هذه أسطر تطل بإزاء القرآن وبيان النبي العدنان، ومن نافذة الأمل على واقع يحياه المسلم وسط غلس التيئيس والتبئيس والتبخيس الذي فقدت المعنى من حولنا، فإذا بنا مترددون حيارى بين البشائر التترى والمعوقات الفتنوية التي لا ترتفع بسطوتها وأخذها بمجامع الأنفاس تسد الآفاق على المتردد الحائر، فلا يرى سوى الانسداد والانحباس والضياع، خاصة أمام سطوة الباطل وغلبة سدنته ورواج بضاعة أهله. نجيب في خاطرة نتقاسمها مع ذوي الألباب عن هذا الذي على أهل الدعوة أن يلزموه ليكونوا على المنهاج وفي مستوى التحدي المستقبلي الماثل عيانا، نقصد تحدي حمل رسالة الفطرة للعالمين.
بين أيدينا نحن المسلمين بشائر ووعود؛ وعد الله عز وجل للمومنين بالنصر والاستخلاف متى آمنوا وعملوا الصالحات ونصروا الله في أنفسهم: “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هو الفاسقون”. ولنا بشرى الخلافة الثانية على منهاج النبوة بعد انقضاء عهود العض والجبر، وبشرى أخوتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم “وددت لو أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا من بعد”، وبشرى خيرية هذه الأمة “أمتي أمة مباركة لا يدرى أولها خير أو آخرها”، وعندنا وعد انتصار هذا الدين بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، لا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عز يعز الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر” ومعه بشرى امتلاكنا للعالم “إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشرقها ومغربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها”. هذا وعد بشائر يقينية صادقة.
على الطرف النقيض، يحيا المسلمون واقعا مترديا يسمى تدهورا وتخلفا وانحطاطا، ويسميه الإسلام فتنة، والفتنة غير الجاهلية والكفر؛ الفتنة في الدين كقطع الليل المظلم يصبح فيها المؤمن كافرا ويمسي مؤمنا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدينا قليل، والفتنة في الأمة تداعي الأمم عليها كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. والجاهلية حوالينا في عالم الآخرين ظن وكفر بالله وعدم يقين في ما عنده، وحكم استبداد وتسلط وتجبر وطغيان، وتبرج فساد وزنى وتفسخ قيم وأخلاق، وحمية عنف وتعصب.
العالم من حولنا يعاني حضارة مكروبة منكوبة مادية هائمة سائمة، لا غاية لها ولا هدف ولا أفق خارج منطق وهم الاستهلاك، حضارة تقنية مقزمة للإنسان فارمة له مشيئة لإنسانيته، دوابية مستهلكة وفطرتها مردومة مطمورة. وعولمة تريد عولمة الكفر بالله واليوم الآخر ونسيان المعنى والوجود. والحضارة الصناعية الحربية قائمة على الزر، مستعدة لتدمير العالمين نظير احتواشها المزيد من المال تزداد به تخمة وسط عوالم البؤس المادي والمعنوي للمشردين من دول ما تحت العوالم الثلاث.
بين بشائر الشهادة والغيب الواعدة المبشرة بنصر الله المبين وتمكينه المتين لعباده المؤمنين المحسنين، وبين واقع مفتون المسلمون فيه مستضعفون، وأعداء الله مستكبرون متسلطون. كيف يجمع المسلم المؤمن في وعيه بين مستقبل مفرح مبشر وبين واقع مظلم حالك؟ وكيف ينتظم في سيره على المحجة اللاحبة لا تحجبه دهاليز الحلكة عن السكة الواضحة؟ كيف يستعد حملة الدعوة ليكونوا الملاذ الأخلاقي والسياسي لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمل المستقبلي للعالمين أجمعين؟
ننظر في هذا الصدد بإزاءين عينين: بعين الحقيقة التي تعيش اليقين الثابت في وعد الله وموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع هذا اليقين إيمان بالقدر يجعلنا نعتقد أن حقيقة ما يقع هو أن الله عز وجل يفعل في كونه ما يشاء، ويصنع في ملكه ما يريد. فلا يظهر في الكون إلا ما يريده رب العباد قدرا مقدورا، بحكمة يعلمها سبحانه ابتلاء واختبارا وفتنة وتمحيصا. ثم بعين الشريعة التي تقول: إن ما أوجبه الله عز وجل علينا وفرضه وأمرنا به هو أن ننهض للعبادة والعمل والسعي، متوكلين عليه متبعين منضبطين لسنن الله في كونه التي لا تحابي أحدا، غير متواكلين ولا منتظرين ولا قاعدين أو خاملين، ولا متحمسين أو مستعجلين، ولا معنفين أو منفرين مكفرين، ولا لاطمين نقضي عمرنا في الأسف. إنما نفوض الأمر إلى الله ولا نفوض إليه التكليف. فـ “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.
ثم نسير على مستوى منهاج العمل بفهم يعي حقيقة مشروع الدعوة الجديرة بسمة الإسلامية، وبإرادة تفعل في ميدان التغيير؛ فحقيقة السمة الإسلامية في معنى الدعوة، تطلب منا أن نفهم أن رسالة المؤمن إلى أنفسنا أصلا وإلى الناس تبعا وسط العوالم التي نحياها، هي رسالة الإسلام الصافية التي تقتضي أن ندرك أن الإسلام توبة ودعوة، توبة وإنابة وإخبات ورجوع وأوبة متجددة إلى رحاب الحضرة القدسية، ودعوة للناس إلى الله عز وجل، فما يجب أن نخرس عن الحديث عن الغيب، عن هذا المسكوت عنه عند كثير من الناس؛ خبر الله وما عند الله، وخبر الموت وما بعد الموت، والآخرة وما فيها. الحديث عن الإحسان مبدأ أصيل بأن يطلب وجه الله ويعبد تقربا وزلفى بالفرض والنفل، والمعراج في مدارج السلوك إليه تدرجا لا قفزا على حقائق الدين وجوهر الدين، ثم الحديث عن العدل وعن السياسة كذلك؛ إذ لا بد للناس من أرضية العدل السياسي والرخاء الاقتصادي والتماسك الاجتماعي، ليجد الإنسان فسحة وليستعد الناس لقبول سماع خبر الآخرة. لا يسمع الخائف الفقير المسكين والمظلوم والجائع والمريض، إلا مبشرات من قبيل الأمن والشبع والامتلاء، ومحفزات من مثيل العدالة والصحة والعافية، كما أن الأمة لا تتوق إلا للقوة والسؤدد.
