أعلن رجل الأعمال والملياردير الأمريكي دونالد ترامب الذي يحمل لقب وصفة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، يوم الثلاثاء الماضي عن صفقته لحل/ تصفية القضية الفلسطينية، وذلك بحضور ومباركة ممثلين عن عدة دول يتزعمهم رئيس حكومة الكيان الصهيوني نتنياهو، في مشهد درامي أشبه ما يكون بقرارات العصابات التي تسطو على ممتلكات الناس وتجعلها مستباحة فيما بينها.

وهو بذلك يحيي مشروعا استعماريا بدأ منذ مائة عام على يد عصبة الأمم التي أنشئت عقب الحرب العالمية الأولى لحل النزاعات الدولية بالطرق السلمية، فعملت على تهيئة الشروط السياسية والديمغرافية والترابية لإقامة كيان الصهاينة على أراضي فلسطين وتشريد شعبها.

فما وجه الشبه والاستمرارية في صفقة ترامب لما طرحته عصبة الأمم وعملت على إنفاذه؟  

الدور الأمريكي في إنشاء عصبة الأمم

يعتبر تأسيس عصبة الأمم كأحد أهم مخرجات المقترحات الأمريكية التي عرضها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون على حلفائه المنتصرين في الحرب العالمية الأولى أو ما سمي بالمبادئ الأربعة عشر. كانت الفكرة تخامر ذهن الرجل إبان انشغال ومشاركة بلاده في أتون الحرب العالمية الأولى، فقام بطرحها أمام الكونغرس في خطاب له يوم 18 مارس 1918. وبعد ما كتب رئيس حكومة جنوب إفريقيا جون كريستيان سمطس مقالا له تحت عنوان “عصبة الأمم: اقتراح عملي”، اقتبس ويلسون الإسم وبعض الأفكار ليحملها إلى مؤتمر السلام بفرساي ويتم اعتمادها رسميا في 25 يناير 1919، وذلك بالإعلان عن منظمة دولية تحت مسمى عصبة الأمم وصياغة ميثاقها الذي ستوقعه الدول في 28 يونيو 1919، وستشرع هذه المنظمة في عملها بمقرها في جنيف بسويسرا في 16 يناير 1920.

إن منظمة نبعت فكرتها من زعيم عنصري يقود نظام الأبارتايد الذي تقوم فيه أقلية من البيض باستبعاد واضطهاد غالبية السكان الأصليين من ذوي البشرة السوداء، لا يمكن أن تسفر هذه الهيئة سوى عن قرارات عنصرية ظالمة لا تخدم غير منشئيها والمتنفذين في أجهزتها ومن على شاكلته.  

طالع أيضا  "أيقظني للفجر العظيم" في الضفة.. فلسطينيون يبدعون في حماية المقدسات

ولفهم جانب من طبيعة وآليات عمل العصبة، تنبغي الإشارة إلى أن من بين الأجهزة التي أنشأتها المجلس المركزي الدائم للأفيون وذلك لتنظيم تجارة الأفيون في العالم.

قرارات العصبة بشأن فلسطين 

اتخذت عصبة الأمم عدة قرارات كان من أهمها وأخطرها قرار إخضاع منطقة المشرق العربي التي كانت حتى بداية القرن العشرين خاضعة للدولة العثمانية للانتداب، والذي منح صكه لكل من بريطانيا وفرنسا، وجعل فلسطين من نصيب بريطانيا التي سبق وأن أعلن وزير خارجيتها بلفور سنة 1917م عن وعده المشؤوم لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. 

تضمن صك الانتداب، الذي تم بموجبه بسط السيطرة والوصاية البريطانية على فلسطين، ثمان وعشرين مادة (28) تتناول جوانب عدة في تسيير ومصير فلسطين تمهيدا لإقامة كيان لليهود. من أبرز ما جاء فيها: 

● ضمان إنشاء الوطن القومي اليهودي وصيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين بقطع النظر عن الجنس والدين (المادة الثانية).

●الاعتراف بالوكالة اليهودية كهيئة عمومية لإسداء المشورة إلى إدارة فلسطين (المادة الرابعة).

● ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضع فئات الأهالي الآخرين عند تسهيل هجرة اليهود في أحوال ملائمة بالتعاون مع الوكالة اليهودية (المادة السادسة).

● تسهيل اكتساب الجنسية الفلسطينية لليهود الذين يتخذون فلسطين مقاما دائما لهم (المادة السابعة).

● احترام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية لمختلف الشعوب والطوائف (المادة التاسعة).

