مدخل:

بعد كل مواجهةٍ تُكلَّلُ بالنصر يفرح المؤمنون ويستبشرون بوفاء الله سبحانه لعهده لهم، ويزداد فرحهم حين يرددُ الحبيب صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ) 1، شكرا منه لله تعالى على إنجاز وعده: وعْد الله حقا ومَن أصدق من الله قيلا 2.

الوفاء بالعهد خُلُقٌ حميد، وأدبٌ رباني، وصِفةٌ نبوية، وسلوكٌ إسلامي نبيل. ومتى انتشر الوفاء بين العباد أقوالا وأعمالا وثباتا على الحق، انشرحت الصدورُ وترقّى الأفرادُ في مدارج الإحسان، وعمّت الأخلاقُ الحسنةُ البلادَ فصارَ المجتمعُ مجتمعاً أخويّاً.

?   فما المقصود بالوفاء بالعهد؟

?   وما هي صِيَغُ الوفاء بالعهد؟

?   وأين تتجلّى ثمراته على الفرد والجماعة؟

I. تعريفات:

1. مفهوم الوفاء:

أ‌- الوفاءُ في اللغة:

(وفى) كلمةٌ تدلُّ على إكمالٍ وإتمامٍ. والوفاءُ: إتمامُ العهْدِ وإكمالُ الشّرْطِ. ومنه يُقالُ للميّتِ: تَوَفّاهُ اللهُ 3. والوفاءُ: ضدُّ الغدرِ. وأوْفى الكَيْلَ: أيْ أتمَّهُ ولم يَنْقُصْ منْهُ شيْئاً 4. فالوفاءُ هو الإتمامُ والإكمالُ وعَدَمُ الغَدْرِ.

ب- الوفاءُ في الاصطلاح:

الوفاءُ هو “مُلازمةُ طريق المواساة ومُحافظة عهود الخلطاء” 5. والوفاءُ: حِفظُ الموَدَّةِ والعهد 6. فالوفاءُ حفظٌ للعهودِ والوُعودِ وأداءٌ للأماناتِ واعترافٌ للجميلِ.

2. مفهوم العهد:

أ‌- العهدُ في اللغة:

أصْلُ العهدِ هو الاحتفاظُ بالشيء. ومنه أنّ العهدَ هو المـَـوْثِق، وجمعه عهود 7. والعهدُ: الوصيةُ والوفاءُ والذِّمّةُ والأمانُ 8.

ب‌- العهدُ في الاصطلاح:

العهْدُ هو حفظُ الشيءِ ومُراعاتُهُ حالاً بعد حالٍ، ثم اسْتُعمِلَ في المَوْثِق الذي تَلزَمُ مُراعاتُهُ، وهو المـُراد 9.

والعهدُ: صيغةٌ تَعَاهَدَ فيها المؤمنُ على الالتزام بفعل أشياء وتركِ أخرى.

ويُقصد بالوفاء بالعهد تنفيذُ العُهُودِ وعدم النُّكُوثِ بها، قال تعالى: فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيما 10.

حكمه: يجب الالتزام بالعهد لأنه أساسُ العمران الأخوي، فالوفاءُ بالعهدِ دليلٌ على صلاح الفردِ والمجتمع.

 II. صورُ الوفاءِ بالعهدِ:

1. الوفاءُ بعهد الله سبحانه وتعالى:

أعطى الحقُّ سبحانه النموذج الأوفى للوفاء بالعهد، فقد اشترى عز وجل من المؤمنين أنفسَهم وأموالَهم، ووعدهم الجنّة في مقابل ذلك، وحرّرَ هذا العهد في كلٍّ من التوراة والإنجيل والقرآن، ثم قرّر هاته الحقيقة الأزلية: ومَن أوفى بعهده مِن الله 11.

وأخذ سبحانه عهداً عاماً على بني آدم أجمعين، وذلك في قوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بربّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين 12. وعليه، وجبَ على بني البشر الوفاء بذلك العهد الذي قطعوه على أنفسهم منذ الأزل، وعدم اتّباع اليهود في نكثهم للعهود. وقد شهد القرآن الكريم لفئةٍ من الرجال (ذكوراً وإناثاً) بالوفاء بالعهد، قال تعالى: مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِص فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُص وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْص إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًاص (24) 13.

طالع أيضا  الوفاء بالعهد: اتباعا ومحبة ودعوة وجهادا… (7)

ومن صور الوفاء بعهد الله، نذكر:

  • إخلاص العبودية لله تعالى، والاعتراف بوحدانيته، والابتعاد عن أنواع الشرك.
  • الالتزام بالطاعات واجتناب المنهيات.
  • الجهاد في سبيل الله، سواءٌ في ذلك جهاد الدعوة، أو جهاد الكلمة أو …
  • الوفاء بالعهود التي تُقطع للناس باسم الله ورسوله؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ألا مَنْ قَتَلَ نَفْساً مُعاهِداً لَهُ ذِمّةُ اللهِ وذِمّةُ رسوله فقدْ أَخْفَرَ [أي نقض عهد الله] بِذِمّةِ اللهِ، فلا يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وإنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعينَ خَريفاً” 14. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ”أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ” 15.

2. الوفاءُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على الوفاء بالعهد، ونماذجُ وفائه أكثر من أن تُحصى. وعلى المسلمين الاقتداءُ به صلى الله عليه وسلم بالتحلي بالوفاء، وأول مَن ينبغي الوفاءُ له من البشر هو رسول الله.

ومن صور الوفاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هناك:

  • أن نأتَمِرَ بأوامره ونجتنبَ نواهيه، وأولى أوامرهِ؛ الصلاةُ.
  • أن نُحبَّ ما يُحبّ ونَكْرَهَ ما يكره، وقد حُبِّبَ إليه انتظارُ الصلاةِ بعد الصلاة.
  • إحياء سُنَنِه، كقصِّ الرُّؤى وأذكار الصباح والمساء وقيام الليل والحفاظ على سنن الفطرة…

3. الوفاءُ بالعهد لأمّةِ الاسْتِجابَةِ:

أُمّةُ الاستجابةِ هي أمّةُ الإسلام، أي كلّ مَن استجابَ لدعوة الإسلام، وكان الأوّلون يُطلقون عليها “دار الإسلام”.

يقولُ تعالى: وأوْفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم اللهَ عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون 16، و“هذا أمرٌ عامٌّ بالوفاء والعدل” 17، يأمرنا فيه الحقُّ سبحانه بالوفاء لأمّة الاستجابة وأمة الدعوة معاً.

يقول الإمام المجدد: “إن النصيحة لله ورسوله وللمؤمنين خاصتهم وعامتهم. فأما النصيحةُ لله فهي الوفاءُ بحقِّه وعبادَتُه والتقرُّبُ إليه بالفرضِ والنفْلِ ونُصْرَتُهُ في النَّفْسِ وفي العالَـمِ، وأما النصيحةُ لرسولِهِ فهي السَّيْرُ على سُنّتِهِ الجهادية، والنُّصْحُ للمؤمنين الوفاءُ بحقِّ ولايَتِهِم وحق الطاعة لمن لهم الأمر” 18. فينبغي الوفاءُ للمسلمين عامة، وخاصةً منهم؛ المستضعفون والأقارب وذوو الفضل، ومن صور ذلك، ما يلي:

  • الوفاءُ للمستضعفين: ذلك الأمرُ العامُ الواردُ في سورة النحل، “يُخصِّصُه أمرٌ آخر يُلزمنا بِوَلايَةِ المستضعفين والوَفاء لهم، ونصرتهم، والجهاد من أجلهم. قال الله تعالى: وما لكم لا تُقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوِلدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا 19. مَنْ وَلِيُّ المستضعفين ونصيرُهم مِنْ ظلم جبّاري القُرَى وطُغاتِها إلاّ نحنُ؟ مَن للأرملةِ والضعيف من الرجال والوِلدان إلا نحنُ؟ كتاباً من عند الله، والتِزاماً يُطلبُ إلينا الوفاءُ به بدمائنا وأرواحنا” 20.
  • الوفاءُ للأقارب: بحفظِ الودّ مع الوالدين والزوج والأبناء والإخوة والجيران… مُواساتهم في الضرّاء، والفرح لهم في السّرّاء، ومؤازرتهم في الشدائد… وحسن التأدب معهم، ومخالَقتهم بخُلُقٍ حسن.
  • الوفاءُ لذوي الفضل: ومنهم المـَشايِخُ والأساتذةُ وذوو السابقة في الدعوة وكبارُ السّنّ… ومِنَ الوَفاءِ لهم؛ تعهّدهم بالزيارةِ أحياءً وأمواتاً، والدعاء لهم أحياء وأمواتا، وإنفاذُ وصاياهم، وتنفيذُ أوامرهم، واجتنابُ نواهيهم…
  • الوفاءُ للمسلمين عامة: بحفظِ حقوقهم، والوفاء بعهودهم الشفهية والمكتوبة…
طالع أيضا  رياض الوفاء

4. الوفاءُ بالعهد لأمة الدعوة:

أمّةُ الدعوةِ هي كل مَن لا زالَ ينتظرُ وصولَ دعوة الإسلامِ إلَيْهِ لِيُعلنَ إسلامَهُ ويَلْتَحق بأمّة الاستجابة. وقد أطلق الأوّلون على أمّة الدعوة اسم “دار الكفر”، وهذه التسمية ينبغي إعادةُ النظر فيها، لأنها لم تعد صالحة اليوم.

