رشدي بويبري

شكّل قرار الرئيس الأمريكي ترامب، القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني الغاصب وما تلاها من تصرفات وصولا إلى الإعلان المبهرج لما وصفها بصفقة القرن، حدثا مفصليا في تاريخ القضية الفلسطينية إذ هناك من المحللين من عَدَّهُ في نفس مستوى وعد بلفور من حيث خطورته على القضية ومآلاتها.

وقد أصاب كثير من المتتبعين كبد الحقيقة حين اعتبروا القرار فرصة تاريخية أتيحت لصالح قضية الشعب الفلسطيني، وعددوا كثيرا من الايجابيات الاستراتيجية للقرار. ولعل في مقدمتها إعادة الوهج للقضية المركزية لدى العرب والمسلمين وزيادة الفرز بين موقف الشعوب وأحرار العالم، المساند لحقوق الفلسطينيين والمناصر لقضاياهم، وبين موقف حكام العرب وبعض الحكومات الغربية الخادمة لسياسات الصهاينة بتفان وإخلاص. يضاف إلى ما سبق ذكره عزلة أمريكا من جديد وحشرها في الزاوية جراء انحيازها المطلق للإرهاب الصهيوني.

فهي، إذن، عديدة المكاسب الاستراتيجية التي يمكن الاشتغال عليها لنصرة القضية وتحويل قرار ترامب من مكسب تكتيكي للصهاينة إلى هزيمة استراتيجية لمشروعهم العنصري.

غير أن أهم فرصة يتيحها هذا الحدث الفارق هو إعادة الوهج للشارع العربي بالخصوص ولنفس المقاومة الذي حاولت الأيدي الآثمة للحكام العرب وتواطؤهم خنقه في السنين الأخيرة. فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة ألفين وواحد، عمل العقل الاستراتيجي الصهيوني والغربي على وضع خطط خبيثة لاستثمار الحدث بأقصى ما يمكن وبتنسيق كامل وانخراط كلي من قبل الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي (ماليا ومخابراتيا وغيره). وقد استهدفت تلك الخطط بالأساس الحركات الإسلامية المعتدلة في محاولات حثيثة للتضييق على فاعليتها داخل المجتمعات العربية والإسلامية والحد من جهودها التجديدية والنهضوية لمجتمعاتها. وهكذا انخرطت كل الدول العربية والإسلامية في تنفيذ خطط الاستكبار الغربي والمكر الصهيوني، وفي مقدمتها ما سمي بسياسات الإصلاح الديني وإصلاح المناهج التعليمية لتنقيتها من كل ما له علاقة بالإرهاب في زعمهم لكن ما استهدفوا في الحقيقة إلا روح الدين وقيمه الأصيلة الكفيلة بتربية إرادة الأمة وترشيد وعيها وإيقاظ روح التحرر لديها. وأستحضرُ في هذا الصدد حوارا أنجزه أحد الصحفيين في قناة عربية مشهورة مع الباحث الفرنسي المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية “فرانسوا بيرغا”؛ فقد سأله الصحفي عن تقدير الحكومات الغربية للعدو الحقيقي والاستراتيجي هل هو الجماعات الإسلامية المتطرفة مثل القاعدة أم الجماعات التي تصنف عادة بأنها معتدلة ووسطية، فأجابه الباحث بدون تلعثم وبشكل صريح أن الغرب يهتم في الحقيقة بمواجهة الحركات المعتدلة لأنها تمتلك مشروعا حضاريا منافسا أما الجماعات المتطرفة فيتم اختراقها وتوظيفها بسهولة لتشويه الإسلام. 
ومنذ الثورة المضادة على الربيع العربي لم تتح فرصة حقيقية لخروج الحركات الإسلامية من بوتقة الطوق الذي فرض على رقابها وحَدَّ بشكل من الأشكال من وهجها وفاعليتها التاريخية، لم تتح فرصة حقيقية كالتي أتاحها هذا القرار الأهوج لترامب.

طالع أيضا  ذة. الوالوس: التطبيع خيانة كبرى والفيصل في المعركة ضد "صفقة القرن" هو انتفاضة الشعوب

آن الأوان إذا للصادقين من أبناء الأمة لاغتنام هذا القدر الإلاهي لاستعادة زمام المبادرة وترك حالة الارتخاء والجبن والتقدم لقيادة الأمة في معركة التحرر من الاستبداد تمهيدا لتحرير مقدساتها من رجس الصهاينة ومن يواليهم. فالتعاطي مع هذا القرار يجب أن يكون من نفس مستوى خطورته وترك الأوهام وتجاوز المنطق الضيق للمصالح الحزبية والتنظيمية في البلدان الإسلامية، لتشكيل موجة عارمة تكنس الاستبداد من أوطاننا وتعد العدة لمعركة للتحرير الثانية ضد المشروع الصهيوني والغربي.