رضوان الرقبي

مقدمة:

 لقد حظي الأدب في كل الثقافات بمنزلة كبيرة، ذلك لأن كل حضارة إنما تسمو بآدابها وثقافتها، والحضارة الإسلامية لا تخرج عن هذا الإطار العام، بل إن الأدب حضي فيها بعناية كبيرة، شعرا كان أو نثرا، وألفت في ذلك كتب كثيرة، وتعددت اتجاهات النظر فيه، إلا أنها تكاد تتفق على أن الأدب هو التعبير الفني الهادف عن الحياة والكون والإنسان وفق تصور رباني. وانطلاقا من هذا التعريف يمكن أن نحدد للأدب خصائص فنية يمكن إجمالها باختصار شديد فيما يلي:

1- الربانية: فالأدب من الوجهة الإسلامية ينطلق في تصوره ومحدداته من تصور عقدي سليم.

2- الشمولية: لأن هذا الأدب واسع الآفاق، يستمد شموليته من شمول الإسلام لكل شؤون الحياة. فهو يسعى إلى صياغة الوجدان الإسلامي وبناء الشخصية الإسلامية، ويعبر عن آمال وآلام الأمة، ليكون عاملا من عوامل وحدتها، يسعى إلى ترشيدها ورفعها إلى معركة المصير.

3- التوازن: يستمد توازنه ووسطيته من وسطية الإسلام، فهو يوازن بين الشكل والمضمون، بين المثالية والواقعية، بين أشواق الروح ونوازع المادة، بين الأصالة والمعاصرة.

4- الإنسانية: إذا كان الإسلام هو الدين المهيمن الذي ارتضاه الله لخلقه جميعا، فان الأدب بما هو تجل من تجليات هذا التصور، فهو أدب إنساني، يتجاوز الحدود الزمانية والمكانية، ليعبر عن الفطرة الإنسانية في أبهى حللها. ليسمو بالإنسان إلى إنسانيته وآدميته. فهو أدب عالمي، مادام أدبا إنساني النزعة.

2- رسالة الأدب:

يتحدث صاحبا كتاب نظرية الأدب على أن تحديد مفهوم الأدب وطبيعته لا تكتمل إلا بالنظر إلى رسالته ووظيفته، “ففي أي مناقشة متماسكة لابد أن تكون طبيعة الأدب ووظيفته متلازمتين.” 1فمن خلال الرسالة تتحدد الطبيعة، ولذلك حق لنا التساؤل:

–  هل تكمن رسالة الأدب في ذاته، أم في سواه؟

–  هل هو مكتف بذاته أم منفتح على غيره؟

دأب الدارسون على النظر للإمام عبد السلام ياسين، باعتباره مربيا أو سياسيا، فعقدت في ذلك ندوات ومؤتمرا، وألفت كتب ودراسات فيما يخص رؤيته للتربية، أو للأخلاق أو للسياسة وغيرها من الأفكار والتصورات التي تنحو منحى تربويا أو فكريا وسياسيا، ولكن قلما نجد من نظر إلى الرجل من الوجهة الأدبية، رغم أن كتاباته تغري بجمالية من حيث لغتها أو نسقها التعبيري، أو من حيث اختياراته الشعرية أو إبداعاته التي تجسدت في دواوينه الشعرية، لا سيما شذرات وقطوف. ولذلك تسعى هذه الدراسة إلى الإسهام في بلورة تصور منهاجي لمفهوم الفن عند الإمام، من خلال النظر إلى رؤيته الشعرية من الزاوية الجمالية. 

طالع أيضا  الأخلاق الإيمانية

والمتأمل في الكتابة الشعرية عند الإمام ياسين يجدها لا تخرج عن الخط المنهاجي العام ولا تعارضه، بل إن الشعر عنده رسالة من الرسائل التي ينبغي لها أن تكون خادمة للمشروع المنهاجي، باعتبار الأدب/ الشعر أنفذ إلى النفوس وأقرب إلى القلوب.

ولا شك أن للأدب بصفة عامة والشعر على وجه الخصوص عند الإمام رحمه الله رسائل يمكن تحديد بعض معانيها في المستويات التالية:

– 2-1 المستوى الدعوي والتربوي: منذ القديم كان الشعر وسيلة للدفاع عن القبيلة، ولما جاء الإسلام تحول الشاعر من الدفاع عن القبيلة إلى الدفاع عن الأمة وتصوراتها وقيمها الجديدة، إذ لما تعرّض شعراء المشركين لله ورسوله بالسوء، استنهض الرسول صلى الله عليه وسلم همم الشعراء المسلمين، فقال من يحمي أعراض المسلمين، فقال كعب أنا يا رسول الله، وقال عبد الله بن رواحة أنا يا رسول الله، وقال حسان بن ثابت أنا يا رسول الله، فقال نعم اهجهم أنت فإنه سيعينك عليهم روح القدس.

ما أحوج الأمة الآن ودعوة الله إلى من ينافح عنها ويدافع، في مزاحمة شعرية وأدبية لأهل الباطل بالتي هي أحسن، متقيدا بمعالم المنهاج النبوي في الدعوة، ذلك أن الشعر والأدب عموما لا يخرج عن معالم هذا التصور المنهاجي الذي رسم ملامحه الإمام رحمه الله، فهو يؤكد على أن الأديب ينبغي له أن ينخرط ويندمج بشكل طبيعي وفعّال في الصف، مساهما في البناء من الداخل مسخرا إبداعه لخدمة إبداع أكبر وأهم وأجدر، هو إبداع حركة موزونة ذات معنى تحدو حدو من سار على منهاج النبوة بتربية وتنظيم وزحف، قائم لله شاهد بالقسط.

