مقدمة    

تحدث أهل التربية والسّلوك عن تجاربهم الشخصية في مرحلة اليقظة الروحية بأنها تأتي بعد اللحظة التي يعيش فيها الإنسان “أزمة روحية”، والتي تمثل أهمّ تحول مفاجئ لديهم، قادهم إلى تغيير جميع أنماط حياتهم على مستوى النظر والتفكير، والإحساس والشعور، والمعاملة والسلوك. والتاريخ يحكي لنا عن نماذج كثيرة عبّرت عن هذا الحدث العظيم الذي وقع لها في حياتها، وأحسّت معه بأنها وُلدت من جديد، ليس على مستوى الجسد كما الولادة الأولى من أبوين، وإنما هذه المرة على مستوى الروح والقلب. عبّرت عنه لتُحدّث بنعمة الله تعالى عليها، ولتذكر فضل الله عليها ومنته وكرمه. عبرت عن تجاربها الشخصية لتقول للجميع: الطريق من هنا. نورد بعض هذه التجارب، وخاصة التي أنجبت لنا مدارس بقيت عبر التاريخ تتوارثها الأجيال، لعل القارئ الذي سيطلع عليها يُجرب كما جربوا، ويسلك كما سلكوا، ويصل إلى ما وصلوا من يقظة روحية قلبت حياتهم رأسا على عقِب.

ومن هؤلاء الذين يحكي لنا التاريخ عن تجاربهم الشخصية التي دونوها في كتبهم تحدثا بنعمة الله عليهم، والتي لم يقف الانتفاع بها عند ذواتهم، بل تجاوزها إلى أمتهم وإلى الإنسانية جمعاء. أذكر منهم إثنين تحولت تجاربهم إلى مدارس. هما الإمام أبي حامد الغزالي والإمام عبد السلام ياسين رحمهما الله تعالى. فالتجربة الشخصية في الحقيقة ليست مرتبطة بعصر دون عصر، ولا بمصر دون مصر، ولا برجال دون رجال. بل مرتبطة أساسا بالهمة والإرادة والعزم على اللّحاق بالرجال. يقول الله تعالى: كُلاّ نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورا 1.

تجربة الإمام الغزالي

ولد أبو حامد محمد بن محمد الغزالي عام 450هـ. أخذ علومه الأولية في بلدة طوس، ثم رحل إلى نيسابور حيث تفقه على إمام الحرمين الجويني. وهناك ظهر ذكاؤه وتفوقه فاتخذه الجويني معينا له. وفي هذه الفترة صنف الغزالي كتابه “المنخول” وعرضه على الجويني الذي علق عليه قائلا: “دفنتني وأنا حي، هلاّ صبرت حتى أموت” 2. وعندما اشتهر الإمام الغزالي رحمه الله بفكره وفقهه، قربه الوزير نظام الملك وأسند إليه مهمة التدريس في المدرسة النظامية عام 484هـ. لكن ذلك الرصيد الفكري والفقهي والعلمي الذي تكدس في عقله، وتلك المنزلة التي تبوأها في المجتمع، ما كانا ليبعث في قلبه الرضى عن حالته الروحية والإيمانية.

حكى لنا الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تجربته الكاملة في كتابه “المنقذ من الضلال”، وهو كتاب صغير لكنه يحمل حكاية حدث كبير غيّر مجرى حياته من عالم شهير دانت له الدنيا إلى مُريد طرح شهرته ودنياه الواسعة ليُقبل على ربه ويسلك الطريق إليه. لم يترك الإمام الغزالي رحمه الله من العلوم شيئا إلا تبحر فيه، كان الفارس المغوار في مقارعة الفلاسفة والسفسطائيين وعلماء الكلام. لكنّ هذا لم يكن ليقنعه بسلامة الطريق الذي يسلكه. مما دفعه إلى وقفة تأمل للتفكير في الأمر كثيرا. إذْ لا يُعقل لعقل من كثرة ما تكدّس فيه من العلوم في كل فنّ أن ينتفخ إلى حدٍّ لا يستطيع الجسمُ لثقله أن يحمله، بينما القلب فارغ انكمش على نفسه لا تكاد تشمّ منه رائحة الآخرة. فأدى به التفكير أمام هذه المفارقة إلى أن يمرض ويسقط طريح الفراش لمدة ليست بالقصيرة. حتى انتهى به البحث من بعد التفكير إلى الجلوس بين يدي مربّ وهو الشيخ الفارمدي رحمه الله، تلميذ من تلامذة الأستاذ القُشيري الشيخ الجليل رحمه الله. فكانت صحبته لهذا المربي بداية تحول الإمام الغزالي وسلوكِه نحو تحقيق حياة المعنى والتتويج باليقظة الروحية. ومن ثمار هذه اليقظة انتفعت من بعده بإرثه الموروث أجيال وأجيال ولا زالت. وخاصة كتابه “إحياء علوم الدين”. في خمسة أجزاء. وقيل عنه:” من لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء”.

