مدخل تاريخي:
فلسطين، الجرحُ الغائر في جسد الأمة الواهن، ووصمةُ العار على واقع المسلمين المعاصر، وفاضحة تخاذل حكام العض والجبر أمام قوى الاستكبار العالمي. تخاذلٌ تجاوز كل الحدود ليصبح تآمرا على الأرض، ومقامرة بمقدسات الأمة ومقدراتها.
لقد استيقظ الغرب بعد الحرب العالمية الثانية على مشاعر الندم والحسرة، جراء ما صُدموا به من اتهامات الحركة الصهيونية لأروبا بدعم حملات التطهير في حق العرق اليهودي. وتحت تأثير دهاء اللوبي الصهيوني تلازم الساسة والنخب الغربية على حد سواء، بالإضافة لعقدة الشعور بالذنب عند الأوربيين اتجاه العرق اليهودي، إلى جانب حركات التمرد اليهودي في أوربا الأثر البالغ في التعجيل بإيجاد وطن قومي بديل لليهود ولم يكن ذلك الوطن سوى قلب الأمة الإسلامية فلسطين.
كان المسلسل الاستعماري على أشده يعمل عمله في جسد الأمة المنهك المجزأ إلى دويلات وضع لها مخطط سايس بيكو حدودها الوهمية ، وكان للأنظمة الاستبدادية القائمة الأثر الكبير في التمهيد للاستيطان اليهودي في أرض فلسطين .

إن اختيار اليهود لأرض فلسطين لتكون وطنا قوميا لهم، لم يكن في واقع الأمر وليد ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما أفرزته من اضطهاد وقمع وتشريد للعنصر اليهودي، ولم يكن اختيار فلسطين بدافع جغرافي أو سياسي أو اقتصادي، وإن كان حضور هذه الدوافع موجودا لكون فلسطين ومنذ القدم كانت محط أطماع خارجية كثيرة نظرا للموقع الجيوستراجي الذي تتميز به منطقة الهلال الخصيب عموما من إمكانات فلاحية وثروات بحرية ومعدنية وفلاحية كبيرة، وتعد فلسطين جزءا من هذه الرقعة الجغرافية الزاخرة بالثروات، لذلك كانت محط أطماع اليهود المتطلعين لدولة إسرائيل التاريخية من النيل إلى الفرات.

ولكن يبقى البعد العقدي هو المحرك الأساس للحركة الصهيونية منذ مؤتمر بازل سنة 1897، حيث كان من أهم توصيات هذا المؤتمر استعادة مملكة إسرائيل في أرض الميعاد ((فلسطين)). وتوطين اليهود في أرضهم القديمة وإعادة بناء هيكل سليمان…
صدر وعد بلفور المشؤوم سنة 1917، وقبيل شهر من احتلال الجيش البريطاني لأرض فلسطين، وخلاله تعهد آرثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا آنذاك بجعل فلسطين وطنا قوميا لليهود وبتأييد الحكومة البريطانية ومعها حكومات الغرب مجتمعة إعلان قيام دولة إسرائيل اليهودية وبدء حملات الهجرة إلى أرض الميعاد أو الوطن القومي حسب العقيدة اليهودية . لتكون سنة 1948 عام النكبة الكبرى لفلسطين وأهلها وللأمة كافة بإعلان «دولة الكيان الصهيوني» المزعومة، وتبدأ معها معاناة شعب بأكمله تحت نير الظلم والعدوان الصهيوني المتغطرس بدعم وتغطية من الاستكبار العالمي وصمت وتخاذل، بل وتآمر من حكام العرب والمسلمين.

