منذ أن اتخذ تكوين أطر وزارة التربية الوطنية مسارا جديدا سنة 2011 بعد التصديق على رسوم إحداث المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، وهذه المؤسسات تعيش وضع المعلقة (لا هي متزوجة ولا هي مطلقة) لا هي تابعة للأكاديميات ولا هي تابعة للتعليم العالي، لا هي بدون مخاطب رسمي في علاقتها بالوزارة ولا مخاطبها (الوحدة المركزية) في موقع يتحمل فيه مسؤولية اتخاذ القرار، لا هي بدون أساتذة باحثين ولا الأساتذة الباحثون يجدون بمؤسستهم هيكلة للبحث العلمي تسمح لهم بتفعيل هذا الجزء من مهامهم وما يتوقف عليه من دور حاسم في ترقيتهم، لا هي بدون نقابة ولا موقعها داخل النقابة الوطنية للتعليم العالي (باعتبارها النقابة الأكثر تمثيلا داخل الجامعة والمراكز الجهوية) يجعلها رقما مهما في اهتمامات الأجهزة المسؤولة: المكتب الوطني، اللجنة الإدارية، مكتب الفرع الجهوي، مجلس الفرع الجهوي… نظرا لأن وضع الجامعة هو المهيمن داخل النقابة لاعتبارات نتفهمها لها جذور تاريخية وعددية (في المكتب الوطني السابق كان الأستاذ الفاضل الراغ هو المحاور للمراكز وهو أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة بالرباط، وكانت اللجنة الإدارية تضم في عضويتها ثلاثة أساتذة فقط من المراكز وهم الإخوة الأفاضل: لحسن لغرايب، فريد نورالدين، لقلايدة).

وضع المعلقة هذا، جعل الأستاذات والأساتذة داخل المراكز الجهوية يعيشون أصنافا من المعاناة، أخطرها محاولة فرض هيمنة الأكاديميات بشكل ممنهج على هذه المؤسسات في خرق سافر لمرسوم الإحداث، الذي يلزم السلطة الحكومية بإصدار قرار يحدد آليات التنسيق بين المراكز الجهوية والأكاديميات، وكان آخر فصول هذه الدراما هو ما عرف بتهريب الميزانية.

هذا الوضع المقلق كان عامل تنبيه لكل الزملاء والزميلات، ودفعهم إلى الحضور القوي في المؤتمر الأخير للنقابة الوطنية للتعليم العالي (المؤتمر 11)، حوالي 24 مؤتمر من المراكز، انتخب منهم 08 باللجنة الإدارية ثم 01 بالمكتب الوطني، وقد تداول المؤتمرون لساعات طويلة قصد بلورة مطلب محوري يتبناه المؤتمر لحفظ هوية المراكز وصون استقلاليتها، فكان أن تم الاتفاق على الصيغة التالية: “نقل المراكز الجهوية إلى مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي التابعة للجامعة بالصيغة التي تنصف جميع العاملين بهذه المؤسسات”، صيغة تم التصديق عليها ضمن أوراق المؤتمر.

طالع أيضا  "أساتذة التعاقد" يواصلون معركتهم العادلة.. مسيرة وطنية حاشدة رغم التضييق الأمني

في أول لقاء للمكتب الوطني الجديد مع الوزير الجديد سعيد أمزازي بتاريخ 26 يوليوز 2018، تم بسط المطلب الذي صادق عليه المؤتمر ورافع أعضاء المكتب الوطني من أجل تحقيقه، لكن الوزارة أبدت تحفظها، متذرعة بتجربة المدارس العليا للأساتذة، مفادها أن المراكز إن أصبحت تابعة للجامعة قد ترفض في يوم من الأيام تكوين أطر وزارة التربية الوطنية، وهو مبرر مردود ومرفوض بدليل أن كليات الطب تابعة للجامعة وتكون أطرا لصالح وزارة الصحة، ولم تمتنع في يوم من الأيام عن ذلك، وقلنا أكثر من ذلك إن كان للوزارة هواجس ينبغي أن تقنن ولا تكون مبررا لمصادرة حق صادق عليه مؤتمر.

