رضوان الرقبي

يمكن رصد معالم الجمالية في شعر الإمام ياسين رحمه الله في ثلاث معايير:

3-1- معيار الانسجام والتناسق: يعرف جبور عبد النور الانسجام بأنه: “حالة الأثر الذي تتلاءم جميع أقسامه وتتكامل في سبيل إحداث تأثير عام” 1. ويتداخل الانسجام مع التناسق ويتقاربان، ولذلك يعرف هايزنبرغ التناسق بأنه: “انسجام الأجزاء بعضها مع بعض ومع الكل” 2. والمتأمل في كتابات الإمام الشعرية أو حتى اختياراته واستشهاداته الشعرية المبنية على ذوق وجمالية خاصة، يلاحظ بجلاء هذا التلاحم والتناسق بين الشكل والمضمون، فهو رحمه الله قد تشرب هذه الصنعة الشعرية منذ نعومة أظافره، وتذوق جمالية اللغة العربية ومعانيها، عندما كان يحضر بعض المسامرات الشعرية التي كان يقيمها المختار السوسي، أو ما كان يعرف بالرمليات. نمت معه هذه الموهبة وترعرعت دواخله وصقلت بالمطالعة والبحث والتنقيب، ثم تفتقت شعرا رقراقا، يجمع بين صدق المضمون وبيان الحقيقة، وهذا ما يكسب الصناعة الشعرية عند الإمام قوتها ونصاعتها، لا سيما وأنها متصلة موصولة بالشفاء القرآني مستقاة من النبع النبوي. وفي انسجام تام مع معالم المنهاج النبوي وتصوراته. فما ذكره رحمه الله في كتاباته النثرية أعاد صياغته في قوالب شعرية، لأن الشعر كما يقول هو عنه انفذ للقلوب، فالمتأمل في المنظومة الوعظية مثلا يجد فيها الخصال العشر منظومة في شكل شعري متناسق بين الشكل والمحتوى. بل إن الإمام تطرق لمختلف الموضوعات الشعرية منها ما يرتبط بواقع الأمة، وبالمناجاة، وبمكارم الأخلاق وغيرها من الموضوعات الشعرية المختلفة. في بناء متناسق متكامل.

3-2- معيار العفوية والفطرة: لقد أشرنا إلى أن أهم دور تقوم به العفوية عند الإمام ياسين هو التخفيف من صرامة الانسجام وقسريته، فالناظر في كتاباته الشعرية يجد ملامح الانسجام بادية له، كما يلمس العفوية حاضرة باستمرار. إذا كان بعض شعراء الصحابة رضوان الله عليهم -منهم عبد الله بن رواحة- يرون بأن الشعر “هو شيء يختلج في صدر الرجل فيخرجه على لسانه شعرا”، فإن هذا التعريف يصدق على شعر الإمام ياسين رحمه الله إلى حد بعيد، فقد نظم الشعر على الفطرة وهو صغير، ومن مظاهر العفوية عنده الانطلاق في كتابته الشعرية من السجية، ولا تجد في شعره التنميق والزخرفة اللغوية والتصنع، فالكتابة على السجية هي ظاهرة أصيلة متأصلة في شعره، وهذا ما يجعلنا نصف شعره بعفوية الصياغة وتدفق العبارة وشفافية الصورة وصدق الإحساس.

طالع أيضا  معالم الجمالية في الكتابة الشعرية عند الإمام عبد السلام ياسين 1/2

3-3- معيار التسامي والرقي: سبقت الإشارة إلى أن الإمام ياسين يسعى دوما إلى الرقي، والتدرج في مراتب الإحسان، ويرفض الخلود إلى الأرض والقعود، ولذلك جاء شعره منسجما مع هذه الرغبة في التدرج في مراتب الإيمان والإحسان، ولذلك يوصي فيما مرة على أن وظيفة الأدب إنما هي وظيفة ترقى بالإنسان المبدع من الفن الدوابي إلى الفن الإسلامي الراقي برقي وجمالية هذا الدين. “فإذا كان عصرنا هذا عصر الهوائيات المقعرة والأدب الخليع والعري وموسيقى الروك التي تنقر إيقاعاتها الشيطانية في الأوثار العميقة للغريزة الحيوانية، -فإننا- أحوج إلى فن إسلامي بديل عن الفن الدوابي” 3.

فالأديب الطالب لمقصود الله، ينبغي له أن يسمو على طينته الذاتية ويرفض الخلود إلى الأرض باتباع الشهوات البهيمية، فتصفو روحه الشفافة وتحلق في سماوات العلى، فهذا السمو يرينا كيف يسمو الطين تحت ظل الإيمان روحا رقيقة رفافة، تسمو على كل الماديات، وتفلت من نطاق الجذب إلى الأرض، فتحلق في سماوات الحب والسعادة بعيدة عن عالم الكراهية والشقاء.

ومن مظاهر سمو الكتابة الشعرية عند الإمام رحمه الله، تساميه على ترابية الحضارة الغربية وحيوانياتها، فيرفض تهتكها وزيفها وهدرها لكرامة الإنسان وشرفه.

ومن مظاهر السمو أيضا في شعره، السمو اللغوي الشعري، فلغته لغة فصيحة متأصلة بالأصالة النبوية، يمتاح من معين اللغة النبوية، فتراه كما في كل كتاباته النثرية والشعرية، يؤصل لمعانيه، فيغترف من الحوض اللغوي النبوي، إيمانا منه بأن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل فقط، بل هي أكبر من ذلك، حمالة قيم وتصورات، باعتبارها مسكنا لكل القيم. فاللغة الشعرية عند الإمام، تتسم بالعمق والدقة الدلالية في تناول القضايا الشعرية، وتسمو بمعانيها في رغبة أكيدة إلى إعادة صياغة بعض المفاهيم المتداولة في الساحة الثقافية الإسلامية، التي انسلخت عن المعين النبوي. 

