1-   سياق الصفقة

لا يختلف اثنان على أن القضية الفلسطينية تعيش في الوقت الراهن زمنا عصيبا، فقد نجح الكيان الصهيوني في إحداث اختراق مهم في القرار الدولي والعربي الرسمي على حد سواء، وهذا في حد ذاته ليس بجديد.

كما نجح الصهاينة أيضا في زيادة جرعات التطبيع في الموقف العربي الرسمي، خاصة بعد “خدماته الجليلة” ودوره غير الخفي في إجهاض الثروات العربية، خاصة في مربع الكيان، وبهذا تحول الدور الإقليمي لبعض الدول العربية من متسول للفتات للفلسطينيين إلى متآمر خاذل راغب في التقرب للكيان من مدخل معاقبة الفلسطينيين.

وتزداد المحنة بالانقسام الصارخ في الصوت الفلسطيني بين الصوت المفاوض والصوت المقاوم إلى حد التباعد، وعدم وضوح أي أرضية مشتركة للعمل الوطني الفلسطيني ضد الإجراءات الصهيونية التي تحرف التاريخ وتشوه الجغرافيا وتستهدف الهوية الفلسطينية، في ظل انتهاج السلطة في رام الله للخيار الأمني تجاه المقاومة والمساهمة في تعميق جراح الصوت المقاوم في غزة المحاصر من طرف الصهاينة.

ورغم هذا النجاح “الاستراتيجي” للكيان الغاصب فإن مسألة الإجماع الداخلي على المشروع الصهيوني تعيش أسوء مراحلها؛ فالأزمة الداخلية هناك واضحة لا محالة، وهي ليست بالضرورة أزمة سياسية انتخابية كما يروج البعض، بل أزمة سؤال الجدوى من الوجود في تلك الأرض المغتصبة.

فالحقائق الديمغرافية لم تعد في صالح الكيان، ونزيف هجرة الصهيانية من أرض فلسطين مستمر، وغياب إحساس بالاستقرار والأمان في الأراضي المحتلة في ظل توازن الرعب الذي تمكنت المقاومة الفلسطينية من إحداثه في العقد الأخير، إلى حد تشكيك الداخل الصهيوني في قدرة حكامهم السياسيين وقادتهم العسكريين في حمايتهم من كل أشكال المقاومة التي باتت تحيط بهم من كل جانب.

هذان العاملان المتوفران على الأرض؛ عامل النجاح الصهيوني إقليميا ودوليا، وعامل التفكك الداخلي، كانا حاسمين في مسارعة قادة الكيان إلى أقصى سرعة لاستثمار العامل الأول قبل أن يستفحل العامل الثاني، بهدف تصفية الوجود الفلسطيني من بوابة “السلام” بعد أن عجز الحل العسكري والأمني من تحقيق ذلك.

طالع أيضا  بيان مسيرة الشعب المغربي ضد ما يسمى "صفقة القرن"

وقد وجد الصهاينة في وصول قادة يمينيين إلى زعامة بعض الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية فرصة سانحة قد لا تتكرر في انجاز مخطط التصفية، فكانت صفقة القرن التي أعدها الصهاينة ورسموا أهم بنودها، وأعلنها رئيس الدولة العظمى دونالد ترامب، المدفوع أيضا بحساباته الداخلية وإجراءات محاكمته بهدف تقديم شيك على بياض للوبي الصهيوني النافذ في مؤسسات القرار الأمريكي.

فهل فلسطين وشعبها طارئين فوق الأرض حتى تطويهما صفقة ترامب؟

2-   فلسطين أصلها ثابت في التاريخ وفرعها في المستقبل

ينبغي على المتحمسين للصفقة الصهيو- أمريكية، وكذا المتخوفين منها، العودة قليلا للماضي، ففلسطين ليست فقط مكانا جغرافيا يتخاصم عليها اثنان، بل فلسطين تاريخ وهوية وجذور عميقة في التاريخ البشري.

ارتبطت فلسطين ارتباطا وثيقا بمدينة القدس والمسجد الأقصى تحديدا، فقد روى البخاري عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: “المسجد الحرام”، قال: قلت ثم أي؟ قال: “المسجد الأقصى”، قلت: كم كان بينهما؟ قال: “أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة فصل والأرض لك مسجد”.

وبغض النظر عن تعدد الروايات حول من بنى المسجد الأقصى، فإن أغلبها لم تخرج عملية البناء عن أب البشرية آدم أو الخليل إبراهيم عليهما السلام. وهذا يعني أن لا حجة للادعاء الصهيوني المزعوم في القدس وفلسطين، فالله عز وجل في قصة سيدنا موسى عليه السلام حرم على العصاة من بني إسرائيل الأرض المقدسة عقابا لهم على تخاذلهم وعصيانهم وكتب عليهم التيه والجلاء في الأرض، وهذا ما يفسر رفض الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العهدة العمرية دخول اليهود إلى بيت المقدس بعد تسلم مفاتيحها من بطريرك القدس صفرونيوس إثر انتصار المسلمين في معركة اليرموك.

