يقول إيفان تورجنيف في رواية “دخان”: “… إن أحقر نافخ ناي ألماني، يؤدي دوره في أحقر أوركسترا ألمانية، لديه من الأفكار عشرين مرة مما لدى “ذوي المواهب الفطرية” مجتمعين. إلا أن عازف الناي يحتفظ بأفكاره لنفسه، ولا يهلل لها في بلاد مليئة بأمثال موزار وهايدن، أما صاحبنا: الموهبة الفطرية (المثقف) فما أن يعزف فالسا أو أغنية عزفا مخلخلا حتى يضع يديه في جيبي بنطلونه وبسمة ازدراء على شفتيه، إنه عبقري!”.                            

أمامنا محاولة لمقاربة مفهوم الثقافة؛ إذ أصبح الآن مثار جدل وتحليل واهتمام فئة عريضة من المجتمع وكذا دوره الطلائعي في صناعة الوعي الجمعي لدى أفرادها، وبناء وطن وأمة قادرين على مزاحمة أمم أخرى قطعت أشواطا في بناء ثقافتها والعمل بها كرافعة من رافعات البناء الفعال.

إذن؛ لماذا قد يبدو لكثيرين أن الثقافة إطار نخبوي خاص مقتصر على أناس خاصين دون غيرهم؟

ولماذا يعتبر المثقف متميزا عن غيره وما الذي يميزه؟ وماهي واجهات البناء الوطني والأممي أمامه؟

إذا عدنا لمفهوم الثقافة لغويا وجدناه يدل تارة على “النباهة والحذق والإلمام والتعلم سريعا”، فالفعل “ثقف” له جذور وتعريفات لغوية كلها ترفع المثقف مكانا مرتفعا، وفعل التثقيف مقدس بانٍ.

فلماذا إذن ردأت ثقافتنا وأصبحت عاجزة تماما عن البناء الجمعي للفكر والسلوك؟

تقول العرب: “ثقفَ الخَلُّ” أي صار لاذعا عرّيفا، نتساءل لماذا لا يكون المثقف مضطلعا بدوره في أن يكون “لاذعا” أيضا في الدفاع عن مقومات وطنه وأمته الأصيلة دون الإغراق في التطبيع مع السائد التافه والغالب السائد…؟

يعني الفعل “ثقف” عند العرب فيما يعنيه: “إدراك العدو” نقول ثقف العدوَّ أي: أدركَه.

فلماذا لا يقوم فعل الثقافة من هذا الجانب في الانتصار على أعدائنا على كثرتهم وتنوعهم؛ فالجهل عدو صامت، والأمية ضرة حاقدة، كما أن التنمية الكسلى ببلادنا سبة لنا أمام قريناتها في بلاد أخرى. وللأعداء بقية مما ترك الأولون وأخذ بها المتأخرون. لماذا لا يلبس المثقف خوذة الحرب ويتسلح بسلاح النصر على هذه الجيوش التي تكمن وتتربص بنا فيدركها، إن لم نقل أنها انتصرت وغنمت منا الغنائم السِّمان!

طالع أيضا  كيف لنا بثقافة تنتصر لقضايا المستضعفين والأمة؟

الإحاطة بشؤون الحياة والإلمام بها أيضا مما يعنيه فعل الثقافة في جذره اللغوي (ث. ق. ف)، فلماذا لا تجرنا وتقودنا الثقافة إلى الإلمام بقضايا شعوبنا والتهمم بها وتشخيص أدوائنا وتطبيبها في مشرحة الثقافة وتحت نظر جراحيها..؟

فالإلمام لازم للمثقف، لصيق به، جدير به، إذ لا يعني الثقافةَ الجادةَ التافهون، والحاقدون أو حتى المشككون.

المرحلة الآن والوضع الراهن وكذا ما قبلها رهين نجاحُها بأخذ مثقفينا الجادين بزمام أمور بلدهم وشؤون أمتهم وفق “المشترك الإنساني” الذي يجمع الفاعلين ولا أقول يقصي لأن الثقافة إلمام وجمع وإحاطة فلا يمكنها إلا أن تجمع ولا تفرق!

السؤال المطروح بحدة وإلحاح على أهل الثقافة هو البحث عن الأرضية التي تحتوي مثقفي البلد جميعهم حول واجهات الإعداد للبناء الذي يكون تحت نظر جميع المثقفين على اختلاف مشاربهم ولا أقول بامتحان النوايا ومحاسبتها لأنه من النوايا السيئة في قطار الثقافة تودي به للانحراف عن سكته الصحيحة.

والفكر الجمعي بناء على هذه التساؤلات كفيل أن يجعل قضايانا المركزية معرضة لعمل المثقف وفعله بخلفية تجمع ولا تفرق، وتوحد ولا تفرق. تنصح ولا تجادل، وتبادر ولا تساق. تنتقد بغير تجريح وتبني ولا تهدم.

أيضا الفكر الجمعي له أرضيته الجامعة المحركة، إنها الهوية؛ فهوية المثقف هي نفسها فعله وأثره على الظواهر الانسانية.

فلكي نثْقَف ونتثقّف ويصير الفعل الثقافي جزءا من صميم إنتاجنا المجتمعي وجب الانتباه إلى أن الثقافة ليست فعلا نخبويا ولا “سلطانيا طاوسيا” على حد تعبير الروائي الروسي الكبير هو بإحكام ولا تسمح بالدخول إلا لمن كان يملك بطاقة المثقف الكاملة، بل هي فعل تربوي اجتماعي يومي موجه لسائر بنيات المجتمع وطبقاته وفئاته العمرية، فالطفل له ثقافته الخاصة، والمرأة والرجل الراشدان لهما ثقافتها التي استمداها وهما طفلان على مقاعد الدراسة نهلا من معين مدرسين مثقفين أكفاء غير واهني الفكر ولا مشتتيه.

طالع أيضا  سلسلة مداخل الى الثقافة (2): "تجاوز الثقافة المعيارية"

والنخبة المهتمة بالشأن العام لها ثقافتها التي تنظر منها لمصالح الناس بنظر المصلحة العامة، وفي الأخير تتكامل الثقافات كلها لتبني المواطن المثقف الذي تعنيه قضايا بلده ووطنه وأمته، بحيث لا يستعلي عليها ولا يخبو داخل دوامة ظلمة التعقيدات الإيديولوجية.

إذن. لنتفق مسبقا أن الثقافة أرضية جامعة تنتج فكرا جمعيا بناء على منطلقات المثقف الهوياتي الذي اتضحت أمامه الغايات الكبرى فاتخذها مركب نجاة له ولأمته. لكن والأجمة وما وراءها يلزم التبين والحذر في خوض مغامرة “وحدة المثقفين” لأن الخطورة كامنة هناك تحتاج لتصيد السلامة كمخرج لحل هذه الأزمة، وإلا فالمثقفون اليوم أشتاتا ومزعا متفرقة لا يربطهم رابط. إلا أن جميعهم يمسكون القلم والقرطاس ويحاضرون أمام “الجماهير” التي يرغمها “الإلمام” و”الحذق” على أن تنصت وتستمع قسرا. فهل يروم هذا المقال إذن قولبة المثقفين في قالب واحد، ويعدّهم “هياكل” متشابهة الشكل؟

من هنا ينبثق التساؤل التالي: ما يحرك المثقف؟ وما أساسات بناء ثقافته؟ وهل له حدود يلتزم بها من أجل أن ينخرط في “جوقة المثقفين”..؟

أسئلة وأخرى تحاول هذه السلسلة مقاربتها تباعا.