بشرى منشف

إن حرية التعبير والكلام والانتماء، مضمونة لجميع فئات الشعب المغربي، ليس على مواقع التواصل فحسب، بل في الواقع أيضا، يستطيع أي مواطن أن يدخل على أي مسؤول ويقول ما يشاء، ولكن متى يخرج فهذه مسألة أخرى..!

لم أبلغ من العمر عتيا، ولم أصل لخريفه بعد، وأدركت الخوف النفسي الذي زرع فينا منذ الصبا، تلك الشتلة التي نمت وترعرعت فينا، من منا لم يسمع ولم يقل جملا من قبيل “أخرس هل تريد أن يزجوا بك في سجن عكاشة؟” “هل تريد أن نصبح كسوريا؟” ألا تخاف من أن انتماءك سيحول دون حصولك على وظيفة؟

لن أنكر أنهم نجحوا في بث أفكار محبطة بداخلنا، بل وأحدثوا شرخا في نسيج طموحنا، وأوسعوه بالضخ المتزايد من اعتقالات وإعفاءات من المناصب وغيرها…

يحاولون بكل وسائلهم المتاحة إنهاء طموحنا بالعيش في وطن حر أمين، به أنهار من الرحمة، لا أنهار تحصد عشرات الأرواح بمناسبة وبدونها، وطن تعم فيه البهجة لا صراخ المستضعفين وأنين المظلومين، وطن تباع فيه شموع الأمل، لا تلقن فيه دروس في كيفية البقاء في الظلام، وطن يصطاد من بحاره الأسماك لا جثت شبابه، وطن تشيد فيه المدارس لا السجون، وطن ننعم فيه بالحرية والكرامة والعيش الكريم…

بيد أن الوطن الذي نحلم به، أضحى معجزة يشك البعض في حدوثها ولا غرابة.. ففي الوقت الذي تُعَدّ فيه الشبكات الاجتماعية عبر العالم، فضاءات تتيح للمواطنين هامشا واسعا من الحرية، تمكنهم من التعبير عن آرائهم بكل حرية ودون قيد، نتفاجأ في وطننا بجملة من الاعتقالات والمحاكمات العبثية وملاحقة الناشطين فيما يكتبونه في شبكات مواقع التواصل الاجتماعي، واستهداف كل القوى السياسية والمدنية بسبب مواقفها وانتماءاتها المعارضة لسياسات السلطة، لينكشف الستار عن زيف الشعارات المنمقة التي ترفعها الدولة داخليا وخارجيا، ضاربين عرضَ الحائط كل الاتفاقيات الدولية والنصوص الدستورية التي تنص على حرية التعبير والرأي، والذي يتمثل في تلقي الأفكار والآراء واستقصائها وإذاعتها بكل حرية.

طالع أيضا  إصدار عريضة دولية من أجل دعم الأسرى الفلسطينيين 

فحرية الرأي والتعبير والصحافة من ركائز المجتمع الديمقراطي الأساسية، فهي تتيح لكل شخص أن يفهم ما يحيط به من خلال تبادل الأفكار والمعلومات بحرية مع الآخرين، فضلا عن أنها توفر للمواطن مساحة واسعة من الأمن الشخصي والاجتماعي.

وأما على المستوى الوطني، فهي تضمن النظر بدقة في أي سياسات وتشريعات جديدة تنوي الدولة تشريعها، وذلك من خلال مشاركة المواطنين وأخذ أفكارهم وملاحظاتهم، كما تساعد حرية التعبير على احترام القانون وتنفيذه، كونه يحظى مقدما بدعم وتأييد الشعب، كما تسهم في ترشيد الحكم عن طريق الرقابة وتمكين المواطنين من الانتقاد البناء لكل ما يتعلق بالحكم من وسائل وآليات ومؤسسات…

إن حرية التعبير والحق في الانتماء وحرية المواقف من أبرز حقوق الإنسان، ومن مهام الصحافيين والناشطين لفت الانتباه إلى قضايا وانتهاكات تمس المواطن، ومن مسؤوليات السلطات والمسؤولين خلق بيئة تنظيمية وقانونية تسمح للقوى السياسية والمدنية بممارسة مواقفهم بحُرية ودون قيود.

ومدخل كل هذا وجود إرادة سياسية حقيقية تملك الرغبة في التغيير، فحرية التعبير هي صديق التغيير والثورة وأكبر أعداء الاستبداد.

لقد كنت أبحث مؤخرا في مؤشر حرية الصحافة، لعام 2018 وتوصلت لإدراك خطير، هناك دولة واحدة فقط في العالم العربي نالت تصنيف حرة، تلك الدولة هي تونس، أما بقية الدول في العالم العربي فتصنف على أنها غير حرة. ونتيجة لذلك، فإن الشعوب التي تعيش داخل هذه البلدان، إما غير مطلعة أو مضللة، فهي لا تستطيع معالجة المشاكل التي تؤثر على حياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ناهيك عن مناقشتها علنا.

أعجبت بقولة للكاتب محمد الماغوط يقول فيها “لقد جربتم الإرهاب سنين وقرونا طويلة، وها أنتم ترون إلى أين أودى بشعوبكم، جربوا الحرية يوما واحدا، لتروا كم هي شعوبكم كبيرة وراغبة في التنمية والتقدم والعيش الكريم”.

طالع أيضا  معركة « الحرية والكرامة » تصل يومها 37 والوضع الصحي للأسرى يتدهور

إجمالا، لا ديمقراطية بدون حرية تعبير، ولا معنى للحرية في غياب ديمقراطية وتنمية تحقق عيشا آمنا لشعوبنا.