لا شك أن آفة التمركز الغربي حول ذاته “المتفوقة” تلقي بآثارها المائلة الممِيلة على فلسفة الإعلام الغربية فتصبغها بصبغتها، ويُقصد بفلسفة الإعلام ذلك “الإطار الفكري الذي تتحدد على هُداه منطلقات العملية الإعلامية وغايتها، ومنهجها في تحقيق هذه الغايات، والذي يعد بمثابة المعيار الذي يحكم في ضوئه على مدى نجاح العملية الإعلامية في مجتمع ما أو إخفاقها” 1، وتأتي العملية الإعلامية ذات المرجعية المتفردة متحيزةً ومشوِّهةً للحقيقة مزيِّفة للخبر، مؤثرة تأثيرا خطيرا في تضليل الناس واستغفال عقولهم، وذلك بإتقان المهارات التصويرية واللغوية والنفسية التي تقلب الخير شرا والشر خيرا، وتعكس الحق باطلا والباطل حقا، فتجعل من المظلوم ظالما ومن الظالم مظلوما، حيث “إن نفوذ الوسائل الإعلامية في عمليات التنويم المغناطيسي الجماعي للشعوب والجماهير وغسيل أدمغتها يعتبر مذهلا ومخيفا في آن واحد. فإنها قادرة على أن تصبغ اللون الأحمر ليكون أحمر عندما يخدم أجندة أصحابها، ولكنها تستطيع أيضا أن تجعل الأسود أحمر وتدعي أن من لا يرونه كذلك مصابون بعمى الألوان” 2.

إن عشرات بل مئات من المديرين التنفيذيين للمجلات والجرائد والقنوات المشهورة المندفعة وراء تحقيق الأرباح الفاحشة يستطيعون السيطرة على ثقافة الأمم بكاملها وتوجيهها الوجهة المطلوبة من طرف الشركات التجارية الكبرى، فتصغر الأمور العظيمة حتى تظهر وكأنها لا قيمة لها، وفي مقابل ذلك قد تعظُم بعض الأمور الحقيرة وتبدو جيدة وعظيمة. وما ذلك إلا لأن الهيمنة الإعلامية الغربية جزء لا يتجزأ من النظرية الاجتماعية الغربية. فالقيم الدينية قضايا هامشية لا يلتفت إليها إلا من حيث اعتبارها تقاليد لبعض الأفراد والأقليات الموزعة هنا وهناك في أطراف العالم. أما المال فيتحالف مع الإعلام لصناعة الرأي والموقف والسياسة والاقتصاد، حتى أن “سطوة الإعلام ونفوذه.. توضح لنا كيف يستطيع تآلف مُكون من الإعلام والمال والتسويق على صنع رئيس أو الإطاحة به” 3.

ففي خضم العملية الإعلامية، سواء في إطار ما يسمى بالإعلام الحر (الليبرالي) أو ما يسمى بالإعلام الموجَّه فإن مضامين الأشغال الإعلامية تظل وفية لمنهجية متحكم فيها ولا تخضع للضوابط الإعلامية “الحيادية” إلا شكليا، أما في المضمون فهي تخدم مصالح الجهات المتنفذة ماليا وسياسيا وإيديولوجيا، لهذا نجد الكثير من الأبحاث تنصرف إلى أداء وظيفة سياسية أو استخباراتية، مثل الدراسات التي تنجز من أجل تطويع المواطنين والتحكم فيهم.

طالع أيضا  تقرير يرصد الانتهاكات ضد الحريات الإعلامية في فلسطين خلال فبراير

تضخم نفوذ الشركات الكبرى وسيطرتها الإعلامية لتصل إلى السيطرة على مراكز البحث وإنتاج المعرفة في مختلف فروعها النفسية والطبيعية والإنسانية، “لقد أصبح التطور العلمي عامة والتقني خاصة يسائلنا في حياتنا اليومية بعد أن تدخل الاقتصاد والسياسة في مصير العلم؛ وأصبحت الشركات الكبرى هي التي تحكم مآل تطبيقات التقنية، لتوجه البحث العلمي نحو هدف واحد هو الربح المادي. بهذه الكيفية ارتبط العلم بالاقتصاد والسياسة ليصبح العالم في أحسن الأحوال خادما للسياسي وللمقاول” 4 وليس خادما لقيم الحق والعدل والخير.

وإذا كانت ثمة محاولات بحثية جديدة أخذت….

تتمة المقال على موقع مومنات نت.


[1] السماسيري، محمود يوسف. فلسفات الإعلام المعاصرة، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هرندن، فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، ط1، 1429هـ/ 2008م، ص: 32.
[2] زلُّوم عبد الحي، نُذُر العولمة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 2000م، ص: 295.
[3] المرجع نفسه، ص: 293.
[4] الباهي، حسان. العلم بين الأخلاق والسياسة، مجلة الإحياء، المغرب، عدد 26، 1428هـ/2007م، ص: 169.