يطربني كثيرا حين أسمع كلمات الثناء والمدح في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويؤسفني ويؤلمني حين أسمع ”علماء” يعارضون ذلك الثناء بدعوى أنه غلو. ويزيدون كلمات لا كالكلمات. كلمات تقطر بشاعة وتنضح جفاء. حين يقولون.
الرسول بشر مثلنا.
محمد بشر مثلنا.
هكذا.
ورحم الله العلم والعلماء.
رحم الله زمانا كان يقال فيه: كل غلو فيه تقصير.
فهل حقا رسول الله بشر مثلنا؟ هكذا؟
أشير في البداية إلى أن التركيز على بشرية الرسل ومماثلتهم للخلق مقولة من مقولات المشركين والكفار. قالوها وكرروها في كل زمان. وورثها الخلف عن السلف منهم.
قالها قوم نوح في سورة هود: فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا.
وقالها قوم نوح أيضا في سورة المومنون: ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم.
وقال الملأ من قوم صالح: وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ.
وقال قوم شعيب في سورة الشعراء: وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ.
ولما قالت الرسل: أفي الله شك … أجاب المشركون في سورة إبراهيم: قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ.
وقال مشركو أهل القرية للمرسلين الثلاثة في سورة يس: قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا.
وقال المشركون عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في سورة الأنبياء: لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ.
هكذا ترد هذه المقولة بالتكرار حتى يقع الإقرار والاستقرار بأنها مقولة خاصة بالكفرة المشركين. ومن يقولها ويكررها من ”علماء” المسلمين. فإنه يقتدي بالمشركين دون أن يدرك ضلاله. ظنا منه أنه يحسن عقيدته.
وبالمناسبة. فالقول في النبوة ولوازمها وتوابعها هو من صميم العقيدة. وما كان من العقيدة فإنه لا يجوز الاقتداء فيه بالمشركين أو التشبه بأقوالهم. صيانة للعقيدة وتحصينا للتوحيد.
ولما طلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم مطالب. جاءه الجواب من الله تعالى في سورة الكهف:
قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي.. ولم يقل: قل إنما أنا بشر مثلكم. وكفى. بل زاد ما يميزه عنا، وأعظم بها من زيادة. وهي: يوحى إلي.
والوحي يجعل الرسول بشرا استثنائيا ومتفردا وليس بشرا كالبشر.
وكرر الله تعالى هذا التوجيه، أي الاقتران بين البشرية والرسالة، وعدم الاقتصار على البشرية وحدها. فقال موجها الخطاب لسيدنا وقرة أعيننا: قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا. ولم يقل له قل هل كنت إلا بشرا. وكفى.
وبالمناسبة. فإن الآية:… بشر مثلكم يوحى إلي. لا يجوز الوقف على: مثلكم. والابتداء ب: يوحى إلي.
كما أن آية: هل كنت إلا بشرا رسولا. لا يجوز الوقف على: بشرا. والابتداء ب: رسولا.
ومن وقف في الموضعين كمن وقف على: ويل للمصلين.
ويبقى السؤال: أين تتجلى بشرية النبي صلى الله عليه وسلم؟
تتجلى في بعض المظاهر كأن يولد ويلد ويتزوج ويفارق الحياة الدنيا وغيرها مما يشاركه في نوعها سائر الآدميين.
لكنه يتميز عنهم فيها بمميزات لا تنحصر.
منها أنه يولد. ولا تتعرض أمه لآلام الولادة وصعوبات الحمل.
ومنها أنه يلد. ولا يلد إلا الأطهار المطهرين الذين أذهب الله عنهم الرجز.
وحتى في الزواج ميزه الله عنا بتجويز ما لا يجوز لنا. كالزواج بأكثر من أربعة وقبول من وهبت نفسها…..
وحتى في ذاته الشريفة. يتميز عنا بالكثير.
فهو يرى من خلف كما يرى من أمام. فهل هو بشر مثلنا؟
وهو يعرق. ويتطيب الناس بعرقه. فهل هو بشر مثلنا؟
وخصاله الخلقية والخلقية لا يشاركه فيها أحد ولا يماثله فيها بشر. وأجاد الإمام البوصيري حين تحدث عن حسنه وجماله صلى الله عليه وسلم فقال:
مُنَـزَّهٌ عـن شـريكٍ في محاسِــنِهِ .. فجَـوهَرُ الحُسـنِ فيه غيرُ منقَسِـمِ
إن هذه المقولة الكفرية انطلت على كثير من الناس بدعوى أنها الأسلم في العقيدة. وهي ليست سوى تكرار لمقولة كفار العقيدة. وهذا من باب ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمومنين وهم يقولون بأننا نركز على تلك العبارة تحصينا لعقيدتنا وتعظيما لنبينا. وما هم بمحصنين لعقيدتهم وما هم بمعظمين لنبيهم.
اللهم عظم سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم في قلوبنا.
واللهم علمنا حسن التأدب معه.
اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله.

طالع أيضا  فضائل الرسول صلى الله عليه وسلم