه في الحجر على بيوت أعضاء الجماعة، حيث اعتبرت الداخلية أن نجاح الحملات التواصلية التي نظمتها العدل والإحسان والتي تعد من صميم أدوار أية حركة مجتمعية مبررا لمعاقبتها، وهو ما يحدث اليوم كذلك حين تعاقب العدل والإحسان بسبب قوتها وحيويتها وحرصها على الارتباط بهموم الشعب والانحياز لقضاياه وبعملها الدائم على جسر الهوة مع مختلف الفرقاء السياسيين، الشيء الذي استدعى هذا السخط الرسمي عليها من خلال تكثيفه للحملات المعادية لها ولخطها السياسي والتربوي.

الواقع أننا أمام خطوة انتقامية ليس إلا، غرضها إيذاء بعض أعضاء الجماعة بعيدا عن أي تقدير موضوعي لمآلاتها، وكما لم تكبح حملة التشميع الأولى دعوة العدل والإحسان لن توقف هذه الحملة، وإن كانت أشمل وأوسع من سابقتها، نشاط الجماعة ولن تؤثر في مواقفها، ولن تعدم الجماعة الوسائل لفك الحصار ومحاولة عزلها مثلما كانت تفعل دائما، ذلك أن حصار القوى المجتمعية الحية غالبا ما يؤتي عكس المرجو منه.