إن الناظر في تاريخ الحركات التغييرية، ليدرك بصورة واضحة لا تحتاج إلى مزيد من الشرح والتفصيل، أن الذي يقسم ظهرها، ويشتت جمعها، ويحيلها إلى فرق متناحرة ومتقاتلة، هو انكسار صفها، والريب والشك في صدق قيادتها، فيلعن بعضهم بعضا، ويتهم بعضهم بعضا، وينفخ  الناقم على هذه الدعوات التغييرية في الخلافات القائمة بينها نفخ الشياطين فيزداد سعيرها، ولاتضع الحرب أوزارها، فتتسع رقعة التناحر والسب والخصام، علما أن هذا الناقم المتربص الساعي لتشتيت الصف، يلبس لبوس الناصح المشفق الذي يريد الإصلاح إن استطاع، وماهو إلا كمارد يحمل فأسا يرفعه إلى السماء ويهوي به في سرعة جنونية متتابعة لهدم البنيان القائم في لمح البصر، ليخلو له الجو والناس والدنيا ليفعل بالرعية ما يشاء.

الجماعة بقوة تماسكها، تستطيع أن تستقطب عطف الشعب

نجد في مكتوبات الإمام رحمه الله تعالى تشديدا ملحا على وحدة الصف، باعتبارها عاصما من الزلل وضياع الجهود. وللحفاظ على لحمة الصف فإنه يريد لدعوة العدل والإحسان أن تقتفي أثر الرعيل الأول من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، بقيادة المربي العظيم سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذي أقام جماعة ذات بنيان متماسك وأسند القيادة فيها لأولي الثقة والإرادة والعزيمة، فإذا بالناس يدخلون في دين الله أفواجا. “كذلك اليوم لا بد أن يكون الصف مكونا من عناصر قادرة على التماسك، ولا بد داخل الصف أن نميز العناصر القيادية ذات الاستعداد العالي لنضعها في مكان المسؤولية” 1. وينبه الإمام  إلى أن الصف الضعيف المترهل لايمكنه أن يستقطب عطف الشعب ودعمه “والجماعة بعد هذا، وبقوة تماسكها، تستطيع أن تستقطب عطف الشعب، وتستدعي سنده ودعمه، بل واجبها أن تعلم الشعب وتربيه وتعبئه. ولا تملك أن تفعل إن كان صفها ضعيفا” 2.

الشورى والنصيحة داخل الصف ضمانة لوحدته

طالع أيضا  من كلام الإمام.. الأخلاق والمروءة -نصوص وتجليات-

إن سلامة الصف وعافيته في التناصح بين المؤمنين، بالرفق والكلمة الطيبة والتوجيه الحسن، مع الحذر من المتفرجين القاعدين. فلا تحسبن أن هؤلاء أهل صدق حين تبلغك وشاية عن أخيك دون بينة، إن يريدون إلا الفرقة وإشعال الفتن. وكلما كثرت المجاملات داخل الصف كان الضعف والخور، ونكون قد فتحنا نوافذ يتسلل منها المرجفون العابثون، لذلك فإن “الأمر بالمعروف داخل الصف، والنهي عن المنكر داخله، في مجالس الشورى والنصيحة، هما الضمانة ليبقى الصف في الاتجاه الذي يرضاه الله سبحانه. فإن جاءنا فاسق بنبأ وإرجاف فلا نسرع إلى تصديقه حتى نتبين. وقد نهينا أن نتخذ بطانة من دوننا، فلا نحسب أن الأعداء ولا المتفرجين القاعدين يتورعون عن نقل الأراجيف وإشعال الفتنة كما نتورع” 3. كما يشير الإمام رحمه الله إلى أن أعظم رابط يربط المؤمنين بعضهم بعضا هو رباط الإيمان، فسر قوة الصف يتجلى في وشائج المحبة والأخوة التي تربط بين القلوب، والثقة في القيادة المحبوبة المحبة. ومن ثم يلح الإمام على أن “صف الطليعة يجب أن يبقى متماسكا برباط الإيمان، رباط الثقة بالله، وبإخوتنا، وأولي الأمر منا. أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ. بيننا يهدي بعضنا إلى بعض عيوبه بالنصيحة الأخوية، ويقوم خطأه بالتشاور الرفيق. ومن دوننا لا نتركهم يفسدون ما بيننا” 4.

