تميز عام 2019 المنصرم بتحقيق العقول والكفاءات المغربية نجاحات باهرة على الصعيد الدولي وفي أكثر من مجال وتخصص، وعبر مختلف مناطق العالم شرقا وغربا. تميز ملحوظ ومفرح، رغم الصعاب والظروف غير المشجعة على البحث العلمي والتفوق المعرفي التي يحياها المغرب، والتي لا تعتبر سوى واحدة من تجليات حكم وإدارة البلد بيد التسلط والريع والفساد.

عشرات الكفاءات.. تفوق يبشّر بمستقبل واعد

في أواخر السنة الماضية، نونبر 2019، استطاع طالب الرياضيات المغربي، لحسن أولحاج المنحدر من المغرب العميق إقليم بولمان، ويدرس بجامعة فاس، الفوز بلقب “العقل الخارق” ضمن مسابقات “أناس مذهلون” التي تنظمها القناة الروسية الأولى، وهي مسابقة تعتمد على دقة التركيز وقوة الذاكرة، ونال الجائزة من بين تسعة متنافسين من جنسيات مختلفة.

وحظي صاحب الاختراعات الكثيرة والقيمة، الشاب ماجد البوعزاوي بجائزة الاختراعات الدولية “إيكان”، من بين المشاركين من 50 دولة في العالم، وذلك بفضل اختراعه الذي يعالج رقمنة البيانات المراد إرسالها في مختلف شبكات الاتصال عن بعد، وذلك بتسريع عمليات نقل المعطيات والبيانات عبر مختلف الأجهزة الإلكترونية في وقت قياسي. وهو ما يفتح المجال أمام تطور الاتصالات بشكل مذهل.

ونال الشاب المغربي عبد اللطيف بلمقدم جائزة القمة العالمية حول مجتمع المعلومات 2019، بمشروعه حول أرضية رقمية تركز على تكوين الشباب وتأهيلهم، من خلال إدماج التكنولوجيا واستعمال المحتوى الرقمي والذكاء الاصطناعي، فئة التنوع الثقافي -الهوية الثقافية- التنوع اللغوي المحتوى المحلي، يوذلك بمشاركة أكثر من 168 بلدا في 18 فئة. وهذه الجائزة ينظمها كل من الاتحاد الدولي للاتصالات واليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.

وغير بعيد عن الميدان نفسه -الاتصالات- فاز المخترع المغربي يونس قرفة البقالي رفقة عبد الله عياش، بالجائزة الأولى للفيدرالية الدولية لجمعيات المخترعين بكوريا الجنوبية، على اختراعه هوائيا مدمجا يتكيف مع الجيل 3 و4 للاتصالات.

العقول النسائية كانت حاضرة كذلك على الصعيد العالمي، من خلال تتويج الطالبة المغربية كريمة الأزهري من المدرسة المحمدية للمهندسين، بجائزة المواهب الخضراء التي تنظمها وزارة التعليم والبحث العلمي الفيدرالية بألمانيا، عن بحثها الذي يطور مواد البناء وتحسين خصائصها الحرارية بهدف الاستغناء عن أنظمة التدفئة ومكيفات الهواء في المباني. في الوقت ذاته تبرز الدكتورة الباحثة المغربية هناء الزياخ باسبانيا، من خلال بحثها حول مستخلصات الطحالب البحرية واستعمالاتها الطبية لمعالجة سرطان الدم.

طالع أيضا  الحاكم وابن الحاكم.. درس في المساواة وتكافؤ الفرص

وارتباطا بالمجال البيئي، فاز المهندس المغربي إبراهيم أبو القاسم بجائزة لجنة التربية والتواصل للاتحاد الدولي لصون الطبيعة المنظمة بتونس يونيو 2019.

أما في الميدان الطبي فقد استطاع طلبة كلية الطب بوجدة، أميمة الدمناتي وفاطمة أمخاو وأمين ادريوش وإدريس بنعلي، الفوز بالمسابقة العالمية للمحاكاة الطبية المنظمة بعاصمة التشيك براغ، أكتوبر 2019 وذلك في منافسات شاركت فيها الولايات المتحدة الأمريكية وإيرلندا وانجلترا والتشيك والبرازيل وفرنسا والمغرب. وهي مسابقة تقوم على اجتياز تمرين طبي، يحاكي معالجة حالة طوارئ محاكاة حقيقية.

أما الطبيب الشاب يوسف العزوزي، فقد نال جائزة أفضل مخترع بالعالم العربي لسنة 2019 المنظمة بقطر، وذلك عن اختراعه القيم المتمثل في “دعامة لتعديل تدفق الدم عند مرضى القلب” وتحسين قدرة الجسم على توزيع الدم بأسلوب فعال يساعد في حل مشكل قصور القلب.

من جهة أخرى تم انتخاب الدكتورة البروفيسور إحسان بن يحيى رئيسة للاتحاد الدولي لطب الأسنان خلال المؤتمر المنظم بمدينة سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية شتنبر 2019، مع ما في ذلك من دلالات على مكانتها العلمية وخبرتها الطبية والمهنية التي ترقى إلى المستوى العالمي.

أما الطالب المغربي الشاب حمزة عدنان ذو الخمسة والعشرين ربيعا، الذي لم يجد في بلده ما كان ينتظره من احتضان وتشجيع، فقد التحق بروسيا في مجال صناعة الطائرات المقاتلة، حيث يعمل على تحقيق حلمه المتعلق باختراع طائرة من دون بنزين، وقد تمكن من صنع طائرات صغيرة (درون) لمهام مدنية وعسكرية تطير مدة تتراوح بين ساعتين وأربعة عشر ساعة. وهو الذي عبر صراحة عن رغبته في العودة إلى بلاده، بعد إكمال دراسته لتنميتها وتطوير كفاءات شبابها.