طالع أيضا  بناء الفرد في فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

يحذر الإمام رحمه الله من منزلقات خطيرة تحول قطار الأدب عن سكة الحق والصواب، وتحيد بوجهته عن الحكمة وفصل الخطاب، قائلا: “لكن الأدب والشعر والفن إن استألفته رياض الخيال النَّضِرة، وأبهجه التغريد بالحنين مع شحارير الرياض وهزازات الأفنان وأزهار البستان، فَتَلِفَتْ في يده الأمانة، وذَهَلَ لسانه عن الحكمة المبلِّغة، وزَلق حوضه وجف وعف عن الجهر بالحق، فما هو إلا قرية ظلمت ولم تؤت أكلها وعقت والديها وأهلها” 4.

3-4- معيار الواقعية: إن التسامي الشعري عند الإمام، لا ينبغي أن ينسينا الواقعية، فالمتأمل لكتاباته يجدها مرتبطة ارتباطا وثيقا بالواقع، فالأدب عنده لا ينبغي ان ينفصل عن الواقع، ولا عن هموم الأمة والمجتمع، فالأديب كائن رسالي يحمل بين جوانحه همين: الهم الفردي والهم الجماعي. وهما متداخلان ومتلازمان. ومن مظاهر هذه الواقعية في كتابات الإمام الشعرية، اهتمامه بقضايا الأمة كالقضية الفلسطينية، وغيرها من القضايا المصيرية لهذه الأمة المستضعفة، فالشاعر عبد السلام ياسين مقتنع بأن الشعر ينبغي أن يعيش مع الشاعر همومه الاجتماعية والمصيرية، الدينية والدنيوية، وهذا ما جعل شعره يتصف بالإنسانية في أجل أبعادها وتجلياتها، ولكنها إنسانية مؤمنة ربانية تنظر بعين الوحي والعطف والرأفة إلى البشر باعتبارها رسالة إنسانية تحمل مشروع الرحمة: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). تحنو على البشرية في لحظات انحرافها أو سقوطها الأخلاقي.

ففي سياق تذكيره بصفحات مشرقة من تاريخنا المجيد، مبينا أسباب الانحطاط والتضعضع الحضاري لهذه الأمة التي أرخت حبال التقى، فأصابها ما أصابها من هوان وذل. والدعوة إلى القيام بواجب الدعوة والوصال مع عهود القوة والنظارة. يقول:

كنا شموسا في سماء العلى*** خير هـــــداة اخرجــوا للأنـــام

فحين أرخينا حـــبال التقى*** قال لنا الدهر اركدوا في الركام

يا فتى الإسلام قم واعـتزم*** وجدد الوصل بعهـــــــد الـــرام

4- على سبيل الختم.

لا شك أن موضوعة الأدب من الموضوعات التي لها أهميتها والتي -للأسف- لم تُعْطَ حقها في الحقل الإسلامي المعاصر عموما، رغم أن الأدب يشكل سمة بارزة في الرقي بالأمم، وهو علامة بارزة في تاريخ أي أمة، باعتباره ديوانا يختزل أفكارها وثقافتها، ولذلك فنحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى فعل أدبي راشد، متنور بأنوار منهاجية، أدب مقتحم للربط بين الأجيال وصناعة الرجال في كل مجال، لأن الأدب رسالة جمالية لا تتجزأ عن الرسالة الجمالية الجامعة التي هي الدعوة إلى الله، الأدب وسيلة لصناعة التاريخ والحياة والإنسان، لا صناعة لغوية وفنية جوفاء من إي محتوى إنساني راشد، الأدب عند الإمام ياسين لا يتجزأ عن المشروع العدلي الإحساني الشامل الجامع المؤطر وفق تصور منهاجي يرتقي بالمبدع/ الإنسان من الحالة الدوابية إلى مشروع العمران الأخوي عودا على عهد النبوة، فالأدب بهذا المعنى “وسيلة من وسائل التعبئة وسلاح من أسلحة المدافعة، وحكمة من حكم المداراة والمصانعة”، وليس ترفا لغويا بعيدا عن هموم الأمة. واذا كان الأدب إحسانا وإتقانا وجمالية، فإن هذا المعيار الجمالي يرتبط ارتباطا عضويا بالجانب العدلي الذي يضمن للإنسان حريته وكرامته، في الحكم والقضاء والقسمة، وهذا ما يجعلنا نؤكد على أن المبدع عموما لا ينبغي له التفرغ من كل شيء والارتماء في حصن الإبداع وحده، وغض الطرف عن المشروع العام، والبقاء وحيدا في زنزانة الأنا المتضخمة، حتى لا يصنع جزرا معزولة، وأهراما متعالية على أرض الواقع، وعن الكينونة مع الذات الجماعية المنظمة المؤطرة بصحبة وتربية وصدق في الطلب. لإقامة مشروع عدلي قوامه جمالية الإحسان. وإذا كان الشاعر سلاحه القول، وبضاعته الكلام، فهو معرض إذن للمحاسبة المستمرة، هذه المحاسبة لا تنبع من السلطة الدنيوية فقط، بل تنبع من الرقابة العليا التي يحس بها الأديب المؤمن، إنها رقابة الله عز وجل: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد 5.


[1] المعجم الأدبي، ص: 37.
[2] العلم في منظوره الجديد تأليف جورج ستانيو وروبرت اوغروس . ترجمة كمال خلالي . ص: 49.
[3] تنوير المؤمنات ج 1 ص: 196. عبد السلام ياسين.
[4] المنظومة الوعظية ص: 27.
[5] سورة ق، الآية 18.