وافتتاح العمران البشري في فلسطين ببناء المسجد رسالة ربانية أنها بقعة طاهرة وأرض سلام اختارها الله عز وجل وفضلها وبارك فيها فجعلها مهبط الرسالات السماوية، ومهد الكثير من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. والمسجد الأقصى المبارك شرّفه الله تعالى بالتقديس، وجمع فيه الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام في ليلة الإسراء والمعراج، تكريماً لنبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فالمسجد الأقصى أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين، وهو مبارك في ذاته مباركة الأرض التي حوله، وهي أرض فلسطين.

طالع أيضا  ائتلافات وهيئات وطنية مغربية تدعو إلى الاحتجاج يوم الجمعة أمام البرلمان تنديدا بمسار التطبيع العربي

ولكي تظل القدس وفلسطين أرض رسالة وسلم وسلام قيض الله لها عدة أنبياء وقادة ومجاهدين قاوموا الطغيان والاحتلال الأجنبي منذ الاحتلال الفرعوني في ما قبل التاريخ إلى الانتداب البريطاني في التاريخ المعاصر، بداية من احتلال الانجليز للقدس سنة 1917 إلى مؤامرة تفويت البقعة الطاهرة للعصابات الصهيونية الموزعة في بقاع الأرض وتأسيس كيان صهيوني سنة 1948 بعد ارتكاب جرائم وحشية لاجتثاث الوجود الفلسطيني.

وقد قاوم الفلسطينيون المؤامرة الدولية بكل تفاصيلها والتي ليست صفقة القرن إلا إحدى تجليتها أو لنقل إحدى مظاهر عجز المؤامرة عن تحقيق أهدافها على مدى أكثر من قرن من الزمن. وفي هذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لَأْوَاءَ، حتى يأتيهم أمر الله. وهم كذلك”، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: “ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس” (رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه).

وهم كذلك حتى يتحقق وعد الآخرة في قول الله تعالى مخاطبا العصاة من بني إسرائيل في سورة الإسراء: “فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا”.

فهل بمقدور وريقات ترامب اجتثاث جذور فلسطين وتحريف مسار المستقبل؟

3-   صفقة القرن تصفية لأعداء فلسطين وليس لقضية الشعب الفلسطيني

إن شواهد التاريخ ومبشرات الوحي وحقائق الواقع كلها تجمع أن فلسطين والقدس عصية على أن تنحرف عن قدرها الإلهي كأرض مقدسة ومبلغة لرسالة الأنبياء إلى الناس أجمعين، وأن صفقة القرن وغيرها أبعد من أن تحقق أهدافها، وكل المؤشرات تقول أنها فرصة نجاة لأعداء القضية الفلسطينية من مآزقهم سواء أزمة الوجود لدى الكيان الصهيوني، وأزمة الاستمرارية لدى ساكن البيت الأبيض، وأزمة الشرعية لدى النظام العربي الرسمي.

طالع أيضا  مسؤول صهيوني: "صفقة القرن" اكتملت وينتظر الإعلان عنها مطلع 2019

وقد بينت الأحداث التي رافقت إعداد هذه الخطة الصهيو-أمريكية أن قضية فلسطين لا تزال بخير ما دامت هناك سواعد مقاومة على أكناف بيت المقدس التي أربكت الصفقة بـ”مسيرات العودة” و”فجر الأمل” ومختلف الفعاليات المقاومة.

وفلسطين وبيت المقدس لا يزالان بخير أيضا ما دامت قضيتهما حية في قلوب ووجدان الشعوب الإسلامية وشعوب العالم الحر، وشهدت بذلك مختلف الأشكال التضامنية آخرها الانخراط الشعبي الإسلامي الواسع في حملة “الفجر العظيم”، التي ينظمها المقدسيون في المسجد الأقصى دفاها عن القدس ورفضا لصفقة القرن.

وهذا التجاوب الشعبي الكبير يزيد البون والشرخ بين الموقفين الرسمي والشعبي في الدول العربية من القضية الفلسطينية، ويتضح أن الموقف العربي الرسمي أضحى يربط استمراره أكثر فأكثر بالنظام الصهيوني والأمريكي، في ظل الهبات الشعبية المتتالية في مختلف مناطق الإقليم العربي الباحثة عن الحرية والديمقراطية، والتي تعني أن تحرير فلسطين مسألة حتمية سيتوج بها هذا المسار التغييري الذي انطلق منذ 2011.

وربما هذا ما يحاول العقل الصهيوني مسارعة الزمن دون وقوعه بالوقوف المباشر إلى جانب أنظمة الاستبداد العربية وحشد الدعم الأمريكي والدولي لها مقابل اتخاذها مواقف واضحة وعمل ملموس داعم للكيان الغاصب لفلسطين، خاصة وأن جبهته الداخلية أبعد من أن تتحمل الدخول في مواجهات مباشرة على غرار الحروب الأولى في تاريخ الكيان الصهيوني.

هي صفقة خاسرة إذن وصرخة فشل لثلاثة مخططات كبرى قهرها الشعب الفلسطيني الأعزل وأحبط كل مؤامراتها بصموده الأسطوري؛ المخطط الصهيوني التهويدي الرهيب، والدعم الأمريكي والغربي والدولي غير المسبوق للكيان، والتخاذل العربي الذي انحدر إلى التطبيع والتآمر مع الكيان المحتل، بل الرغبة في القضاء على حق الشعب الفلسطيني في أرضه وسيادته.