يسر الله للأستاذ أحمد الملاخ رحمه الله، أن كتب بحثا تحليليا مطولا في موضوع تاريخ الأمة المسلمة وواقعها جعل له عنوان: “شوكة الإسلام”، نشر على جزأين في مجلة الجماعة -العددين الثالث والخامس- التي تزامن صدورها مع أواخر القرن الرابع عشر ومطلع القرن الخامس عشر. وقد وضع رحمه الله تعالى لمقاله هذا حدين واضحين؛ هما واقع المسلمين الذي تشهد فيه الأمة الإسلامية تكالب قوى الشر عليها من كل حدب وصوب، ومن كل ملة ونحلة، والحد الآخر هو استشراف غد الأمة الإسلامية المشرق الذي تتم فيه إعادة بناء شوكة الإسلام الحامية للملة والدين فعلا وقولا، والعاصمة لها من اعتداء المعتدين من أولي البأس، قوى الاستكبار والشر العالمي.

الأمة الإسلامية اليوم ضعيفة مستضعفة، مقسمة إلى دويلات متناحرة، تتنازع وتَنهب خيراتِها ومقدراتها قوى الشر العالمي شرقها وغربها، وهي التي سماها الأستاذ بأولي البأس فمن يكونون؟

من هم أولو البأس؟

انطلق الأستاذ الملاخ رحمه الله تعالى من الآية الكريمة في سورة الفتح “قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد، تقاتلونهم أو يسلمون، فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما”. وبعدما استعرض قول المفسرين مثل قتادة والضحاك وجبير وابن عباس والزهري كتب يقول: “فإذا انطلقنا من أن القرآن يخاطب المؤمنين كلهم في زمنهم وظروفهم الخاصة؛ إذ صلاحية الأحكام والمبادئ التي وضعها الله تعالى لا يحدها زمن ولا مكان ولا تحد بظروف تاريخية، وإذا ما اعتبرنا أن أسباب النزول ما هي إلا مناسبة لتوضيح ما أراد الله تشريعه، أصبح مفروضا علينا الالتزام بما أقره الله تعالى لأننا معنيون بالأمر قبل غيرنا. ولن نذهب في تفسير أولي البأس الشديد بأنها القوة الصهيونية والإمبريالية العالمية وربطها بقضية القدس فقط، لأن ذلك التأويل، وإن كان يوضح واقعنا، يبقى غير مظروف ونسبي… كان البأس والقوة والشدة في جانب الكفر، وأراد الله أن تصبح الشوكة للإسلام، لا بفعل إلهي غيبي لكن بإرادة مؤمنة مجاهدة ذات عزم وتوكل…

التتار، الصليبيون، الاستعمار الأوربي، الصهيونية في القدس، الزحف الأحمر: أقوام أولو بأس تسلطوا على المخلفين من الأعراب، ولا يزالون حتى يخرج العرب من أعرابيتهم ومن حمية الجاهلية وحتى يبرز مثل صلاح الدين ويوسف بن تاشفين والأمير عبد القادر ومحمد بن عبد الكريم الريفي والمهدي السوداني وأحمد السنوسي إلى غيرهم  1

إن هذا الواقع المرير الذي يئن تحت كلكله المسلمون، لا يرضي أي مسلم غيور على أمته بله داعية متهمم بأوضاعها، مثل الأستاذ الملاخ الذي يرى المخرج من ذلك باستعادة القوة إلى جانب الحق “العالم اليوم في صراع على الزعامة والسيطرة على الأجزاء الضعيفة، وهو في حاجة إلى قيادة منقذة تستعمل البأس والقوة في جانب الحق. الإسلام يبحث عن شوكة ترفع عنه المذلة والهوان” 2.

مفهوم شوكة الإسلام

طالع أيضا  في ذكرى الأستاذ أحمد الملاخ: سياستنا تكريم الإنسان

شوكة الإسلام مصطلح لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله، يعني به دولة بني العباس في مراحل ضعفها ووصاية السلاجقة عليها، لكن يعتبرها كذلك لمحافظتها على وحدة المسلمين ولذودها عن حمى الإسلام في وجه الاعتداءات الخارجية. أما الأستاذ أحمد الملاخ، وإن كان قد استعار المفهوم من الغزالي إلا أنه يضمنه معاني ومقومات جديدة تناسب عصر المسلمين وواقعهم. يقول رحمه الله: “نستعير هذا المصطلح من الغزالي، ونقصد به القوة المادية والمعنوية، التي من شأنها أن تدفع المسلمين إلى اليقظة وامتلاك ناصية أمورهم، والسيطرة على إمكانياتهم لتكون الأرضية الفسيحة لالتقاء كل الشعوب الإسلامية في وحدة تذيب الخلافات المذهبية، وتقاوم كل أنواع الكيد بالإسلام الحق، دون التفات إلى لون أو عرق أو لغة من يرفع شعارها” 3.

