تجربة الإمام ياسين

هو الإمام عبد السلام ياسين بن محمد بن سلام بن عبد الله، ينتمي إلى أسرة شهيرة في جنوب المغرب تُدعى آيت بهي، والتي كان لها صيت وذكر في تاريخ المغرب، وهم أشراف أدارسة. ولد بمدينة مراكش سنة 1347هـ/1928م. حفظ القرآن في طفولته المبكرة، وقيض الله له رجلا عالما مجاهدا أشرق معه نور الهداية الأولى في حياته. وهو “محمد المختار السوسي” رحمه الله، المعروف والمشهور بالتآليف الكثيرة في الأدب واللغة والتاريخ وغيرها. كانت للإمام رحمه الله إرادة قوية للتعلم، وخبرة إدارية وتربوية غنية.

في سنة 1965م وفي غمرة التفوق المهني والارتقاء الاجتماعي، كان الإمام ياسين على موعد مع تحول كبير في حياته دفع به إلى يقظة روحية. يحكي لنا تجربته الروحية التي ابتدأت يوم وضع قدميه في الحوزة المباركة، واحتضنه شيخُه الحاج العباس بن المختار رحمه الله، وهو في الأربعين من عمره وليدا تائبا حائرا. ويحكي أنه بالرغم من كون شيخه لم يكن يتوفر على مؤهلات القراء المهرة الحاذقين إلا زاد متواضع من حفظ القرآن والتفقه في الدين، لكنه كان محسنا من المحسنين، على يديه وُلد الميلاد المعتمد في طريق الله تعالى، في ظِلِّ قلبٍ تزكى لما زكاه الله” 1.

يقول الإمام رحمه الله: “كنت قد شارفت الأربعين عندما تداركني الرؤوف الرحيم بالمؤمنين بهبة ويقظة، فهام الفؤاد، وغلب التفكير في المبدأ والمعَاد، فوجدتني محمولا على الطلب مدفوعا إليه. كيف السبيل إليك يا رب؟ وعَكفت على كتب القوم، فما منهم إلا من صرفني للبحث عن الرفيق قبل الطريق. بِمن أَستنجد يا رب غيرك؟ وشككت وترددت أهو شرك مع الله؟ لكنني بَعد أن استغرقْت في العبادة والذكر والمجاهدة والتلاوة زمانا تبيّنتُ أن طلب ما عند الله هو غير طلب وجه الله. الأعمال الصالحة إن كان فيها الإخلاص وقبِلها الحنان المنان تنيل الجنان. لكن أي شيء يرفعني إلى مقامات الإحسان وَفسحات العرفان. واشتد بي الأسى، وعِفْتُ نفسي، وتضرعت وبكيت عليه، هو الملك الوهاب. وأتحفتني ألطافُهُ بلقاء عارف بالله رباني صحبته أعواما رحمه الله. وفَهمت منذئذ ما معنى كون الطريق مسدودا، ولم هذه السدود، وكيف اختراقها، وأين، ومتى، وأيَّانَ! لله الحمد والمنة، ولأهل الله الناصحين خلق الله، لا يخافون في النصيحة غير الله، ولا يرجون إلا الله، الشكر الخالص. لا إله إلا الله محمد رسول الله” 2.  

ويقول كذلك: “كنتُ حين استوحشت من الدنيا عِفْتُ نفسي وطار لُبّي في طلب الحق عز وجل. اخْشَوْشَنْتُ وانقبضت وانصرفت للعبادة والتلاوة والذكر آناء الليل وأطراف النهار. فلما منّ عليّ الحنان المنان له الحمد والثناء والشكر بلقاء شيخي رحمه الله وجدت أنْساً ورحمة وطلاقة وبشرا وفرحا بالله. ما كنت أتصور مدة انقباضي و”أزمتي” وبحثي أن من شأن مريد صادق أن يضحك، ولا أن يلتذ بطعام وشراب، ولا أن يستقرّ به فراش وينعم بنوم” 3.

