واصل الأستاذ محمد عبادي سلسلة مجالسه “في رحاب شعب الإيمان” ليقف في المجلس 29 مع موضوع أحكام النكاح انطلاقا من أحاديث منتقاة من كتاب شعب الإيمان للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله.

ووقف الأستاذ عبادي مع الحديث الذي روته السيدة الربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله عنها قالت: جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَدخَل حينَ بُنيَ عَليَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا، يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ، إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ: “دَعِي هَذِهِ، وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ” 1.

وأشار عبادي إلى فضل هذه السيدة التي كانت صحابية وكان وأبوها أيضا من الصحابة، واستشهد أبوها يوم بدر. وأورد عبادي أنها كانت تخرج مع النساء لسقاية المجاهدين ومداواة الجرحى كما كانت تفعل أمنا عائشة رضي الله.

وكانت هذه الصحابية التي روت واحدا وعشرين حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، قد اختلعت من زوجها إياس بن البكير، بعدما قالت له لك كل شيء وفارقني، وتوفيت في زمن عبد الملك بن مروان.

وأضاف في فضلها: “وقد شُرفت بأنها كبت الماء على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ، وحازت هذا الشرف، كما حازت الشرف الذي في هذا الحديث بين أيدينا “دخل علي حين بني علي”، والبناء هو دخول الرجل على الزوجة في أول مرة ليلة الدخلة. وجلس صلى الله عليه وسلم في فراشها، وهو شرف لها”.

ووقف الأستاذ عبادي مع قولها في الحديث “جَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا، يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ” موضحا أن الجويريات هن بنات صغيرات كن يغنين لأن المناسبة مناسبة عرس، والعرس يستحب فيه الفرح والسرور والضرب على الدف.

طالع أيضا  أهمية الاستقرار الأسري

وأشار عبادي إلى أن الندب هو ذكر محاسن الميت، مشددا على أن ما يقال في الأموات لا ينبغي أن تكون فيه المبالغة لأنهم يتعذبون ببكاء أهلهم عليهم وبما نسب إليهم وليس فيهم.

وفي قولها “إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد” قال الأستاذ عبادي: “هنا النبي صلى الله عليه وسلم أوقفهن لأنهن نسبن إليه ما ليس منه صلى الله عليه وسلم، والذي يحيط عما بالغيب هو الله عز وجل وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطلعه الله سبحانه وتعالى على كثير من الغيوب، وما يقع من أحداث مستقبلية وما يقع في عالم البرزخ والقيامة والجنة والنار، ولكنه صلى الله عليه وسلم لا يحيط علما بكل المعلومات، والقرآن يدل على ذلك، “ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء” 2 “قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله” 3“.

وأوضح عبادي ان ما يستفاد من هذا الحديث أن الإمام لا ينبغي أن ينزه نفسه عن حضور الأعراس، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب ليحضر عرس هذه الصحابية رضي الله عنها وأرضاها، وجلس منها مجلس زوجها واختلى بها، وهذا مما يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه معصوم عليه الصلاة والسلام.

ولفت عبادي إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيت عند أم حرام، وهي ليست من أقاربه وليست من المحارم، وكانت تفلي رأسه رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

ووقف عبادي مع حديث آخر عن محمد بن حاطب الجمحي رضي الله عنه قال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت” 4.

وأشار عبادي في تناوله لهذا الحديث إلى أن راويه “محمد بن حاطب الجمحي رضي الله عنه” هو أول من تسمى باسم محمد في الإسلام، ولدته أمه في السفينة لما هاجر والداه مع الصحابة إلى الحبشة واستأجروا السفينة لذلك.

طالع أيضا  كيف ضاق الحب ذرعا بالجدران الأربعة؟

ثم فصَّل القول في الحديث موضحا أن فَصْل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت؛ أي بين النكاح الجائز والنكاح المحرم، وفي هذا الحديث نهي عن النكاح السري، لأنه يجب في النكاح الإشهار والتعريف وفي ذلك وسائل منها الدف ليعرف الناس أن فلانا تزوج فلانة.

وأوضح أن المراد بالصوت في الحديث هو انتشار الخبر، كما تقول العرب فلان ذاع صيته أي ذاع صوته، أي اشتهر وانتشر خبره في أوساط عامة الناس.

ولفت في مجلسه إلى أن الغناء في أصله مباح ولكن قد يعتريه ما يجعله محرما مثل موضوع الأغنية، وطريقة الغناء واختلاط الرجال بالنساء، وبالتالي فالعوامل الخارجة عن الغناء هي التي تجعله مباحا أو تجعله محرما.

وأشار إلى أن “بعض العلماء يحرم الغناء مطلقا ويستدل ببعض الأدلة وهي ليست نصا في الموضوع، منها قوله تعالى “ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله””. وأوضح أن هذا الحديث هنا لا يعني الحديث مجرد الغناء اللهم إذا كان مقرونا بشيء آخر، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك: “لَيستحل أناس من أمتي الحِرى والحرير والمعازف” ولكنه هنا ربط الحِرى بالزينة والعزف على المعازف أي أنها مرتبطة بمحرمات أخرى من الفسق وشرب الخمر.

وتطرق الأستاذ عبادي لأحاديث وقضايا أخرى في الموضوع في هذا المجلس، أنظر هنا لمشاهد المجلس كاملا.


[1] أخرجه البخاري، كتاب النكاح والوليمة، رقم 5147.
[2] سورة الأعراف الأية 188،
[3] سورة النمل الأية 65.
[4] أخرجه الترمذي في كتاب النكاح باب ما جاء في إعلان الزواج رقم 1088.