محمد النويني محام باحث في القانون الدولي الإنساني

بعد الفشل الذريع لعملية التسويق لما سمي بـ “صفقة القرن”، جراء الانتقادات اللاذعة الموجهة لمضامينها وخلفيات الأطراف المعدة لبنودها، وكذا حمولة الاسم، التي لا تتساوق مع قيم ومبادئ المنظومة الكونية لحقوق الإنسان، وقواعد الشرعية الدولية وضوابطها، التي توحي إلى منطق الصفقات ومنطق الربح والخسارة “البزنس”، لجأ ترامب إلى الترويج لاسم جديد أطلق عليه إسم الخطة الأميركية للسلام في الشرق الأوسط، وأعلن عنها بحر هذا الأسبوع، وسط رفض فلسطيني وتحفظ دولي، وشجب شعبي من قبل المناصرين للقضية الفلسطينية، واصفين الخطة بكونها طبخة أعدت على نار هادئة، وأنها لا تخدم السلام ولن تجلب الحل، مؤكدين أن ما يعرف بصفقة القرن هي خطة لتجاهل حقوق الفلسطينيين وإضفاء الشرعية على الاحتلال الإسرائيلي، وأنه لا يمكن شراء شعب وأراضي فلسطين بالمال، وأن من شأن إعلان هاته الخطة أن تدخل المقاومة الفلسطينية مرحلة جديدة وتعمل على توحيد صفوف أطرافها.
وفي الداخل الإسرائيلي، أعلنت القائمة المشتركة التي تمثّل الأحزاب والتيارات العربية رفض خطة ترامب لأنها “تكرّس الاحتلال والاستيطان”، مشيرة إلى أنها مخطط لتصفية حقوق الشعب الفلسطيني ومنع السلام، وفي الاتجاه نفسه سبق للمقرر الأممي، مايكل لينك، المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، أن حذر من اعتماد أي خطة سلام خارج إطار القانون الدولي والشرعية الأممية، لأن مصيرها سيكون حتما هو الفشل، مذكرا بمآل جميع الخطط السابقة لـ (السلام) في الشرق الأوسط، التي فشلت طيلة العشريات الخمس السابقة، نتيجة عدم الإصرار على اتباع نهج قائم على الحقوق بين الأطراف، والتي يجب أن تتضمن ستة مبادئ أساسية تتعلق بحق تقرير المصير، والمستوطنات، والاحتلال الإسرائيلي، وحق عودة اللاجئين، والأمن، وحقوق الإنسان.
وبرجوعنا إلى مضامين خطة السلام التي طرحها ترامب، والتي صفق لها الكيان الصهيوني، نجدها ما زالت تتشبث باعتبار القدس عاصمة “غير مقسمة” للكيان الصهيوني، مع منحه السيادة الكاملة في جميع أنحاء القدس، وذلك بضمه لجميع مستوطنات الضفة الغربية التي يزيد عددها عن 100 مستوطنة بهدف منع عودة اللاجئين الفلسطينيين إليها، مع إمكانية التفاوض مستقبلا للسماح بتأسيس دولة فلسطينية رمزية منزوعة السلاح.
ويرى العديد من المحللين السياسيين أن إعلان ترامب ونتنياهو خطة السلام خلال هذه الفترة بالذات، مرده صرف الانتباه عن مشاكلهما الداخلية، بعد توجيه مجلس النواب الأمريكي اتهامات لترامب، الشهر الماضي وشروع مجلس الشيوخ في محاكمته بتهمة إساءة استخدام السلطة، إلى جانب اتهام نتنياهو من قبل قضاء الكيان الصهيوني بتهم تتعلق بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، ناهيك عن رغبتهما في توظيف هاته الصفقة خدمة لمصالحهما الخاصة خلال الانتخابات الرئاسية القادمة.