طالع أيضا  ذ. أبو حزم في ضيافة منطقة الفداء بالبيضاء لتوقيع كتابه "عبد السلام ياسين الإمام المجدد"

لبث الإمام رحمه الله في حضن الزاوية مدة ستّ سنوات. ثم غادرها ليسلك طريقا أكثر رحابة في العمل وأصحّ موافقة للدين. فبعث بعد ذلك رسالته الشهيرة “الإسلام أو الطوفان” إلى ملك المغرب الراحل الحسن الثاني سنة 1974م مذكرا وموجها وناصحا. تلقى عنها مكافأة تمثلت في سجنه مدة ثلاث سنوات ونصف دون محاكمة. بعد خروجه من السجن واصل الإمام رحمه الله مسيرته الدعوية فأسس جماعة “العدل والإحسان”. ثم اعتقل مرة أخرى ليودع في السجن لمدة عامين بسبب مقال انتقد فيه الملك الراحل الحسن الثاني حول ادعائه مساندة الدعوة والدعاة. ومع خروجه من السجن وضع تحت الإقامة الجبرية لأزيد من عشر سنوات استثمرها في متابعة التأليف والتواصل والدعوة بالسبل المتاحة. وفي يناير من سنة 2000م يوجه الإمام من جديد رسالة مفتوحة إلى الملك الجديد محمد السادس عنوانها “مذكرة إلى من يُهمّه الأمر”. يحثه فيها بأن يتقي الله في شعبه وفي مصالحه وحقوقه، وأن يرد المظالم التي انتهكت في فترة حكم والده. وفي ماي من سنة 2000م رُفعت الإقامة الجبرية عن الإمام رحمه الله.

المدرسة المنهاجية

هكذا ظل الإمام شغوفا بطلب العلم وبالمطالعة المتواصلة للكتب والمؤلفات في بيته وخارجه، في سجنه وسراحه. حتى أصبح مدرسة فكرية متجددة لكل الأجيال، لم تنحصر في بلده بل تعدّت الحدود لتشمل العالم، ولم تنحصر في زمانه بل بسطت أشعتها لتنير المستقبل. تعرف بـ “المدرسة المنهاجية” أو “المدرسة الياسينية” أو “مدرسة العدل والإحسان”. قد تتشابه هذه المدرسة المنهاجية مع المدرسة الغزالية في كثير من الأمور، لكن عوامل مثل ظروف الزمان وظروف المكان والتكوين الشخصي قد تخلق بعض الاختلاف في الفروع، ويبقى الأصل واحد كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن أهداف “المدرسة المنهاجية” هدفان رئيسيان انطلاقا من قوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان 4.

الأول: تحقيق العدل في الأرض، وهو مطلب الأمة الأساسي حتى تحيى معزّزة ومُكرمة بين الأمم.

طالع أيضا  ذ أبو حزم: الإمام ياسين أكبر من أن تكفي للحديث عنه سيرة واحدة

الثاني: تحقيق الإحسان في الدين، وهو مطلب الإنسان الأساسي حتّى يلقى الله تعالى وهو عنه راضٍ.

أما القواعد التي يقوم عليها مشروع الإمام المنهاجي فهي ثلاثة:

القاعدة الأولى: وجود قيادة ربانية تجمع بين الإرادة الإيمانية والإرادة الجهادية.

القاعدة الثانية: وجود طليعة مجاهدة في جماعة منظمة تأتمّ بها الأمة.

القاعدة الثالثة: وجود منهاج أصيل يوضح الخطة الكفيلة بالعمل في كلّ أبعاده.

كان الإمام يحمل من همّ الأمة وما وصلت إليه من ضعف وذلة، ما حمله الإمام الغزالي وغيره من العلماء، لكنه حين أراد أن يشخص المرض الذي تعاني منه الأمة، وجد بأن أسبابه الرئيسية ترجع إلى سببين رئيسين:

الأول موضوعي: يتمثل في فساد الحكم، بانتقال الحكم من الخلافة إلى الملك العضوض الوراثي، ثم الجبري الديكتاتوري الذي ما زالت الأمة تصلى بناره. نسأل الله تعالى أن يعجل للأمة بالتحرر منه. وهذا الفساد في الحكم انطلق منذ ما يسميه الإمام بـ “الانكسار التاريخي”. وهو انكسار أحدث في الأمة رجّة وضجّة وشرخا نتجت عنه جميع ما تعيشه الأمة من الفتن المتراكمة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ليُنقضنّ عرى الإسلام عُروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبّث الناس بالتي تليها، أولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة” 5.

الثاني ذاتي: يتمثل في فساد قلب الإنسان، لإصابته بمرض الوهن، وهو حب الدنيا وكراهية الموت. وعن هذا المرض نتجت الغثائية التي تعيشها الأمة. والتي تسبّبت في أن تتكالب عليها الأمم من جهة باحتلال عقولها لتخريبها، وباحتلال أراضيها لنهب خيراتها. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ اللهُ من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟  قال: حبّ الدنيا، وكراهية الموت” 6.