يحكي عنه أحد معاصريه عبد الغافر الفارسي يقول: “وعلَت حِشْمَتُه (ثروته وأبهته ومكانته الاجتماعية) ودرجته في بغداد حتى كانت تغلب حشمته الأكابر والأمراء ودار الخلافة” 3. ثم زهد في ذلك كله. قال: “وسلك طريق الزهد والمِثالَة، وترك الحشمة، وطرح ما نال من الدرجة للاشتغال بأسباب التقوى وزاد الآخرة. فخرج عما كان فيه”. هذه كانت أول خطوة له في طريق السلوك أن يلتزم مبدأ التخلي أو التخلية. أما ثاني خطوة وهي أن يلتزم مبدأ التحلي أو التحلية حتى يحصل له مبدأ التجلي بشيء من أنوار المشاهدة، فيقول عنها عبد الغافر: “وأخذ في مجاهدة النفس وتغيير الأخلاق وتحسين الشَّمائل[…] والانقياد لكل من يتوسم فيه أو يشُمُّ منه رائحة المعرفة أو التيقظ بشيء من أنوار المشاهدة”. وأثناء صحبته للصالحين لقي الشيخ الفارمدي فاتخذه مصحوبا. قال عبد الغافر: “فابتدأ بصحبة الفارمدي وأخذ منه استفتاح الطريقة، وامتثل ما كان يشير به عليه”. وقال الإمام السبكي رحمه الله في حقّه: “لا يعرف أحدٌ ممن جاء بعد الغزالي قدرَ الغزالي ولا مقدار علم الغزالي، إذ لم يجئ بعده مثله. ثم إن المدَانِي له إنما يعرف قدره بقدر ما عنده، لا بقدر الغزالي في نفسه” 4. وقد عدّوه رحمه الله تعالى في قائمة العلماء المجددين لدين الأمة الذين يقول عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود في سننه: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”.

المدرسة الغزالية

إن أمثال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى لم يكن من نتائج تجربته الشخصية ومن تحوله حصول تلك اليقظة الروحية فقط، والتي دونها لنا في كتابه “المنقذ من الضلال”، بل كان من نتائجها أيضا ظهور مدرسة فكرية انتسبت إليه، تسمى بالمدرسة الغزالية. مدرسة تتبنى أسس فكره، وتعتمد قواعد منهجه، خرّجت أجيالا من المفكرين والعلماء استفادت منهم الأمة. ولقد كان من أهداف هذه المدرسة الغزالية حسب ما أورده الدكتور ماجد عرسان الكيلاني في كتابه “هكذا ظهر جيل صلاح الدين” هدفان اثنان رئيسيان:

الأول: إخراج جيل جديد من العلماء ومن القادة العاملين الذين تتوحد أفكارهم وتتكامل جهودهم.

الثاني: هو التركيز على الأمراض التي تنخر في الأمة من الداخل بدل الاشتغال بالأخطار الخارجية.

أما القواعد التي يقوم عليها منهجُه في هذه المدرسة الإصلاحية والتجديدية فهي كما أوردها الكيلاني ثلاث قواعد:

الأولى: أن وجود الأمة يقتضي إخراجها لحمل رسالة الإسلام للعالم كله. وما الفتنة المنتشرة في الأرض والفساد المستشري إلا نتيجة لقعودها عن الدعوة والتبليغ.

الثانية: مرتبطة بالقاعدة الأولى، فما دام تبليغ الرسالة من مسؤولية المسلمين، لكنهم قعدوا عنها، فالأمر يرجع إلى وجود أسباب وراء ذلك القعود، فلا بد إذاً من البحث عنها. وهي أسباب غالبا ما تكون ذاتية.

الثالثة: مكملة للقاعدة الثانية، أنه عند إيجاد الأسباب يتمّ تشخيصها ثم تقديم العلاج المناسب للنهوض من هذا القعود والقيام بواجب التبليغ والدعوة.