شرط قيام شوكة الإسلام في عصرنا هذا، هو تعاون رجال الدعوة ورجال الدولة لخدمة الإسلام، بعدما يتم توحيد أراء الأمة الإسلامية وجهودها نحو المقصد الغالي؛ وهو حراسة الإسلام وحماية بيضته بتعبير الغزالي، الذي يزيده الأستاذ توضيحا بقوله: “فمتى يتم توحيد الدعوة وتجاوز خلافاتها واستقلالها عن كل روافد الفتنة”، فضلا عن يقيامها على شرطي العدل والإيمان كما يرى 4.

عوامل انفراط عقد الوحدة الإسلامية

يسهب الأستاذ الملاخ رحمه الله تعالى في توضيح العوامل التاريخية المسهمة في تفكك وحدة المسلمين وما بقي قائما منها ولو شكليا حتى بداية القرن العشرين هو “الخلافة العثمانية” التي “كانت تجسد شوكة الإسلام، وكان لها بهذا الدورُ الأساسي في حياة المسلمين، كأمة لها وجود في العالم مشروعية رغم النظام الوراثي العاض” 5.

للقضاء على حكم آل عثمان باعتباره رمز وحدة المسلمين المتبقية، بعد قرون من الحرب والهدم التي نشط فيها الغرب الصليبي ضد الأمة الإسلامية ثمة عوامل كثيرة من أبرزها حركة التعريب التي شهدتها البلاد العربية الخاضعة لحكم العثمانيين، والتي تزعمها على نطاق واسع؛ المسيحيون العرب خاصة ببلاد الشام، واتخذت منحى سياسيا عنصريا “لتفكيك الوحدة الإسلامية خلق التدخل الاستعماري غير المباشر هذا الشعور بالعنصرية. فعزل الأتراك عن العرب، وهيأ التوزيع الذي سيتم بعد سقوط الخلافة العثمانية وفتح ما سمي بالتسامح الديني، ليفتح الباب على مصراعيه للغزو الصليبي الذي لم يتم بعد، ولخلق دولة للصهيونية العالمية. وهكذا هيأت الحركات (العلمية) الاحتلال الاستعماري، ساعده على ذلك قوميون عرب ومستعربون” 6. حركة التعريب هذه استهدفت فصل اللغة العربية عن القرآن الكريم، واتخاذ اللغة العربية عاملا موحدا للشعوب العربية وأساسا لفكرة القومية التي ستهيمن عليها ردحا من الزمن”. سلمت الراية إلى العرب القوميين، راية فصل اللغة عن القرآن، جريمة فصل وسيلة التبليغ والبيان عن مضامين الرسالة، جريمة فصل منطوق العبارة عن مضمون الدعوة. ولم تكن هذه الجريمة هي الهدف؛ بل هناك مخطط محكم يسعى إلى ضرب الأمة في مقوماتها، كي يتسنى له القضاء على شوكة الإسلام في القضاء على مفهوم “الخلافة” ولو كانت صورية” 7. وبعد ذلك توالت مراحل المخطط “هدف المخطط هو القضاء على مفهوم الأمة حتى يتسنى له القضاء على مفهوم الخلافة. بالقضاء على الأمة في القاعدة والخلافة في القيادة هان تحقيق باقي المخطط، من تشويه معالم الحياة والعقيدة والتاريخ، ومن تغريب الأجيال وقطعها عن مقوماتها بإحداث فراغ فكري وروحي تنعدم فيه الشخصية الإسلامية، وتسهل به التبعية والتتلمذ للجاهلية الغازية وإعداد القيادات الموالية للشرق والغرب 8.