وبعد أن وضع الأصبع على أصل الداء بتشخيصه، شرع في تحديد العلاج المناسب، وذلك بإعادة بناء التاريخ الذي تهدم، وبالعمل على إصلاح القلب الذي فسد. فجعل لهذا العلاج مشروعا متكاملا من مواصفاته:

الصفة الأولى: الأصالة، باعتباره مشروعا مرجعيته الكتاب والسنة. هما مركزيته، وعليهما يدور.

الصفة الثانية: الشمولية، فهو لا يهتم بجانب دون آخر، بل يأخذ الأمر في كليته، فرديا وجماعيا، دنيا وآخرة، عدلا وإحسانا.

طالع أيضا  من كلام الإمام عبد السلام ياسين.. نصوص وتجليات (من أسرار لا إله إلا الله)

الصفة الثالثة: الإجرائية، فهو مشروع قابل للتطبيق في الواقع، وليس أفكارا طوباوية صالحة للتأمل فقط.

الصفة الرابعة: المستقبلية، مشروع يستحضر الماضي ليعمل بآليات الحاضر وإمكاناته من أجل تحقيق المستقبل الواعد بالفتح والتمكين والنصر المبين.

وقد أحاط الإمام مشروعه المنهاجي المجتمعي حتى يكون بعيدا عن أي اتهام بالغموض أو خروج عن القانون بلاءات ثلاث:

الأولى: لا للعنف، بل نعم للسلمية.

الثانية: لا للسرية، بل نعم للوضوح.

الثالثة: لا للتعامل مع الخارج، بل نعم للعمل من داخل القطر.

أما الميادين الحيوية التي ركز عليها الإمام رحمه الله في مشروعه المنهاجي الفكري والتي ينبغي أن تكون مدخلا إلى الإصلاح والتغيير، فهي ثلاثة:

1- الميدان التربوي: لتكوين المؤمن الشاهد بالقسط. وهو ميدان يشمل مجالس للتربية ووسائل التربية ومربين مقتدرين.

2- الميدان التنظيمي: لتكوين الأمة القادرة على حمل همّ الدعوة والجهاد للقيام بمهمة التغيير. وهو ميدان يشمل أجهزة تنظيمية ومؤسسات وبرامج ومكاتب خبرة وبحوث.

3- الميدان الحركي الجهادي: وهو ميدان يشمل عدة مجالات، منها: التعليم، السياسة، الاجتماع، الدعوة، الاقتصاد، التعبئة، وغيرها.

ويمكن تلخيص ما تركه الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى من آثار إيجابية نتيجة مجهوداته الفكرية والدعوية والحركية في آثار ثلاثة مهمة:

الأثر الأول: في تأسيسه لمبدأ نصيحة الحكام بدعوتهم إلى التوبة العمرية والحكم بالعدل وردّ المظالم.

الأثر الثاني: في جهوده الفكرية والعلمية لتوحيد الأمة وتقريب وجهات النظر، ودعم الحوار الجاد والمسؤول.

الأثر الثالث: في تأسيسه لمدرسة منهاجية يحمل مشروعها جماعة من المؤمنين، كان له الفضل الكبير بعد الله تعالى في إنشائها والسهر على بنائها.

تلك هي باختصار ثمرة التجربة الشخصية التي عاشها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى. والتي أنجبت مدرسة فكرية مفتوحة أمام الأجيال الحالية والأجيال القادمة ان شاء الله. والتي تحمل مشروعا مجتمعيا تجديديا شاملا.

خاتمة

رحم الله الإمامين وأجزل الله لهما الجزاء والثواب على ما قدماه للأمة وللإنسانية جمعاء. فقد كانا يتمتعان ببعد النظر، إذ لم يكن عملهما عبارة عن زرع حبوب ليحصدوا في العام المقبل، ولا عن زرع أشجار ليقطفوا الثمار في السنوات المقبلة، بل زرعوا تربية وفكرا في جيل ليحيوا أجيالا وأجيالا من بعدهما.


[1] انظر ياسين عبد السلام، الإحسان ج1، ص:8.
[2] نفس المرجع، ص:130.
[3] نفس المرجع، ص:220.
[4] النحل:89.
[5] رواه الامام احمد بسند حسن.
[6] رواه الإمام أحمد وأبو داود.