طالع أيضا  ذ. العلمي: عنوان مسيرة الأحد الشعبية هو رفض انبطاح الحاكمين للمشروع الصهيوني

لقد شغلت القضية الفلسطينية حيزا واسعا من اهتمام المسلمين وانشغالاتهم، بالرغم من كل الأزمات التي تعيشها الأمة. وبالرغم كذلك من المحاولات الرامية إلى طمس القضية من وجدان الأجيال المتلاحقة، فقد كان للحركة الإسلامية بعلمائها ومفكريها على امتداد الوطن العربي والإسلامي، الأثر الملموس في إبقاء وهج القضية في عقول المسلمين وقلوبهم باعتبارها القضية المركز، والعنوان الأبرز في واقع الأمة المعاصر. وقد كان الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله من العلماء العاملين الذين تهمموا بجرح فلسطين ونكبتها الكبرى، تجلى ذلك في كتابات الرجل حول الموضوع وتبوؤها المكانة البارزة في مشروعه الفكري، ولعل ما يميز تناول الإمام للقضية الفلسطينية، هو كونه وضعها ضمن النسق التجديدي في مشروعه التغييري رحمه الله.

بعد هذا المدخل التاريخي المختصر الذي حاولنا من خلاله المرور على أهم الإرهاصات التي مهدت لظهور كيان الاحتلال الصهيوني، وسطوه على الحق التاريخي للشعب الفلسطيني الأعزل في أرضه ومقدساته، ننطلق فيما يأتي من صفحات هذه المقالة البحثية لبسط واستجلاء معالم الرؤية التجديدية وملامحها عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله. ومن خلال هذا البسط نروم الوقوف عند النظر الكلي الشمولي للقضية الفلسطينية في تماهٍ مع سنة الله في الآفاق والأنفس والأمم عبر التاريخ، مع واجب الإعداد والاستعداد لموعود الله عز وجل للأمة بالنصر والتمكين.

وعلى هذا الصعيد ننظر مستبصرين بمنظار الوحي، معتدين بعُدَد المنهاج النبوي. ننظر في هذه الأحداث التاريخية المشكلة لجذور للقضية الفلسطينية، ونطالع ميراث الإمام المجدد عبد السلام رحمه الله، وكيف نظر إلى نشوء الصراع وتطوره حول فلسطين الجريحة، وكيف يقرأ الإمام رحمه الله تعالى القضية، والتفاصيل المؤثرة في الأحداث مسترشدا بسنة الله تعالى في الأمم والشعوب. نتابع إذن، من خلال هذه المقالة الملامح والمحددات الكبرى للرؤية المنهاجية في قراءة القضية الفلسطينية وتحليلها كما نظّر لها الإمام عبد السلام ياسين في كتاباته ومؤلفاته.

طالع أيضا  ساكنة بركان تحتج رفضا لمؤامرة "صفقة القرن" ودعما لفلسطين الصامدة

المحور الأول: المرجعية القرآنية مؤطرا للقضية الفلسطينية
إذا كانت القضية الفلسطينية وما واكبها ورافقها من صراعات، قد شغلت حيزا مهما من انشغالات المفكرين الإسلاميين على مدى عقود الصراع الطويلة، فأفردوا لها كتابات حاولت تحديد جذورها دينيا وسياسيا وعسكريا وفكريا، انطلاقا من محددات منهجية ومعرفية يحكمها نسق موجه لتصورات كل مفكر على حدة، فإن الملمح التجديدي الذي ميز تناول الإمام عبد السلام ياسين لنكبة فلسطين، أعاد تحديد طبيعة هذا الصراع وتوصيفه وتأطيره ووضعه في سياقه المناسب، ضمن سنة الله الماضية، وقدره النافذ ووعده الناجز.
ينتقد الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله العديد ممن كتبوا وناقشوا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على اختلاف مشاربهم واهتماماتهم الفكرية. ولعل سبب هذا الانتقاد يعود ل «التعويم في الكلام «حسب تعبير الأستاذ ياسين لـــكون أغلبِ هؤلاء حصروا الصراع في جغرافيا تتطاحن فيها قوتان أو قوميتان على رقعة سينتهي بالغلبة للأكثر عدة وقوة وعتادا وحلفاء.

يقول رحمه الله….

تتمة المقال على موقع ياسين نت.