ولما أراد الإمام الغزالي رحمه الله أن يشخص أسباب قعود المسلمين عن تبليغ الرسالة، وجدها تتمثل في عدة أمور ساهمت بشكل كبير في وصول الأمة إلى ما وصلت إليه من الضعف والغثائية. ذكر منها الكيلاني في كتابه هذه الأسباب الآتية:

أولا: فساد رسالة العلماء. وهذا يعني أن صلاح المجتمع وانتظام الحياة في فكر الإمام الغزالي، هو أن تكون عقيدة العلماء صافية تدور في فلكها كل من السياسة والاجتماع. أمّا أن يُعكس الأمر بأن تدور العقيدة في فلك السياسة والاجتماع، فهو الفساد بعينه وخروج عن المنهج الصحيح.

ثانيا: آثار فساد رسالة العلماء. تتجلى حسب الكيلاني في نفس الكتاب في:

 – البعد عن القضايا الجوهرية للمجتمع، والاشتغال بالقضايا الهامشية التي لا فائدة فيها.

 – التعصب المذهبي وظهور الخلافات والصراعات مما أدى إلى إفساد الفضائل العلمية. خاصة بين الفقهاء والمحدثين من جهة والصوفية والمربين من جهة أخرى. أو بين علماء الظاهر وعلماء الباطن.

– تفكيك وحدة الأمة من خلال ظهور الجماعات والمذاهب.

– انتشار التدين السطحي الشكلي، خاصة لدى العلماء والمتصوفة والأغنياء. مما أثر على تدين العامة.

أما بخصوص العلاج لهذا المرض الذي تعاني منه الأمة، فيتّسم عند الإمام الغزالي رحمه الله ببعض المواصفات التي ذكرها الكيلاني في كتابه القيّم، والتي تعطي تصورا خاصا لمنهج الإمام رحمه الله في الإصلاح والتجديد منها:

الصفة الأولى: عدم تحريض المسلمين على الجهاد ضد الصليبيين والمغول، ولا التنديد بجرائمهم.

الصفة الثانية: اعتماد النقد الذاتي. علاج “قابلية الهزيمة” بدل التباكي على “مظاهر الهزيمة”.

الصفة الثالثة: انطلاق العلاج من الأساس التربوي والفكري قبل أي أساس آخر. النفس أولا.

الصفة الرابعة: علاج قضايا المسلمين في اطارها الكلي، بدل الوقوف عند أعراضها. فيكون تطهير المجتمع من الداخل ابتداء من نقطة الصّفر هو المنطلق الصحيح.

أما الميادين التي ركز الإمام الغزالي رحمه الله أن يشملها الإصلاح والتجديد فهي:

الميدان التربوي: بالتركيز على التزكية لتخريج العلماء الربانيين والدعاة الصادقين.

الميدان التعليمي: وذلك بالجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية.

الميدان السياسي: بنقد الحاكم وفضح ممارسات الظالم.

الميدان الاجتماعي: وذلك بإحياء قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لنشر العدالة والأمن ومحاربة الفساد.

ويلخص لنا صاحب الكتاب الآثار التي تركها منهج الغزالي رحمه في الأمة من بعده في أثرين مهمين:

الأثر الأول: في تأسيسه لمبدأ “الانسحاب والعودة”. أي البداية بتربية النفس ثم المجتمع. الخلوة ثم الجلوة.

الأثر الثاني: في جهوده العلمية والفكرية لدحض ومحاصرة التيارات الفكرية المنحرفة حتى آلت إلى البوار.

دون أن نغفل الآثار الأخرى التي تمثلت في قيام دولة الموحدين على يد محمد بن تومرت، ودحر الغزاة الصليبيين، وتحرير بعض مقدسات المسلمين.

تلكم هي ما تأسست عليه المدرسة الغزالية التي كانت ثمرة تجربة شخصية، عاش من خلالها صاحبُها يقظة روحية لم تقف عنده بل تجاوزته إلى غيره. يقول الكيلاني في بعض ما كتبه عن الإمام الغزالي رحمه الله: “لو أن الغزالي وجد متسعا من العمر لبرزت ثمارُ هذا الاجتهاد السلفي الجديد، لكن الموت لم يمنحه هذا المتّسع، فقد توفي في عامه الخامس والخمسين، أي في الفترة التي يصل فيها الإنسان إلى النضج الفكري ويبدأ العطاء الناضج، ولله في خلقه شؤون وحكمة” 5.


[1] الإسراء:20.
[2] ماجد عرسان الكيلان، هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص:101-102.
[3] طبقات الشافعية ج4، ص:107 وما بعدها.
[4] نفس المرجع، ص:106.
[5] ماجد عرسان الكيلاني، هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص:110.