ويبقى التحدي قائما لدى المربين المتصدين للتربية والدعوة في كيفية القدرة على الجمع بين العلو الإحساني والكفاءة العدلية. كيف تمنح مع الحوالة ابتسامة؟ كيف تحفز الحوافز الإيمانية وتحدد الضوابط الشرعية في وقت تبني فيه الأرضية العدلية الإحسانية لعبادة الله. ولا يمكن بتاتا أن نكون في مستوى هذا الخطاب؛ إن لم نكن محسنين واقفين بباب الله في عتبة المولى الجليل نطلبه أن ييسر ويسهل، فالقلوب بيده يقلبها كيف يشاء. وإن لم نفقه التاريخ وانكساراته، ونعرف الفتنة وأسبابها، وندرك علة المرض ومكمن الداء، ونبدع سبل الوقاية وطرائق العلاج، ونقدم للناس منهاج عمل واضح. ثم إن لم نضبط لغة العصر، علومه وتقنياته وحكمته وقوته وأسبابه المادية.
أما الفاعلية الإرادية المقتحمة فلا بد لها من عمل يشتغل على بناء الإنسان؛ وعليه لا مناص من أن تسير القوة الاقتراحية للدعوة الإسلامية نحو الإنسان، نحو تدبير الإنسان لا تدبير المؤسسات، فالدعوة إلى الله دعوة الإنسان أولا وأخيرا، ولعل مما يخشى منه أن تقدم الدعوة نفسها وترشح ذاتها لتسيير دواليب الدولة وطلب الكراسي وعشق إدارة الأزمات، والحال أنه لا بد من المضي إلى العمق، إلى الإنسان القلق في فقره وتخمته ومرضه، الإنسان القلق المنتحر المريض المضطرب. تركز الدعوة على الإنسان: تعمره من خرابه ليعرف ربه ويعرف وجهته ويدرك سر وجوده. تعمره بالإيجابية ليكون فاعلا، يأمر بالعدل ويمشي على الصراط المستقيم، لا سلبيا أبكم كلا على مولاه لا يقدر على شيء. تعمر وسطه بمعاني رحمة المسجد وروحه وريحانه عوض صخب وضوضاء السوق. وهنا لا بد من أن نعمد إلى الجذور العميقة التي هي المنبت والأصل: الأسرة والطفولة والمرأة والشباب. قد تهب الدنيا ورياح السياسة فتشرئب الأعناق، وقد يمضي البعض للتصدي للشأن العام، ولكن الثغرة التي على الكل حراستها، والجبهة التي على الكل الوقوف عليها هي التربية ثم التربية ثم التربية.
جهاد التربية جهاد أولوية في سلم أسبقيات التغيير الإسلامي الجدير بإسلاميته، فإن حمل رسالة الفطرة إلى الإنسان رسالة المعنى إلى عالم متعطش، والاستفادة من مقوماتنا الحضارية والروحية ومن وزننا الأخلاقي لحمل رسالة الأخلاق إلى عالم منكوب متوحش، لا يمكن أن تتأسس على القاعدة الصلبة إن لم يكن الحامل المنبري لها متمتعا بالحرية من عبودية النفس والشيطان وسلطان الهوى ليكون عبدا لله، ولن يحمل هذه الرسالة من لم يتصف بالأشباه والنظائر ممن حمل الدعوة سابقا، ممن غذوا بمحبة الصحبة القلبية الخالصة النبوية الكريمة، وسلكوا المنهاج على الخصال مرتبة منظمة بمجموع متكامل متوازن. إن لم يضع الإنسان بين عينيه يوم ينظر المرء ما قدمت يداه، إن لم نشتغل على أنفسنا ونملك زمامها، فنسيان الله عز وجل والدار الآخرة يوم تقبل الدينا، أخطر ما يتهدد العامل في الدعوة.
إنه لا يمكننا فهم قول الله عز وجل “ولينصرن الله من ينصره” ولا قوله “ألا إن نصر الله قريب”، ولن نفقه آيات النصر كلها وبشارات الفتح جميعها، إلا في سياق الفهم نفسه لقوله تعالى: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل”، فالجهاد لا بد له من تهييئ، والتهييء لا بد له من تربية، والتربية لا بد لها من أجيال. ولندع أوصاف الانتظارية والسلبية، والانكفاء والعزلة وادعاء الطهرانية تحلق وتحوم حول أنفسنا، ولنركز على التربية تربية الإنسان والأجيال الصاعدة لصناعة القوة، ما نستعجل إنما نسير وفق ما شرعه الله وما أمرنا به، برفق وتؤدة وحكمة ورحمة واقتصاد وبذل فندخل على الناس من كل باب، نعد القوة المادية لأن تلك سنة الله التي لا تحابي أحدا والله ينصر من يشاء ولا غالب لأمره.

طالع أيضا  بنعبد الله: نرفض "صفقة القرن" لأنها تنحاز للنظام الصهيوني وترفض الحقوق الفلسطينية