ومن صورِ الوفاء لأمّة الدعوة، هناك:

  • تبليغ الرسالة المحمدية إليهم.
  • رعايةُ حقوق الإنسان والمواثيق الدولية التي تكفل الحقوق لأصحابها، فـ“لن نكون إن شاءَ اللهُ إلاّ كما كان الأوّلون؛ أهلَ وَفاءٍ ونجدةٍ وثقة. وما نجده من أعراف دولية، وقوانين تضمن حقوق الإنسان والشعوب، وما نُبْرِمُ من اتفاقيات، فَلَنْ يزداد ما يتضمنه من مروءة وخير إلاّ شِدّةً واستحكاماً بمساندتنا ووفائنا” 21.
  • الوفاءُ للمستضعفين: ينبغي على المسلمين، اليوم وفي غد الخلافة، الوفاءُ لأمة الدعوة، و“لا سيما الوفاء للمستضعفين في الأرض، والأمانُ للخائفين، والكَفالةُ لكل ذي عَيْلَةٍ” 22.
  • الحوارُ وحسنُ الجوار مع أهل الديانات، “ما نحنُ سَيّافُونَ نُكْرِهُ النّاسَ على دخول ديننا، بل نحافظُ على الأموال والدماء والأديان والمروءات” 23.

 III. ثمرات الوفاء بالعهود:

من بين الثمرات المترتّبة عن الوفاء بالعهود، نذكر:

  • تحقيق العبودية الخالصة لله تعالى، وذلك عبر الوفاء بعهوده سبحانه.
  • نيل محبة الله تعالى، إثرَ اتِّباع سنن رسوله صلى الله عليه وسلم.
  • زيادة الثقة بين أفراد المجتمع.
  • زيادة المحبة بينهم.
  • حصول الأمان على الأنفس والممتلكات والأموال والمعتقدات…
  • صيانة حقوق الأفراد والجماعات.
  • التأسيسُ لمجتمع العُمْران الأخوي.
  • تحبيب أمة الدعوة في الإسلام.

 IV. خلاصات أساسية:

– ضرورة الوفاء بالعهد لله ولرسوله ولأمة الاستجابة ولأمة الدعوة.

– طرق الوفاء بالعهد يمكن تقسيمها إلى أربعة أنواع على الأقل، وهي:

  • الوفاءُ بالعهود التي بين الله عز وجل والإنسان.
  • الوفاءُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • الوفاءُ لأمّة الاستجابة.
  • الوفاءُ لأمّة الدعوة.
طالع أيضا  الوفاء بالعهد: اتباعا ومحبة ودعوة وجهادا... (6)

 وتبعاً لذلك تختلف صِيَغُ الوفاء.

– ثمراتُ الوفاء بالعهد كثيرة ومتنوعة، منها: تحقيقُ العبودية لله، ونيل محبته سبحانه، زيادة الثقة والمحبة والأمان بين أفراد المجتمع، وصيانة حقوقهم، والتأسيس لمجتمع العمران الأخوي، وتحبيب أمّة الدعوة في الإسلام.


[1] مسند أحمد بن حنبل، مسند العشرة المبشرين بالجنة، رقم الحديث: 4101.
[2] سورة النساء، الآية 122.
[3] ابن فارس (ت 395 هـ)، مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1979م، مادة (وفى)، ج 6، ص 129.
[4] ابن منظور (ت 711 هـ)، لسان العرب، دار صادر، بيروت، مادة (وفي)، ج 15، ص 398.
[5] الجرجاني، علي بن محمد الشريف الحسيني الحنفي (ت 816 هـ)، كتاب التعريفات، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط 1، 1425 هـ/ 2005 م، (الوفاء)، ص 176.
[6] التهاوني، محمد علي (توفي حوالي سنة 1158هـ/ 1745م)، موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، تحقيق علي دحروج، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، ط 1، 1996م، (الوفاء)، ج 2، ص 1800.
[7] ابن فارس، مقاييس اللغة، مادة (عهد)، ج 4، ص 167.
[8] ابن منظور، لسان العرب، مادة (عهد)، ج 3، ص 311.
[9] الجرجاني، كتاب التعريفات، (العهد)، ص 113.
[10] سورة الفتح، الآية 10.
[11] سورة التوبة، الآية 111.
[12] سورة الأعراف، الآية 172.
[13] سورة الأحزاب، الآيتان 23-24.
[14] أخرجه الترمذي، كتاب الديات، باب ما جاء فيمن يقتل نفساً معاهدة، رقم: 1403، واللفظُ له. وقال: “حديث حسن”؛ وابن ماجة، كتاب الدّيات، باب من قتل معاهداً، رقم: 2687. وهو حديث صحيح.
[15] رواه البخاري: 34؛ ومسلم: 58.
[16] سورة النحل، الآية 91.
[17] الإمام المجدد عبد السلام ياسين، إمامةُ الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط 1، 1430هـ/ 2009م، ص 270.
[18] الإمام المجدد عبد السلام ياسين، الإسلامُ غداً!، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، ط 1، 1393 هـ/ 1973 م، ص 206.
[19] سورة النساء، الآية 75.
[20] إمامة الأمة، ص 270.
[21] المرجع السابق، ص 270-271.
[22] المرجع السابق، ص 271.
[23] المرجع السابق.