التذكرة في الوعظ لأبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم، وهو حسبي ونعم الوكيل. سبحان الله ما تعاقبت الليالي والأيام، والحمد لله عدد الشهور والأعوام، ولا إله إلا الله الذي لا تتصور عظمته والأوهام، والله أكبر ذو الجلال والإكرام، والعزة التي لا ترام، مدبر الأمر، ومقدر اليوم والليلة والسنة والنهار، والعالي فوق كل شيء بالسلطان والقهر والجلال، كل معبود دون الله باطل، وإنه وحده دون غيره رب الأواخر والأوائل.

كيف يكون غير الله معبودا، وكل من تحت عرشه يرجوه ويخشاه؟ أليست الشمس والقمر والنجوم مسخرات؟ أليست السماوات والأرض وما فيها بحكمته مدبرات؟ أليست الهلال بتسخيره على أقطارها دائرات؟ أليست العقول في فلوات تيه معرفته حائرات؟

سبحانه سبحانه! ما أعظم شانه!

سبحانه سبحانه! ما أدوم سلطانه!

عبد تولَّاه الله بنفسه وسقاه.. من كأس المحبة ما فيها

ومن صفا مع الله صافاه، ومن أوى إلى الله آواه، ومن فوض أمره إلى الله كفاه، ومن باع نفسه من الله اشتراه، وجعل ثمنه جنته ورضاه، وعد صادق، وعهد سابق، (ومن أوفى بعهده من الله).

لا يزال العبد خائفا على نفسه حتى يدخله الله حماه، ومن أراد أن يعلم هل هو من أولياء الله، فلينظر كيف ولاؤه لمن والاه، وعداوته لمن عاداه.

من سلك سبيل أهل السلامة سلم، ومن لم يقبل مناصحة الناصحين ندم.

لا رزِيَّة كرزية من حرم الاقتداء بشرائع المسلمين، ولا بلية كبلية من مات مصرا على مخالفة رب العالمين.

الحياة كلها في إدامة الذكر، والعافية كلها في موافقة الأمر، والنجاة من الهلاك في ركوب سفينة الكتاب والسنة، والفوز فوز من زحزح عن النار وادخل الجنة.

ليس الميت من خرجت روحه من جنبيه، وإنما الميت من لا يفقه ماذا لربه من الحقوق عليه.

طالع أيضا  أطايب 6: تائب يستغفر الله

الكرامة كرامة التقوى، والعز عز الطاعة، والأنس أنس الإحسان، والوحشة وحشة الإساءة، وكل مصيبة لا يكون الله عنك فيها معرضا فهي نعمة.

الغفلة عن الله ما قدحنا شيء غيره، ولولا الجهل بعظمة الله ما زغنا عن أمره، ولولا الاغترار بحكم الله ما أصررنا على معصيته، ولولا الإساءة فيما بيننا وبين الله ما استوحشنا من كتابه.

كونوا كما أمركم الله يكن لكم كما وعدكم، أجيبوا الله إذا دعاكم يجبكم. إذا دعوتموه أعطوا الله ما طلبه من طاعته، يعطكم من رحمته ما طلبتموه.

مثل العبادة بغير إخلاص مثل الحدقة بلا ناظر.

تسمية الله في ابتداء كل أمر نجاح، ذلك الأمر استهداء الله في كل مسلك، أمان للسائر من الضلال.

أيها الناس، من أكرم على الله منكم لو أكرمتم أنفسكم بالتقوى؟ من أولى بالله منكم لو أحكمتم فيما بينكم وبينه عقد الولاء؟ من أقرب إلى الله منكم لو آثرتم القرب على النوى؟

لو عرف الإنسان قدر نفسه ما دسّاها بمعصية الله، ولا دنس عرضه بسوء ثناء الحفظة عليه في حضرة مولاه، ولا يؤنس في وحشة القبر إلا العمل الصالح، ولا يطفئ لهب النار إلا نور الإيمان، ولا يثبت القدم على الصراط إلا الاستقامة في السلوك.

الرب خالق والعبد مخلوق، ولا نسبة بين الخالق والمخلوق إلا بواسطة الارتباط عليه بالعمل بكتابه الذي أنزله عليه، فاعملوا بالكتاب، وتابعوا السنة تتخلصوا من العذاب، وتحصلوا على الجنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.