طالع أيضا  سيدي أحمد الملاخ.. الرجل المحب 

شوكة الإسلام وقاعدة دار الإسلام

إن وحدة المسلمين واتحادهم هو الكفيل بحمايتهم وصون مقدساتهم من اعتداءات المعتدين، التي كانت منذ أن ظهر الضعف وتأخر المسلمون عن ركب الحضارة العالمية، وزاد اليوم هذا الاعتداء في السنوات الأخيرة حتى تكاد لا تجد قضية إبادة أو تعذيب أو تهجير أو استغلال للبشر، إلا والمسلمون هم مادتها ووقودها، وما ذلك إلا لغياب السند والشوكة.

شوكة الإسلام الحامية للدين والعباد والمقدسات، قاعدتها دار الإسلام التي تعم كل المسلمين، لأن الإسلام دين للعالمين. بناء شوكة الإسلام باختصار؛ هو إعادة إحياء الأمة وإبراز وجودها بين العالمين “شوكة الإسلام تعني وجود الأمة الإسلامية الواحدة لا الشعوب الإسلامية المتعددة والمتفرقة، وتعني كذلك وجود قيادة موحدة (بفتح الحاء وكسرها) لا وجود قيادات متفرقة متناحرة في مذهبيات وعلى مصالح. ظهور شوكة الإسلام يعني وجود الإسلام في العالم وإثبات عالميته بصلاحية حلوله لمشاكل العصر، وتوحيد شعوبه على علاتها ريثما توجد القيادة الموحدة القادرة على إعادة تكوين الأمة وتربيتها. وتعني كذلك إعطاء الفرصة للقيادة ذات الإرادة الصادقة في الاستقلال عن الجاهلية، وفي رفع لواء الإسلام والخروج من الانتماءات الحزبية، أو الطائفية أو الوطنية أو القومية، لترفع همتها إلى مستوى الرسالة العالمية التي تهدف خدمة الإنسان أينما وجد دون الالتفات إلى العصبيات” 9.

وفي الختام

فقد يسر الله عز وجل للأستاذ أحمد الملاخ عمق فكر وبعد نظر، وبعد تحليل ما خطت يمينه وما سطرته أنامله من بحوث ومقالات تحليلية، خاصة تلك التي تضمنتها الأعداد الأولى من مجلة الجماعة، وقد كان رحمه الله تعالى من رجال التأسيس الذين رفعوا القواعد من البيت وبنوا صرح العدل والإحسان، كتب يقول رحمه الله: العالم الإسلامي اليوم يبحث عن نفسه. إنه أكثر الشعوب حركة وحيوية، هذه الحركة والحيوية إنما هي تعبير عن إرادة شعبية تلقائية تتلخص في المطالبة بالحكم بما أنزل الله. بعض القيادات العربية تساير هذا الاتجاه محافظة على الشعور الإسلامي المتأصل لدى الشعوب المضطهدة، وأخرى تمكر بالمسلمين وتكيد لهم وتنصب لهم الشراك داخل بلادهم وخارجها، فتجند القضاء والجند للتصفية العنيفة في المحاكم والسجون، وعلى الحدود، وتنشئ مجلات البترودولار لتبرز على صفحاتها (بطريك العرب) بجانب آيات الله وتمجد أفكار المارونيين والماسونيين.

طالع أيضا  في ذكرى وفاة ذ. أحمد الملاخ رحمه الله.. كلمة في الصحبة

الشعوب الإسلامية في قاعدتها تحن إلى عودة عز الإسلام ووحدة الإسلام واختفاء الحدود المصطنعة بين الدول الإسلامية. تستفزها الآن القوة الصهيونية باحتلالها الأراضي المقدسة، ويستفزها أكثر من ذلك ابتعاد حكامها عن شرع الله، وسلوكهم المائع، وضعف، وهوان، وتفرقة، وعدم القدرة على توحيد الصف في نطاق الالتزام الإسلامي. ويذكي في نفوسها التضحية والتضامن ما تعانيه من اضطهاد وإبادة. القرع الإعلامي الموجه يستطيع أن يجعل من بعض أفراد الشعب ضحايا غير واعين بما يجري من أحداث لكن الغبش لا يدوم طويلا. “إن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب”: أليس صبح الإسلام قد بزغ؟


[1] مجلة الجماعة العدد الثالث صفحة 72.
[2] نفسه
[3] نفس المرجع، صفحة 75.
[4] مجلة المجاعة العدد الثالث، صفحة 80.
[5] نفسه، صفحة 86.
[6] نفسه، صفحة 87.
[7] مجلة الجماعة العدد الخامس، صفحة 75.
[8] نفسه، صفحة 77.
[9] نفسه، صفحة 87.