يقول الله تعالى: “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” 1.

لطالما استدل الناس بهذه الآية الكريمة من سورة الرعد لتبرير انعزالهم وانكفائهم على أنفسهم واكتفائهم بتزكية النفس وتخليق السلوك، وتفضيل الخلوات على الجلوات، وهو لعمري أمر جيد ومطلوب، لكن عندما يصبح هذا المطلب حجابا وحاجزا وذريعة لتناسي الواقع، وعدم الاكتراث لما يُحدثُه المفسدون والظالمون من فساد وظلم واستعباد للخلق، هنا يتوجب التوقف عند هذه الآيه لتدبرها واستخلاص الحكم الجمة التي تستبطنها، التي يمكن عدها فيما يلي:

– أولا، ينبغي الانتباه إلى سنة إلهية وناموس كوني، يتمثل في أن الخالق عز وجل قد رتب أقداره في تغيير أحوال الأقوام على تغيير ما بأنفسهم، وهي إشارة واضحة الدلالة أننا أمام سنة إلهية ثابتة لا تتبدل ولا تتحول مصداقا لقوله تعالى: “سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا” 2.

– ثانيا، أن هذا التغيير لا يعني الفرد أو الأفراد، وإنما يعني القوم، وهذا لا يتحقق إلا إذا كانت حركة تغيير ما بالأنفس جماعية وفي زمان ومكان واحد. لهذا نجد أن الخطاب القرآني يتوجه دائما إلينا بصيغة الجمع “اتقوا الله”، “وتوبوا إلى الله جميعا”، “قوا أنفسكم”… أما التغيير الفردي فهو تحصيل حاصل ما دام الأمر جماعيا، لكن لا يترتب عن الصلاح الفردي أو التغيير الفردي أي تغيير على مستوى القوم والواقع.

– ثالثا، يتوجب علينا أن ننتبه إلى قوله تعالى: “ما بأنفسهم” ففي الأنفس أمور كثيرة ساهمت وساعدت على انتشار الفساد والظلم، وهي قابلية هذه الأنفس على التطبيع مع المنكر والفساد والظلم حتى تتطبع عليه قلوبهم وتصطبغ به أنفسهم، والله تعالى يقول:

“لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ” 3.

كما أن أمة سيدنا محمد لن تستوفي أركان الخيرية بصلاح أفرادها فحسب، بل عندما تقوم بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بدءا من النفس وانتهاء بالواقع والمجتمع، بدليل قوله سبحانه: “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ” 4.

– رابعا، إن مما يتوجب علينا تغييره في أنفسنا؛ الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت. فالدنيا كلمة تستغرق كل المغريات والشهوات حتى تصل بالناس إلى ما وصفته الآية الكريم: “ولتجدنهم أحرص الناس على حياة” 5هكذا نكرة، أيا كانت هذه الحياة ولو كانت حياة الذل والقهر والمهانة والاستعباد… فإذا لم يتخلص المسلم من خشية الناس والطمع بما في أيدي الناس، وإذا لم يجعل الآخرة نصب عينيه، ويبتغي العزة عند الله لا من غيره، لم ولن تسمو إرادته، ولن يكون أهلا لهذا التغيير الموعود.

طالع أيضا  لن تزيغ الأحداث عن سنة الله (2)

– خامسا، نفهم من الآية ضرورة ربط الخلاص الفردي بالخلاص الجماعي، فالله تعالى كما حرم الخمر والسرقة والزنا والربا… فكذلك حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرما: “ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”. ولئن كان ترك الخمر والسرقة سلوكا فرديا، فإن محاربة الظلم لا تتحقق إلا بفعل جماعي، ولن يرتفع الظلم عن قوم إلا إذا غيروا ما بأنفسهم من أمراض الخنوع والخضوع، والقبول بالفرعونية والقارونية والنمرودية وبناتها وربائبها.

– سادسا، إن التغيير الموعود والمرغوب نتيجته حسب الآية ينبغي أن تظهر في القوم كجنس مستغرق لسائر الأنفس، وهذا لا يخص فقط المسلمين بل أي قوم كيفما كان دينهم. وهذا ما يفسر تغير أحوال غير المسلمين لما هو أفضل وأحسن بمعايير الدنيا، لأنهم غيروا أفكارهم ومواقفهم وقناعاتهم الخاطئة، ومن ثم تغيرت سلوكاتهم تجاه الحكام والسياسة، فاستعادوا كرامتهم وحققوا العدالة بينهم، وإنها لسنة إلهية سارية بين كل بني البشر لا يحابي الله فيها أحدا من خلقه، من أخذ بها وصل.

– سابعا، المعول على المسلمين المتوكلين على الله، المتشبثين بعزته، أن يكونوا شامة بين الناس ونموذجا يحتذى ويقتدى به، لكن وللأسف ضاعوا بين الجبرية والقدرية، وتركوا الأسباب والأصول فحُرِموا الوصول.

وبناء على ما سبق نستخلص أن هذه الآية لا يجوز فهمها في سياق فردي قعودي انعزالي، بل يتوجب فهمها في سياق جماعي تدافعي جهادي، يجمع بين إصلاح الأفراد وتزكيتهم، وتحرير إرادتهم في أفق تغيير ما بالأمة من تخلف وجهل وفقر وظلم ومآسي مصدرها استبداد الحكام المفسدين من جهة، وقابلية الناس للتطبيع مع هذا الاستبداد من جهة أخرى. فلابد من تكسير هذه الأصنام في قلوبنا وكنس مخلفاتها بالتربية والتزكية، ثم العمل على تغيير الواقع بإحقاق الحق وازهاق الباطل، وهذا يتطلب توحيد الهمم والإرادات، ورصها صفا واحدا لمجابهة المفسدين والظالمين. ولا ريب أن تحقيق هذه الغاية يُعَدُّ من أجَلِّ العبادات عند الله سبحانه وأعظمها.

طالع أيضا  لن تزيغ الأحداث عن سنة الله (3)

[1] الرعد: 11.
[2] الفتح: 23.
[3] المائدة:78، 79.
[4] آل عمران:110.
[5] اليقرة:96