محسن الإريسي

أن تُدعى إلى الركوب لا يعني أن من يدعوك في يده مفاتيح النجاة من الغرق، وإنما يعني أن السفينة بربانها وطاقمها وكافة ركابها مكان آمن يسع الجميع، فالأصل هو الاتساع والرحمة وليس الضيق والشدة، وثمن التذكرة لا يؤدى مسبقا، إنما هو مهام تأتي على طول الطريق، كل حسب عطاءاته ومقدرته. قد يتساءل متسائل ما هي هاته السفينة؟ أية أمواج؟ وأي بحر؟

بحر مجازنا هو عالم يتقاسمه بنو البشر لا قرار فيه حتى تلوح اليابسة في الأفق، يابسة ما بعد الموت و الدار الآخرة، كلما غُيب معناها واستشعاره كلما زادت البشرية توحشا و فسادا واستكبارا، أنى لمن يريد النجاة من أمواج التيه في هذا العالم الموّار أن يسبح وحده، “ينظر أعداؤنا بعيدا، يطمحون ويطمعون في غزو أرواحنا من خلال تطويع عقولنا وتطبيع حياتنا على مهانة الاستسلام، واقتصادنا على التبعية، وإرادتنا السياسية على الخنوع، ليتمكنوا من صياغة أجيال ألأمَ طبعا من أجيال صنعها الاستعمار الاستحمار من قبل، وأَخَسَّ همة، وأرذلَ طَويّة.” 1.

أكبر ما يتهدد أجيال مجتمعنا في هذا العصر هو بلاهة الحياد، الحياد من منظور من يتبناه، غير أنه في الحقيقة انضمام الى مشروع ممنهج لغيرنا يحمل في طياته غايات التهجين الثقافي، والتدمير الأخلاقي، تحت يافطة “اللائكية” وتحت شعار “الحرية والمساواة”، نعم إنها الحرية والمساواة التي أقامت العالم الغربي على ظهر مستضعفي الجنوب، ابتداء من الهنود الحمر، ثم مستعبدي إفريقيا وصولا إلى حروب “البترودولار” التي سعت لتمزيق العالم العربي والإسلامي وقضيته المركزية قضية فلسطين، نهبا لخيراتنا واستثمارا في الحروب بيننا، بالطبع تكتمل الصورة بدون بائعي الأوطان من بني جلداتنا، ودائرتهم العنكبوتية التي تضمن استمرار سيادتهم ومصالحهم على حساب الضعفاء. نافخ الكير لا بد يصلى بناره، فما وصلت إليه الأنظمة البيئية من الضرر وصل حدَّ اللارجعة، وما وصل إليه العالم الغربي من التفكك الاجتماعي والانحطاط الأخلاقي يجعل من البناء المنخور مهددا بالانهيار على أصوله.

هل المهرب من كل هذا هو المحايدَة؟ لا هذا ولا ذاك؟ بلاهة محايِدة كما جاءت على لسان الأستاذ عبد السلام ياسين في رسالته إلى الطلبة وعامة المسلمين، نعم إنها كذلك، تكون اختيارا في مرحلة من العمر فتصبح مقدمة لعطالة العمر وفقدان البوصلة، هل تكفي إذا معرفة الصورة كاملة؟، لا يكون العلم نافعا إلا إن ترجم إلى عمل، “لا أخطر على الأمة من خمول أبنائها، ورضاهم الصامت بدين الانقياد، حتى يصبح من أصولهم الاشتغالُ عن الأمر العام بسفاسف الحياة اليومية. ولا تزال تسمع اليوم من يوصيك أن لا تشتغل بما لا يعنيك، وما لا يعنيك هو سياسة أمتك. لا يعنيك الضَيْمُ النازلُ عليها، لا يعنيك هزائمُها، لا تعنيك المؤامرة اليهودية الصليبية عليها. لا يعنيك الحكام الخونة وعبَثهُم بمصيرها.” 2.

هل يكون شراع سفينتنا المعاداة وإلقاء اللوم على واقع ثقيل! أو مؤامرة خارجية! هل أستثمر في النجاة وحدي دون إضاعة الوقت؟ أم أكون وقودا سريعا لتغيير لا تُدرى وجهته؟ “الإسلام، حين نفهمه حركة لاقتحام العقبة، نداء واستجابة رحمة وحكمة، يكون هو المعرفة الشاملة، والمحرك، والقوة، والعلم، والقدرة التنفيذية في حركة الانبعاث والحياة، وفي مسار العبد من دنياه التي فيها معاشه إلى آخرته التي فيها معاده.” 3.

إذا فالصورة تُظهر هنا أن لا تغيير بدون حركة مقتحمة لتغيير ما بالنفس تربية إيمانية، ثم معرفة وعلما، ثم قدرة على التنفيذ. لا يتحقق هذا إلا في سفينة لا يُفصل فيها بين مصير الفرد؛ أي مستقبل حياته ومصيره يوم يبعث بعد الموت فردا، وبين دوره ضمن باقي الركاب في السفينة مهما اختلف، في الحراسة كان أو في السياقة لكنه لا بد منه، ثقب بسيط من جانبه قد يتسبب في كارثة.

لا مناص أن نبحر في العالم حولنا مع الاحتفاظ بمعنانا وقيمنا وديننا، نعطي كل ذي حق حقه ولا نتنازل عن رسالتنا في العالم، رسالتنا إلى الإنسان، وشعارنا لنركب جميعا ولنغزو العالم بالمحبة والرحمة، لو كانت الحذاقة العقلية أو القوة الاقتصادية التكنولوجية -وهي ضرورية- وحدها تعصم من الغرق لما غرق ابن سيدنا نوح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.

قال تعالى: وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ 4.


[1] رسالة إلى الطالب والطالبة، إلى كل مسلم ومسلمة: عبد السلام ياسين.
[2] رجال القومة والإصلاح: عبد السلام ياسين.
[3] مقدمات في المنهاج: عبد السلام ياسين.
[4] هود: 42، 43.