الإرادة العازمة تصنع الصف الصادق

نحذر من الأفراد الذين يلجون الصف من أجل قضاء مصالحهم الخاصة، فهؤلاء لا موضع لهم في صف المؤمنين، إذ لا نأمن شرهم حين تخيب مساعيهم  في تحقيق إربهم الذاتية، فما أسرع ما ينقلبون ويؤججون الفتن داخل الصف. لذلك كان عماد سلامة الصف تطهير النفوس من الأهواء والشهوات، وإصلاح نية المؤمن حين ينتظم في سلك صف المؤمنين بحيث تكون بغيته رضى الله لا الحرص على مصالحه الخاصة. لذلك فالتنظيم المحكم لايقوم على الحماس  المتأجج العابر “لكن يعتمد على الإرادة العازمة. حين تكون همة كل مؤمن أعلى من خدمة شهواته وأهدافه الشخصية، وحين تكون ذمته صادقة نأمن معها غائلته، ونأمن معها أن يخذلنا أشد ما نحتاج إليه. بهذه الإرادة العازمة يمكن أن نصنع الصف الصادق. ويمكن أن نطمئن إلى أن الغرس الإلهي يترعرع إلى الاستواء، وأن الصف المجاهد سائر في سبيل الله” 5.

آخر ما يخرج من قلب العارفين بالله حب الرئاسة

طالع أيضا  لنتعلم اليقين في ظلال الصحبة المباركة.. نصوص وتجليات من كلام الإمام

حذر الإمام كثيرا من حب الرئاسة لأنها أكبر معول لهدم أركان بناء الصف، ودعا إلى التواضع وتطهير النفس من الأنانية وتعظيم الذات، والبروز على الأقران. فالله عز وجل فطر “هذا الإنسان على الأنانية والدعوى، فقلَّ ما تجد بشرا لا يحدث نفسه بالرئاسة على الأمثال حتى ولو كان من المؤمنين. قال أحد الصالحين: آخر ما يخرج من قلب العارفين بالله حب الرئاسة” 6. لهذا نبه الإمام رحمه الله تعالى إلى أن ما يفرق ولا يجمع “وجود صحبات لا تفضي لجماعة. ووجود تقوى لا تتفتح على جهاد” 7. فسر ثبات الصف صحبة في جماعة، تحافظ على لحمة الصف، لا تشتت ولا تفرق، ولا تبرز رؤوسا تدعي النورانية ووراثة السر.

من شعر الإمام رحمه الله تعالى: قُمْ يا أخَيَّ بِداخل الصفِّ

قُمْ يا أخَيَّ بِداخل الصفِّ.. وتَولَّ جُنْدَ الله بالْعَطفِ

واكرَه عَدُوَّ اللهِ تَمْنَعُه.. ممَّا يُمارسُه من الخَسْفِ

وبقُوَّةٍ تَبنِي قواعِدَنا.. على الأمانةِ لا على حَرْفِ

 وبرفق الإسلام تسلكه.. لا باتباع مسالك العُنْفِ

 فتكونُ شاهِدنا على ملإٍ.. وتحبِّبُ الإسلامَ باللّطْفِ

 بالعدل والإحسان قومتُنا.. قَبْل القيامَةِ وانتِضَا السَّيْفِ

على رسول الإله قُدْوتِنا.. صلاةُ ربِّي تَجِلُّ عَنْ وصْفِ 8

الرسالة من الكلام

– وحدة الصف في التناصح  بين المؤمنين، والشورى في الأمر.

– وحدة الصف في أن يكون الرابط الذي يجمع المؤمنين رباط التقوى والإيمان.

– وحدة الصف في الحذر من المرجفين القاعدين المتفرجين.

– وحدة الصف في تطهير النفوس من الأنانية، وحب الرئاسة، نسأل الله العون والمدد فهو المطهر الشافي الكافي.

– وحدة الصف، صحبة في جماعة تجمع ولا تفرق.


[1] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي ص57.
[2] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي ص57.
[3] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي ص، 181-182.
[4] نفسه ص 182.
[5] المنهاج النبوي، ص179.
[6] نفسه.
[7] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي ص 131-132.
[8] عبد السلام ياسين، قطوف 4، ص 61.