عند الحديث عن طبيعة العلاقات الممكن بلورتها بين الأطراف السياسية المختلفة يطفوا على السطح ذلك الخلط الذي يسقط فيه الكثير من الفاعلين السياسيين، فبالأحرى من دونهم، بين التوافق السياسي والتقارب الإيديولوجي، وهو ما يطرح العديد من القلاقل على مستوى الاصطفاف وكذا آليات التعاون والتنسيق بين الألوان السياسية، خاصة تلك المتباعدة إيديولوجيا.

ولقد ساهمت تكتلات العقود القليلة الماضية، سواء على المستوى الدولي وبالتبع المحلي، في تفريد هذا الفهم، ذلك أنها كانت في الأغلب بين أطراف تتقارب على مستوى التوجه والمرجعية، بهدف مواجهة من هم في الطرف الآخر فكريا وإيديولوجيا، خاصة في ظل موروثات ما كان يعرف بالحرب الباردة (اشتراكية/ رأسمالية، يمين/ يسار…).

لقد رافق هذا الاصطفاف ذي الجهتين صراعات ومواقف راديكالية جد متعصبة، فتحت الباب أمام أشكال عديدة من الإقصاء المتبادل وكذا للتبعيات الخارجية، بل وعصفت بمفاهيم عديدة من مثل المواطنة وحرية الاختيار والتعبير وغيرها.

لقد كنا، وحتى يومنا هذا، نلحظ كيف أن وقوف أي حزب أو أحزاب في صف المعارضة لا يتم عبر استقراء رصين لمخرجات مشاريع الأطراف الأخرى في الجهة المقابلة، بل يكون رفضا مبدئيا لأي قرار تتخذه هذه الجهة، بغض النظر عن مدى تحقيقه للصالح العام أم لا، وهو الأمر الذي لم تكن له مبررات سوى اختلاف الهوية الإيديولوجية بين المعَارِض والمعارَض. 

هذا دون الحديث عن الإذكاء الممنهج لمثل هذه النعرات والذي تمارسه قوى الداخل والخارج بغية تفتيت الجهود وتوسيع الهوة بين رجال البلد الواحد، بنية إعمال قاعدة فرق تسد.  

إن وضعا مثل هذا يعد المناخ الأمثل للاستبداد والقمع وبأسماء رنانة… وبالتالي يكون الخاسر الأكبر هو الوطن والمواطن البسيط الذي يعيش هم القوت اليومي دونما اعتبار لهذا التوجه أو ذاك.

طالع أيضا  محاولة لفك الشيفرة في كلام السيد رئيس الحكومة

ثم ومن جهة أخرى، وجب التمييز بين دول تعيش وضعا دمقراطيا ـ إلى حد ما ـ تضم أحزابا قليلة العدد تعبر حقيقة عن ألوان إيديولوجية مختلفة تتصارع من خلال ألوانها هاته لكسب أصوات الناخبين بداية، ثم تطبيق تصورها ذاك إن حالفها النجاح في عملية اقتراع “سليمة”  بعد ذلك، وبين دول تضم أحزابا تقف لديها مبادئ الأيديولوجيا في حدود التشخيص… ذلك أنها حتى وإن تجاوزت إكراهات الانتخابات تجد نفسها أمام برنامج حكومي معد سلفا من طرف الحكام الحقيقيين، وهي حالة كل الأحزاب داخل الدول المتخلفة والتي تشكل الدول العربية إحدى صورها.

لكن هل يكون ما سبق دعوة منا لإلغاء كل مرجعية أو انتماء على أساس إيديولوجي بدعوى خدمة الوطن؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستكون قطعا بالحديث عن حدود الاصطفاف السياسي، ومن ثم ضرورة وواجب الوقوف عند معناه، وكذا ضرورته.

الاصطفاف السياسي  

في ظل الظروف السياسية الراهنة ومدى عظم الخطوب والكوارث التدبيرية التي تعرفها الأقطار العربية والعربية الإسلامية، قد لا نحتاج إلى كثير نظر للوقوف على أهمية وضرورة لم شمل كل القوى الجادة والمعنية بتغيير الأوضاع، مهما تباعدت منطلقاتها الإيديولوجية.

هذا ويقصد بالاصطفاف السياسي تحقيق الفرز على أساس سياسي عوض الأساس الإيديولوجي أو الطائفي أو العقدي أو…

وبالتالي نتحدث عن التقاء أطراف سياسية على مستوى واجهة العمل الميداني، وتنفيذ نقاط تبناها هذا الحزب أو ذاك على مستوى برنامجه الخاص وكانت هي نفسها لدى الطرف أو الأطراف الأخرى، ذلك أن المخاطب والميدان والبلد… واحد رغم اختلاف آليات التشخيص والمقاربة. إذ إنه من الممكن أن تكون المقدمات متباعدة لكن وحدة الواقع والزمان والمكان تستطيع جعل آلية التنزيل واحدة.

وفي الماضي القريب حتّمت معركة الاستعمار تذويب/تأجيل كل الخلافات، بل وحتى الخيارات، للتوحد رغبة في تحقيق الهدف الأول الذي كان آنذاك يتمثل في طرد المستعمر من أرض الوطن.    

طالع أيضا  تعليق على خطاب يوليوز 2019

أكثر من ذلك هناك من تحدث عن راهنية اصطفاف أعمق هو “الاصطفاف المجتمعي”؛ وهو الذي يشمل كل المجالات سياسية واجتماعية وثقافية وإيديولوجية وعقدية وطائفية وغيرها، وذلك باعتبار أمرين، بنيوية الوضع المزري وملامسته لجميع المجالات وجميع الفئات، وبالتالي ضرورة توسيع المشاركة العامة حتى تكون الإرادة الشعبية حاضرة. ثم بالمقابل ظهور ما يسمى بـ “الاصطفاف النخبوي” أو الكواليسي، ويقصد به الاصطفاف الذي يجري خارج المجتمع وبعيدا عن قاعدته، ضدا على إرادته ومصلحته.

هذا دون الحديث عن السعي لجعل المواجهة بين علمانية -مع ليبرالية- ضد الإسلامية، والتي  تعبر عن استلاب ثقافي، يُحَكّمُ الخبرة الأوروبية في العلاقة بين الدين والسياسة، على الحالة العربية الإسلامية مع أن السياقات الثقافية تؤشر على اختلاف كبير في وضعية الدين الإسلامي وتمايزه عن دين المسيحية والغرب: فالدين الإسلامي منهج حياة قبل كل شيء.

لقد تحدث المفكر والسياسي المغربي عابد الجابري طويلا وهو يكتب في  مذكراته عن السياسة والسياسيين قبيل وبعيد الاستعمار الفرنسي، كتب عن الصراعات، سواء بين رواد الحزب الواحد أو بين الأحزاب البارزة آنذاك حول مضمون الرؤى الإصلاحية وسبل الانتقال بالبلد إلى مصاف الدول الديمقراطية، ووصف كيف كانت هذه الخلافات السبب الرئيس في تأجيل الانتقال الدمقراطي من جهة، بل والسماح للنظام الحاكم ببلورة رؤيته وتدعيم الحكم الفردي من جهة أخرى.