أنس السبطي

لم يكن الموقف الرسمي المغربي بخصوص صفقة القرن يحتاج لقراءة معمقة حتى يصنف على أنه موقف مؤيد لخطة السلام الأمريكية رغم أن الخارجية المغربية حاولت أن تقدمه على أنه موقف حيادي، فالحقيقة أنها تريثت في البداية قليلا لكي تهيء الأجواء المناسبة لتصريفه عبر أدواتها الإعلامية، وهو ما ظهر أخيرا من خلال تصريح وزير الخارجية المغربية الذي تناغمت معه بعض المنابر المرتبطة بالنظام التي نشطت في تذكير المغاربة بأولويات الملفات المحلية على الملفات الإقليمية وبأن الهم الوطني مقدم على هم القضية الفلسطينية.

من هذا المنطلق فقد سعت الدعاية الرسمية إلى عقد تقابل بين القضية الفلسطينية وقضية الصحراء وتصويرهما كأنهما ندان لبعضهما البعض، وكأن التشبث بواحدة منهما يستلزم بالضرورة التخلص من الأخرى، ولما قدمت الصورة على هذه الشاكلة فإن فلسطين ستدفع ثمن هذه المقارنة تحت غطاء الدفاع عن الصحراء، فلفلسطين من يدافع عنها ومن حقنا نحن أن نرى مصلحتنا الذاتية وأن نحفظ سيادة بلدنا.

المؤكد أن هذه الدعاية ليست بريئة وهي تتسق مع النظرة الشعوبية الضيقة التي سادت عددا من الأقطار العربية التي أصبحت تتملص من القضية الفلسطينية، والتي يراد استيرادها إلى البيئة المغربية بحجة أن المغرب لا يقوى على الوقوف في وجه أمريكا والقوى الغربية وإلا فإن وحدته الترابية مهددة. استحضار قضية الصحراء المغربية ليس أمرا جديدا عليه، فقد كانت ورقة دائمة الاستغلال من طرف السلطة المخزنية التي تبتز بها المغاربة فتشهرها في وجوههم لتجنب المطالبة بالتغيير أو لإقناعهم بتنازلاتها التي لا تتوقف ولتبرير إخفاقاتها المزمنة في جميع المجالات.

المفارقة أن تلك الإكراهات التي يسوغ بها النظام المغربي إخلافه الموعد مع الاستحقاقات التي تواجهه هو من خلقها لنفسه؛ حين توسع في استنزاف موارد البلاد من أجل الإنفاق الباذخ على قضية الصحراء المغربية، وحين كان يتسول الدعم الخارجي لها بأي ثمن حتى لو تسبب في النيل من قدر المغرب ومكانته لقاء ذلك. الشيء الذي جعل البلاد رهينة للقوى العالمية والإقليمية حتى أضحى عاجزا على فرض استقلاليته عنها، ليكون الضحية في النهاية هو الإنسان المغربي الذي تعطلت تنمية بلده وأهينت كرامته خارج بلده وداخله. المغرب اليوم يراد له الاستمرار على نفس النهج، فيبصم على خطة ترامب ويسهم في تنزيلها، وهو ما يعيد إلى الأذهان سيرته الأولى مع القضية الفلسطينية حين كان عرابا لتنازلات مؤلمة أوصلت القضية إلى هذا النفق المعتم.

طالع أيضا  ذكرى الاستقلال وسؤال الاستقلال

الغريب أن آلته الدعائية تروج العكس فتقلب الحقائق قلبا لتوحي بأن المغرب الرسمي قد قدم شيئا ذا قيمة للقضية الفلسطينية، وهو الذي لم يسبق له أن تحمل مسؤوليته تجاهها حتى يستعجل اليوم التخلص منها، ذلك أن فلسطين منذ بدايات نكبتها وهي موضوع لمساومة النظام المغربي من أجل تحسين شروطه التفاوضية مع المجتمع الدولي، والغريب أنه ورغم كل ما صنع في هذا الباب فإن ملف وحدته الترابية ظل معلقا.

لذلك فحتى لو تم القبول بصفقة القرن والترويج لها فإن مشكلة الوحدة الترابية لن تجد طريقها للحل، ذلك أن النظام المغربي يمني النفس بوعود وتطمينات ليس لها ما يسندها على أرض الواقع، فما دام المغرب يفتقد أوراق ضغط حقيقية لدعم ملفه فلن ينتظر من القوى العظمى إلا الازدراء وتشديد الخناق عليه أكثر ليزداد طواعية لها.

مشكلة الوحدة الترابية لن يحلها التفريط بالحق الفلسطيني، فهي تحتاج مقاربة جذرية تقطع مع تلك الوصفات الفاشلة التي لم تزد الملف إلا تعقيدا، فقد أثبت القائمون على ملف الوحدة الترابية المغربية أنهم غير مؤتمنين عليه منذ أن تسببوا في استقلال أعرج لا يزال المغرب يعاني من آثاره الكارثية إلى مغامراتهم ووصفاتهم الفاشلة التي أقحمت الملف في متاهات زادته تعقيدا.

على النظام المغربي أن يواجه حقيقة ضعفه ووهنه الذاتي الذي لن ينفع معه الاستقواء بالخارج، فالأولى أن يقوي جبهة المغاربة بضمان حريتهم وحفظ كرامتهم فبهذا فقط يقطع مع أية نزعة انفصالية في بلد أصبح طاردا لأبنائه، هذا إن كان المخزن جادا فعلا في حراسة وحدته الترابية أما إن كان همه الحقيقي تفادي الغضب الأمريكي والخوف من استغلال ملفه الأسود في حقوق الإنسان والسماح له بإطلاق يده للتنكيل بالشعب المغربي، فلن تكون قضية الصحراء المغربية إلا عنوانا كاذبا يدلس به على المغاربة لتسويغ تطاوله على قضية مقدسة عندهم بمستوى القضية الفلسطينية.

طالع أيضا  الدكتور متوكل يستشرف ما بعد كورونا: كل تسوية لا تَتَّسع لمصالح كل الأمم لن يكتب لها النجاح