تلتطم الأحداث من حولنا وتتنوع، فإذا هي هريج مختلط ومريج مضطرب، وإذا المؤمن مفتون في دينه، غريب في دياره، قابض على الجمر. كيف نقرأ واقعنا، كيف ننظر إليه؟ كيف نبني من كلام ربنا وحديث رسولنا أداة للفهم وآلة للعمل؟

تطرح هذه الأسطر على القارئ الكريم قراءة بأعين السنة الشاهدة فهما لهذا التحول الكبير الذي عرفته الأمة بانتقالها من خيرية العزة إلى ذل الفتنة، جراء ذلكم الانكسار التاريخي الخطير الذي أذهب مقومات عزها مقومات الشورى والعدل والإحسان، وما تبع ذلك من تسلط الاستعمار وما ولده من تقليد للسيد الغالب المسيطر. وبين يدي هذه القراءة نتعلم كيف نضع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم موضعها من نسقها وسياقها وشروطها الغيبية، محذرين أشد ما يكون التحذير من قراءتين منحرفتين: قراءة الإسلامولوجي يجعل الوحي كلاما ونصا يعمل فيه بمقص التحليل والتعليل، وقراءة أخرى هي حرفية نصية تسدد عيارات التنفير وتطلق عبارات التكفير تحكم وتقضي بدل أن تدعو وتهدي.

في حديث الكثرة الغثائية أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولنزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت”.

يقدم لنا الحديث النبوي حالة الأمة في صورة تشبيه تمثيلي، ويحدد الداء الذي أوصلها إلى تلكم الحالة، ويصف الدواء ويقدم العلاج؛ أما الحالة فتتقدم من خلال الحديث في صورة بلاغية ذات دلالة كبيرة على حجم التحولات التي نخرت جسم الأمة فغيرتها من صورة الذات الموحدة المجموعة القوية المتلاحمة إلى صورة الجسد الشتيت الممزق، لتتبدى في الأخير في شكل الشخصية الفاقدة لذاتها المضيعة لهويتها، مع ما يعنيه ذاك من نشأة هذا الكيان المسخ المفتون الذي لا يعرف له وجهة ولا يدري له سبيلا.

أما الداء فيسميه الرسول الكريم بالوهن، ويحدده أعراضه في أمرين اثنين: حب الدنيا وكراهية الموت. وحب الدنيا تعبير عن هذا الانغماس الكلي للفرد الإنسان في العيش في الدنيا وللدنيا، والانشغال التام بها باعتبارها العالم الكلي الذي يسد بشواغله وشهواته على الإنسان مسام تفكيره ومسار حركته فينسى المصير الواقعي الذي يساق إليه غيره كل يوم، أي ينسى الموت الذي يحوم حوله في كل نفس يصعده من دون أن يدور في خلده أنه المعني بموت قريبه وجاره وأنيسه وصديقه. ولعل العلاقة السببية بين حب الدنيا وكراهية الموت بينة قوية، بل قد نقول إنها طردية عكسية فإذا كان حب الدنيا والإقبال على العبّ من شهوتها يورث كراهية الانتقال من هذا الذي يراه الإنسان عمرانا إلى ذلك القبر لخراب، فإن رفض فكرة الموت والخوف من الفناء وعدم الإيمان بما وراء الموت يجعل الإنسان مقبلا على الدنيا متهافتا عليها متراميا في أحضانها خاضعا لسطوتها. الداء إذن حسب ما يسطره الحديث نفسي قلبي ذاتي، أنتج عنه ضرورة داء مجتمعي تبرز صوره في هذه الكثرة الكاثرة من الأعداد الكمية التي جمعت الغثائية السلبية، والجبن والإحساس بالدونية، والقعود والانتظارية، والاستقالة والهامشية والجلوس في قارعة التاريخ نسيا منسيا.

إذا كان الحديث يقدم لنا في العمق تحليلا جوهريا بليغا مختصرا لصورة الصراع الحضاري بين الحضارة الآكلة والحضارة المأكولة، فإنه ضمنيا يقدم العلاج في شكل الوصفة النبوية المتمثلة في إرادة الشهادة في سبيل الله عز وجل وما يتفرع عن هذه الإرادة من القدرة والإرادة على تنفيذ مهمات الجهاد الباني. ولئن كنا في وصف الداء أمام صورة الشتات والشتيت والبؤس والضياع، فإننا في وصف العلاج أمام صورة صناعة الموت الصانعة للإنسان والصانعة للتاريخ، وهنا سؤال عريض: كيف يبني الموت الإنسان؟ وكيف يصنع التاريخ؟

إذا كان الموت في عرف الحداثة المارقة هباء ونهاية وفناء، وإذا كان الموت عند الحداثيين أمرا مزعجا مقلقا مفزعا، فإن الموت في الإسلام إن كان حقا نهاية لعالم فهو بداية لعالم آخر، بما هو انتقال من دار الدنيا الفانية إلى دار الآخرة الباقية، وهو بهذا الوضع الاعتباري يقع موقع الدافع المحفز بالنسبة للمؤمن، حين يعتقد هذ المؤمن أن وراء الدنيا بكل ما فيها عالما آخر أبقى وأجدى خاصة حين يعلم علم اليقين أن له ربا سيقدم عليه يحاسبه على كل كبير وقطمير فيجازيه بحسب ما كسبت يداه.