● اضطلاع الدولة المنتدبة بجميع المسؤوليات المتعلقة بالأماكن المقدسة والمباني أو المواقع الدينية في فلسطين، بما في ذلك مسؤولية المحافظة على الحقوق الموجودة، وضمان الوصول إلى الأماكن المقدسة والمباني والمواقع الدينية وحرية العبادة (المادة الثالثة عشر).

إن مجرد استعراض بسيط لهذه البنود يبين أن مبادرة ترامب الأخيرة هي عبارة عن إعادة إحياء لصك الانتداب، ولكن في حلة جديدة محكومة بعقلية وفهم الرئيس الملياردير، ومنسجمة مع مبادئ السوق والربح والخسارة ولذلك أطلق عليها اسم الصفقة. كما أنها، ورغم العبارات المنمقة والشعارات المرفقة، تهدف إلى دعم وحماية دولة الشتات “إسرائيل” في ذات الوقت الذي تجرد فيه الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة في الأرض والعودة إلى الديار وإقامة دولته وشعائره الدينية في مقدساته الدينية بكل حرية واحترام. 

طالع أيضا  فلسطينيو أوربا يدعون إلى حملة واسعة ضد "ورشة البحرين" و"صفقة القرن"

الواقع لا يرتفع

تأتي خطوة ترامب هذه في وقت يشهد فيه العالم تغييرات إستراتيجية مهمة تسير في اتجاه خدمة قضية الشعب الفلسطيني وقضايا أمتنا العربية والإسلامية، وتعاكس نزوات ومخططات الأمريكان والصهاينة. فزعيم البيت الأبيض وتابعه رئيس حكومة تل أبيب مهددان بالمحاكمة والعزل، والاقتصاد الأمريكي ليس في أحسن أوضاعه بفعل المنافسة والحرب الاقتصادية مع كبار العالم خاصة الصين.

كما أن الكيان الصهيوني يعاني من عدم استقرار مؤسساته السياسية سواء منها التشريعية الكنيست أو التنفيذية حكومة تصريف الأعمال، بسبب نتائج الانتخابات البرلمانية التي تبقى مخرجاتها غير حاسمة لطرف بعينه. زد على ذلك الشتات والتشرذم والهلع الذي يصبح ويمسي عليه مجتمعه وجبهته الداخلية. ويزداد رعبه شدة حتى يرى في المرابطات المسالمات بالمسجد الأقصى خطرا داهما عليه يقتضي التخلص منه بإبعادهن عن الحرم القدسي. 

وبالمقابل فإن الشعب الفلسطيني، ورغم كل المحن، يمتلك من قوة الإرادة ومضاء العزيمة ما يجعله قادرا على إحباط كل المؤامرات والدسائس المعلن منها والمضمر، معتمدا في ذلك على إيمانه بالله أولا ويقينه بعدالة قضيته، ويقظة وجهوزية مقاومته، ودعم ومساندة أمته.

إن المؤشرات والدلائل على الأرض تؤكد أن مشروع الشعب الفلسطيني يسير نحو الانتصار، والمشاريع الصهيونية المعادية تتجه نحو الهزيمة والإفلاس، ومن أكبر هذه المؤشرات هو أن المائة عام الماضية الحافلة بالخطط والاستراتيجيات الهادفة إلى قتل معنويات الشعب الفلسطيني وطمس هويته وسلب حقوقه في أرضه ومقدساته قد باءت بالفشل. وإنما زاد تشبثه بحقوقه التاريخية المشروعة، وترسخت أقدامه في أرضه، وتوثقت أيدي مقاوميه على الزناد لاستعادة الحق والأرض والكرامة.

وختاما فإنه على رئيس البيت الأبيض أن يدرك أن الشعوب العربية الإسلامية غير الأنظمة المتخاذلة، وأن مقدسات وهوية الأمة غير الفولكلور الذي يستقبل به عند زياراته للحكام العرب، ويرقص على إيقاعاته برفقتهم. إن هذه الأمة حية متوثبة رغم كل المآسي والضغوط، ويكفي التدليل على ذلك بـ”حملة الفجر العظيم” التي انطلقت من شباب وأحرار غزة، ثم انتقلت إلى المسجد الأقصى يقيم شعائرها المرابطون والمرابطات من أهل الضفة الغربية وسكان الداخل الفلسطيني، ويسمع صداها في مناطق ومدن المغرب الأقصى يتنسم سكانه عبيرها ويقتبسون من جذوتها قبسا ونورا.

طالع أيضا  الوقفة الاحتجاجية أمام البرلمان الرافضة لمسار التطبيع (فيديو)