منذ ذلك التاريخ، والمكتب الوطني في لقاءاته مع الوزير أو اللجنة المشتركة في لقاءاتها مع الوحدة المركزية، يلحان على ضرورة التعامل الجدي مع المطلب الرئيس للمراكز، وقد ازدادت ملحاحيته مع حصول مجموعة من التطورات من قبيل: المسالك التربوية، التكليفات، التكوين الحضوري في السنة الثانية، تحويل الميزانية…

في الشهر الماضي، وبالضبط يوم الثلاثاء 03 دجنبر 2019، كان للمكتب الوطني في شخص الأساتذة: جمال الصباني، والمصطفى الريق وأحمد بلحاج ومحمد البوزياني، لقاء مع السيد الوزير مرافقا بالكاتب العام لوزارة التربية الوطنية السيد يوسف بلقاسمي، وبعد التداول والتفاوض تم الاتفاق على الاستجابة لمجموعة من المطالب، على رأسها: تصنيف المراكز ضمن لائحة مؤسسات التعليم العالي غير التابعة للجامعة، والتعجيل بإصدار القرار الذي يحدد آليات التنسيق بين المراكز الجهوية والأكاديميات، وتسوية وضعية الدكاترة العاملين بالمراكز عن طريق المناصب التحويلية وفي أفق لا يتجاوز ثلاث سنوات…

ثلاثة أيام بعد ذلك، وفي أول اجتماع للمكتب الوطني بعد اللقاء مع الوزير، وبالضبط يوم الجمعة 06 دجنبر 2019، تقرر إصدار بلاغ مشترك مع الوزارة في الموضوع، وهو ما وافق عليه الوزير في اليوم الموالي (أي 07 دجنبر 2019) بعد أن طلب منه الكاتب الوطني ذلك.

طالع أيضا  إضراب لأربعة أيام ومسيرات جهوية.. "أساتذة التعاقد" يسطرون برنامج نضاليا جديدا

منذ 07 دجنبر الماضي ونحن في تواصل مستمر مع الوزارة قصد إخراج البلاغ المشترك/ اللغز، فلا الوزارة عبرت بشكل صريح عن رفضها ولا هي بادرت لتفعيل ما تم الاتفاق عليه، مسترشدة بـ “حكمة بعض الخوت”: “ما تخسر خواطر ما تقضي غرض”، إلى أن جاء اللقاء المطول للمكتب الوطني بالقنيطرة يومي 04 و05 يناير الجاري، وبعد تقييم تعامل الوزارة، تقرر تفعيل قرار مجلس التنسيق القطاعي بتاريخ 05 أكتوبر 2019، الداعي إلى خوض أشكال نضالية تبتدئ بإضراب إنذاري مدته 24 ساعة.

حدد المكتب الوطني تاريخ الإضراب في 16 يناير 2020، وأبقى الباب مفتوحا لتبادر الوزارة بتدارك ما وقع من تلكؤ في تفعيل الاتفاق، لكن مع الأسف تصلنا الوعود ويتخلف التنفيذ “خسرات لخواطر ما تقضاش الغرض”.

في يوم الإضراب هذا، كان الزملاء والزميلات في الموعد، وشاركوا بكثافة وبمسؤولية في الإضراب (ولولا الخوف من التماهي مع أرقام الداخلية المعهودة لقلت إن النسبة كانت مائة في المائة)، وبعثوا برسالة قوية إلى من يعنيهم الأمر عنوانها: لا يغريكم صبرنا، استهدافكم للمراكز يوحد صف العاملين بها، لا تراهنوا على ربح الوقت فمطالبنا لن يزيدنا تماطلكم إلا إصرارا عليها وتمسكا بها.

تحية عالية لكل المناضلين الشرفاء والمناضلات الشريفات بكل المراكز الجهوية، وعهدا على الصمود، فقد علمتنا النقابة وقبلها الحياة، أن ما لا يدرك بالنضال يدرك بمزيد منه.