هذا الوعي بالذات وبحقيقتها هو الذي يبني الوعي الوجودي للمؤمن ويؤسس كينونته ويحدد مسيره ويجسد مصيره، فيعيد به رسم غاياته وترتيب أولوياته على سكة الفطرة المتوجهة هنا من الدنيا معاشا إلى هناك الآخرة معادا. وبهذا الوعي الذي يبني للإنسان المؤمن معناه الوجودي تتغير النظرة إلى كثير من المشترك العام بين البشر، تتغير هوية الإنسان وتتبدل نظرته إلى الحياة ويستقيم سلوكه فيتغير ما حوله، وربما يكون هذا جوهر معنى قول الله عز وجل “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، فيكون لتوزين العامل الذاتي النفسي الداخلي القلبي أثره في مجموع التحولات الخارجية المجتمعية التي بترتيبها وتنظيمها التنظيم المحترم لسنن الله في الكون المستفيد من الحكمة الإنسانية في عمارة الأرض يصنع التاريخ الذي لن يكون مجرد تجسيد لتوالي الأزمان وتعاقب الأحداث، إنما يكون هو الآخر مسيرا قاصدا إلى نهاية حتمية ابتدأت بإرادة الخلق الحكيمة للإنسان، وستنتهي بإرادة حكيمة للبعث والنشور، وبين حكمة الخلق وحكمة الموت حياة موضوعة لها قوانينها الربانية المتجددة بتجدد دعوات الأنبياء المرسلين المبشرين والمنذرين، وبتجدد دعوات المبعوثين المجددين.

لا تتحقق إرادة الشهادة في سبيل الله بغير أمور أساسية ذكرنا منها هذا الوعي الذاتي بحقيقة الإنسان، وغاية وجوده، ومعنى حياته. ونذكر منها إخلاص الوجهة لله، فذاك الذي يوحد الجهود، ويعصم من الفرقة والتشتت، ذلك أن الانجماع على الواحد الأحد يوحد، والتشبث بالمتعدد المتوزع يفرق ويوزع. ثم تخليص الذات من داء الوهن وأعراضه المختلفة بتربية الإيمان في القلب، والاستنارة في العقل، والاقتحام في الإرادة؛ وإنما يبنى الإيمان بالذكر فمن ذكر الله طاب بالله ومن طاب بالله وصل إلى الله، ومن وصل إلى الله عرفه الله حقيقته وألزمه كلمة التقوى وسبيل الهدى. وبعد الذكر لا بد من فكر ينير العقل باستنارة الذكر في القلوب، إذ الذكر الذي لا يثمر فكرا ذكر الغافلين، وكل هذا يعمل في اتجاه نفث القوة في الإرادة وبعث الحافز للعمل والبناء. وإذا كان الذكر والفكر قوتين تنبعان من المجاهدة الفردية فإنه لا بد من التنظيم الذي يعمل على إبراز هاتين القوتين ليعمل الإنسان على العيش في المجتمع العام والتفاعل مع أحداثه، مع ما يقتضيه ذلك العيش من الحذر التام من أن يستهلك سبح النهار المخزون الإيماني الذي قد يتوقف عطاؤه فيبلغ حد الإفلاس متى ما لم تكن له موارد من حياة الصحبة والمحبة في المسجد ومجالس الإيمان.

لئن كانت الأمة في زمن ما قبل الوهن خير أمة فبإخراج الله لها إلى الناس، وبأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر وإيمانها بالله، ولئن ذلت بعد عزة فبالفتنة العامة التي أصابتها جراء ما كسبته أيدي الناس ابتلاء وتمحيصا وسيرورة تاريخية مقدرة إلى الموعود المنشود، ولئن أرادت عودة عزها فبالإسلام الذي مهما ابتغت العزة في غيره أذلها الله، ولئن كان الحديث الذي تداولنا فيه يرسم لنا الصورة الكاملة للتشخيص النبوي لتاريخ الأمة وواقعها فإن المنهاج السني يكشف لنا أن إعادة البناء ينبغي أن يكون على الأثر الذي غير به رسول الله قوما كانوا أهل جاهلية جهلاء ليصيروا الجيل الفريد الذي قاد العالمين ردحا غير يسير من الزمان، وإنما كان ذلك بالصحبة الجامعة على الله ذكرا وصدقا وبناء لدعوة منظمة ولرجال طليعة لم تكن الدنيا أكبر همهم ولا مبلغ سعيهم إلا من زاوية ما تقدمه الدنيا من فرصة للحياة للاستثمار فيها لتوفير الأرضية التحتية العدلية للتوجه القاصد إلى الله تدرجا في مدارج الدين إسلاما وإيمانا وإحسانا.