إن بنود خطة السلام الأمريكية تتنافى مع مبدأ تقرير المصير الذي يعد من أهم المبادئ التي تضمنها ميثاق الأمم المتحدة لسنة 1951 في الفقرة الثانية من المادة الأولى وفي المادة 55 منه، حيث نص على حق الشعوب سواء كانت كبيرة أو صغيرة في أن تقرر مصيرها بيدها دون تدخلات خارجية، وإقامة دولة مستقلة محررة من أي استعمار لأراضيها ومواردها، دون استثناء أو تمييز بسبب العرق أو الدين أو اللغة أو الموقع الجغرافي.
وصنف أيضا مبدأ تقرير المصير بكونه أحد مبادئ القانون الدولي الإلزامي الذي لا يمكن إخضاعه لمنطق موازين القوى، حيث ورد هذا المبدأ في العديد من المعاهدات الدولية لاحقا، إذ أشير إليه في ميثاق المحيط الهادي الموقع في 8 شثنبر 1954 وفي بيان مؤتمر باندونج الصادر في 24 أبريل 1955، وفي إعلان بلجراد لدول عدم الانحياز الصادر في 6 شثنبر 1961، وإعلان مؤتمر القاهرة لدول عدم الانحياز الصادر في أكتوبر 1964.
وبتفحصنا لبنود “صفقة القرن” هاته، نجدها تتعارض مع قرارات الأمم المتحدة الصادرة حول القضية الفلسطينية ومن بينها قرار حديث لمجلس الأمن عدد 2334 الصادر بتاريخ 23 دجنبر 2016، والذي يحث على وضع نهاية للمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، ويطالب إسرائيل بوقف الاستيطان بالضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وعدم شرعية إنشائها للمستوطنات في الأرض المحتلة منذ عام 1967.
كما تتعارض مع القرار الأُمَمِي الشهير عدد 194 الصادر بتاريخ 11 دجنبر 1948، والذي يمنح بموجبه سكان فلسطين المهجرين قسرا حق العودة إلى أراضيهم مع تعويضهم عن الأضرار التي لحقتهم جراء ذلك التعسف.
ويناقض أيضا “القرار الأممي عدد 242” الصادر عن مجلس الأمن بتاريخ 22 نونبر 1967 والذي يحث الكيان الصهيوني عن الانسحاب الفوري من الأراضي المحتلة بما فيها فلسطين، وإنهاء كل حالات الحرب والمطالب المتعلقة بها، واحترام السيادة ووحدة الأراضي والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة، والاعتراف بها، بالإضافة إلى حقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها دون تهديدات أو استخدام للقوة.
إن تضمين وثيقة صفقة القرن مسألة إبعاد الفلسطينيين من أراضيهم إلى أراضي عربية أخرى يجعلنا أمام وجه جديد من وجوه التهجير القسري الذي يعرفه القانون الدولي في المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة، بكونه: إخلاء غير قانوني لمجموعة من الأفراد والسكان من الأرض التي يقيمون عليها، وبأنه يندرج ضمن جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، ومن جهة أخرى، يشكل إبعاد الأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة إلى أراضي أخرى، عملا تنتفي عنه الصفة القانونية بموجب أحكام المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، كما يشكل خرقا جسيما وصارخا لأحكام المادة 147 من الاتفاقية نفسها، وينظر إلى هذا الإبعاد على أنه جريمة حرب وفقا لأحكام المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ترى لماذا فشلت الأمم المتحدة ومعها الولايات المتحدة الأمريكية، طيلة العشريات السبع الماضية في إيجاد حل للشعب الفلسطيني وذلك بتخويله الحق في تقرير المصير؟ ولماذا هذا التدخل الأمريكي المنحاز إلى الطرف الإسرائيلي، الذي يريد فرض تهجير قسري جديد على الشعب الفلسطيني صاحب الأرض المغتصبة؟

طالع أيضا  بيان مسيرة الشعب المغربي ضد ما يسمى "صفقة القرن"