وعن الدور الرسالي يقول الإمام في مقدمة المنظومة الوعظية، متحدثا عن قصده منها: “لعل الموعظة المكتسية حلة شعرية تنفذ إلى أعماق النفس، لعلها تطرق في ليل الغفلات أبواب القلب، لعلها تسري بالمستيقظ على ضربات التذكير بالآخرة من دار لدار، من حال لحال، من نمط عيش إلى حياة إيمان.” 2 ولذلك يبين رحمه الله الرسالة التربوية الدعوية المنوطة بالأدب، باعتباره وسيلة من وسائل تبليغ كلمة الله لخلقه بأسلوب راق جمالي جمال هذا الدين، فيقول: “ينبغي أن يكون الأدب الإسلامي وسيلة من وسائل التربية كلمة لها مغزى، تحمل معنى، تبلغ رسالة، لا أداة تسلية وبضاعة استهلاك.” 3 ويضيف مُبيّنا حقيقة الرسالة القرآنية للأدب، التي ينبغي أن يتمثلها المبدع في إبداعاته: “من وراء شفافية الشعر وتلطف الفن وترقيق الأدب، ينبغي أن يرتسم بوضوح حقيقة من أنا المتكلم الشاعر الأديب الفنان، وينبغي أن تنفذ رسالتي وتبلغ أمينة على البلاغ القرآني النبوي الذي أخدمه عزيزا به مقتحما به متحديا به” 4.

– 2-2 المستوى الترويحي: لا شك في أن الأدب قد يلجا إلى الترويح عن النفس، ولا يغض ذلك عن قيمته، بل ربما زاده شرفا، وهو يدخل في باب قول صلى الله عليه وسلم، بل ساعة وساعة، وهو وسيلة من خلالها يفجر المبدع طاقته الشعرية والتعبيرية، فقد كان المسلمون منهمكين في بناء مسجد قباء، وهم ينشدون رجز ابن رواحة:

طالع أيضا  مقالات في 'موسيقى الشعر' (2)

أفلح من يعالج المساجدا.. ويقرأ القرآن قائما وقاعــــــدا

ولا يبيت الليل عنه راقدا.. ومن يُرى عن الغبار حائدا

والرسول صلى الله عليه وسلم يردد وراءهم قافيه كل بيت.

– 3-2 المستوى الجمالي: للإسلام موقف واضح وجلي من الجمال، فلذلك لا مانع من أن تكون لرسالة الشاعر جمالية خاصة، ما دام ينطلق من مرجعية مبنية على الجمال في نظرتها للكون والحياة، فالله تعالى جميل يحب الجمال. والجمال متعة طيبة ترفع همة الإنسان إلى مزيد الكمال، بحيث كلما تحصل المبدع منها نصيبا رفعته بقدر تحصله منها وتشربه، حتى ترتقي به في مدارج الإحسان الإبداعي، وتسمو به في درجات الكمال الإنساني.

من خلال تتبع كتابات الإمام رحمه الله، تجد البعد الجمالي حاضر بقوة، فهو مدرسة في الجمالية قائمة بذاتها لها خصائصها ومميزاتها، وفي اعتقادي أن الإمام شاعر مناسب لأن تدرسه الجمالية، فهو مولع بالجمال في كل أبعاده، لاسيما الشعري، لغة وذوقا ونسجا، وشعره خير دليل على هذا الخصب والثراء الجماليين، لأنه تعبير عن جمال المخلوقات وكمال الوجود وجلال الله تعالى. بعيد كل البعد عن الجمال الخليع الذي لا ضوابط له ولا أخلاق، بل الجمال عند الإمام نقي وتقي دوره تزكية النفوس عن السفاسف. والرقي بالإنسان إلى أسمى درجات الكمال البشري.

يقول رحمه الله مناديا الأدباء والشعراء، ومبينا الأبعاد الجمالية للرسالة: “ولعل الله يقيض مجاهدين ومجاهدات في ميدان الكلمة والصورة واللون والتركيب والإخراج والتمثيل يلهمهم تحميل الأدب رسالة الإسلام والإيمان والإحسان، بجمالية تشف عن المقصود ولا تحجبه، تنم بتلطف عما وراء الكلمة… تجلو الحقيقة وتزفها للناس في حلل بهية.” 5 ولا تتحصل ملكة الجمال للمبدع، ذوقا وكتابة، بمجرد معرفته اللغة وخصوصيات الكتابة الإبداعية فقط، بل لا بد له من دربة ومراس في أدب العرب وفنونه، بل وحتى الآداب الأخرى، حتى يكتسب هذه الملكة، وأن ينفتح على وسائل عصره التعبيرية، ويروضها ويزينها بزينة القرآن، “وتتلطف كما تلطف مبعوث أصحاب الكهف ليقضي حاجة أصحابه، من سوق كانوا يخشون من غائلة أهلها” 6. وهذا الحس الذوقي الجمالي الذي يكتسبه المبدع الشاعر من خلال مجموع معارفه الذوقية، هو ما يعكسه في إبداعه واختياراته، فيستهجن الرث منها ويستحسن الجيد.

طالع أيضا  تحدي الحرية والعدل

[1] نظرية الأدب: ص 31.
[2] المنظومة الوعظية: ص 4.
[3] نفسه: ص 15.
[4] نفسه 26.
[5] نفسه ص 29.
[6] المنظومة الوعظية: ص: 15-16.