ولا يمكن أن نغفل الحديث عن التلاميذ النوابغ الذين تزخر بهم أرض هذا الوطن؛ مثل الطفل النابغة إيدر مطيع ذي 12 ربيعا، الذي لمع نجمه بداية 2019 في مجال البرمجيات وتطبيقات الحاسوب، وأصبح حديث المنابر الإعلامية الوطنية والدولية على حد سواء. وكذا التلميذ مهدي الرحالي ذي الخامسة عشرة ربيعا، صاحب الموهبة في الفيزياء، وقد تحدث عنه الإعلام في الأسابيع الماضية، ويحتاج إلى دعم واحتضان كغيره من مئات المواهب التي تنتظر من يأخذ بيدها.

طالع أيضا  متوكل: آن الأوان لنظام جديد أكثر عدلا وأكثر إنسانية

فاطمة الزهراء أخيار ذات الخامسة عشرة ربيعا هي الأخرى، تلميذة شرفت الشعب المغربي بعد بلوغها المرحلة النهائية في “تحدي القراءة العربي” لسنة 2019، وأبانت عن أحقيتها باللقب رغم فوزها بالوصافة، على غرار زميلتها مريم أمجون التي فازن بلقب 2018 من المسابقة ذاتها.

خيارات تسلطية تحارب التفوق وتشجع التفاهة

هذه الطاقات والأدمغة المغربية التي برز ذكاؤها وإبداعها على المستوى العالمي، ونالت الجوائز التي يتنافس حولها المتبارون المنحدرون من شتى بقاع العالم، الذين تتوفر لهم من الإمكانيات ما لا يتوفر لشباب المغرب منه مقدار العشر، تعكس مدى الإرادة والعزم الذي يسكن الشبان والشابات ويحركهم في هذا البلد الحبيب لتحدي الصعاب وطلب العلم وتطوير القدرات والمكاسب، كما يبين بجلاء أن منظومتنا التعليمية، ورغم كل الأعطاب، إلا أنها مازالت تحتفظ ببصيص من الأمل الكامن في الشرفاء من رجالها ونسائها وغيرتهم على بلادهم وعلى الأجيال الصاعدة، حتى لا تنحو منحى الجهل والتيئيس والإحباط. 

لكن المغرب الزاخر بالطاقات من شبابه وشاباته، الذين أبهروا العالم بمستواهم وقدراتهم الابتكارية والذهنية، يشكو من عقل متكلس لا يعطي للعلم والمعرفة ما يستقحان، ويعكس إرادة سياسية همها مركزة السلطة واحتواش الثروة، أما تلك الطاقات وهؤلاء الشباب فليكن مصيرهم الإهمال والنسيان وانغلاق الأفق والهجرة خارج البلد.

إن عدم تقدير الطاقات في هذا البلد، وغياب استراتيجيات تُعنى بالبحث عن المواهب ورعايتها ليستفيد منها الوطن، لَيَشكو فشل الماسكين بزمام أموره في تسييرهم لشؤونه، ولذلك تجليات كثيرة من أبرزها خلال سنة 2019:

ــ تعطيلهم للدراسة والتحصيل العلمي بكليات الطب بالمغرب، من خلال عدم استجابتهم لمطالب الطلبة، التي لا تزيد عن تنبيهات لإصلاح الخلل المتعلق بشروط التحصيل العلمي بمؤسساتهم، وتحسين ظروف اشتغالهم بعد التخرج خدمة لكل المرضى وطالبي المساعدة الطبية، ولا يضرهم في شيء أن تتعطل الدراسة بالجامعة أو أن ينحدر مستوى تكوين الطلبة عن الشروط الدنيا للتعليم العالي، كما هي مقررة ومتعارف عليها في جامعات العالم.

طالع أيضا  الانكشاف العظيم

ــ توقيفهم للأطر العلمية الكفأة الساهرة على تكوين الطلبة بالجامعات والمعاهد المغربية؛ كما حصل مع أساتذة كليات الطب بمراكش البروفيسور سعيد أمل و كلية الطب بأكادير البروفيسور إسماعيل الراموز وكلية البيضاء البروفيسور أحمد بلحوس، وهم المشهود لهم دوليا بالكفاءة والخبرة العلمية، لا لشيء سوى لأنها أصوات لا ترضي الممسكين بزمام الأمور.

ــ مواصلة الجريمة الكبرى في حق المنظومة التعليمية المغربية، المتمثلة في  ضعف بنيات التعليم والتكوين ومؤسساتهما، وقلة الأطر، وشح الميزانيات المرصودة للقطاع وإفراغ المناهج من المحتوى القيم والنافع المواكب لتطورات العصر.

ــ الانتصار لخيار التفاهة بتشجيع النماذج السيئة في المجتمع تعليما وسلوكا وتكريمهم بالأوسمة والتمكين، وتهميش الطاقات الإبداعية والعلمية المتميزة، بل وحتى المواهب الجيدة. إذ كيف يعقل أن يكون المغرب هو البلد الأكثر تتويجا بمسابقات تجويد القرآن الكريم على الصعيد العالمي مثلا ولا يتم تكريم هؤلاء المقرئين ولا الالتفات لهم.

إنه بقدر ما تزداد رغبة أبناء وبنات الشعب المغربي في تطوير كفاءاتهم، وتوسيع مداركهم، وتحقيق أحلامهم المشروعة في الرفع بمستوى بلدهم ومكانته بين الأمم، بقدر ما يعبر المسؤولون المستبدون بالسلطة، المحتوشون لثروات وخيرات هذا البلد، عن مدى عبثهم بمستقبل البلاد والعباد، وعدائهم لمسارات التوعية والتثقيف والعلم والمعرفة.