لملمت سنة 2019 أوراقها وغادرتنا حاملة في طياتها عناوينَ وأحداثا فارقة، هناك من سماها سنة الأحداث الكبرى وآخرون وصفوها بسنة الاحتجاجات؛ إذ عرفت المنطقة العربية من الجزائر حتى العراق عاصفة جديدة من الاحتجاجات أطاحت بحكومات وأسقطت رؤوسا عمرت طويلا على غرار ما حدث سنة 2011، ولم تستثن رياح الغضب بلدنا المغرب، الذي شهد تزايد حدة الاحتجاجات ضد السياسات الرسمية الفاشلة ومن أجل مطالب اجتماعية عادلة قابلها قمع وضيق سلطوي معهود، لم تفتر أمامه قوة المجتمع الاحتجاجية بل تطورت واتخذت أبعادا وأشكالا جديدة للتعبير عن نفسها، من تدوينات رافضة للواقع المعيشي، ونكتة ناقدة للسلطة، إلى ألحان وأغاني وأهازيج منها ما ظل حبيس الهواتف والحواسيب، ومنها ما خرج لتتغنى به الجموع وتهتف به في الشوارع وأمام المؤسسات الرسمية وفي مدرجات الملاعب.

منصّة التدوين

صار التواصل في هذا العصر بين الأفراد على امتداد الأرض آنيا عبر وسائط متعددة منها مواقع التواصل الاجتماعي. وفي ظل تسارع الأحداث واحتدام الأزمات سرعان ما تحولت هذه المواقع إلى منصات للاحتجاج الاجتماعي، واعتبرها مستخدموها منابر للتعبير عن آلامهم ومنصات لرصد الأوضاع الاجتماعية لمختلف فئات المجتمع، وفضح الخدع السياسية التي تبدع الدولة في ابتكارها، والأوهام التي تستمر في بيعها. وتحدَّت إلى حد بعيد العصا التي كبلت من خلاها الدولة حق الشعب في التظاهر والاحتجاج. كما ساهمت هذه المواقع في تكوين وعي جماعي وإحساس مشترك بالمسؤولية في فضح الفساد، والتفاعل الإيجابي مع الأحداث الوطنية، وكذا حشد الجماهير ودفعها إلى النزول إلى الشوارع دفاعا عن حقوقها المهضومة وحرياتها المسلوبة وذلك عبر أساليب متعددة:

التدوينات: هي تلك الوسيلة التي أصبحت مزعجا حقيقيا للسلطة، فبعد القمع المباشر الذي شنته الدولة ضد العشرات من الناشطين في مختلف الاحتجاجات التي عرفتها كل مناطق البلاد، كان التدوين أحد البدائل والوسائل التي لجأ إليها الناشطون للتعبير عن آرائهم ومواقفهم مما آل إليه الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في البلاد، فصارت بعض الصفحات والحسابات الفيسبوكية بمثابة منابر إعلامية قائمة بذاتها، تسهم في نشر الوعي والضغط على صناع القرار في البلاد وفضح سياساتهم.

الوسم (الهاشتاغ): صار أحد وسائل لفت النظر إلى قضية ما، والاحتجاج على تصرف معين أو حشد الدعم لقضية ما على وسائل التواصل الاجتماعي، فمتى ما ظهر استفزاز على أرض الواقع حتى تهتز المواقع للاستنكار والتنديد تحت وسوم من قبيل: الحراك_الشعبي/ راك_غادي_في_الخسران/ خليه_يريب/ لسنا_في ضيعة_أحد… إضافة إلى غيرها من الهاشتاغات التي يتيح استخدامها إحصاء عدد المؤيدين أو المستنكرين لقضيةٍ معينة، وكلما ازداد عدد من يستخدم هاشتاغا بعينه، كلما اكتسبت القضيةُ اهتماماً وحيزاً أكبر.

طالع أيضا  تقرير دولي: المغرب في "الخانة الحمراء" لأكثر الدول المهددة بخطر الجفاف والفقر المائي

تقنية الفيديو: من أهم الوسائل المستخدمة في العوالم الافتراضية، حيث يتداول من خلالها المحتجون سقطات السياسات الرسمية وأوهامها وتناقضات الواقع وعرض الأسباب والدوافع وما يكمن خلفها من معاناة الشعب ونقمته المتزايدة.

إلى هنا، يتضح أن لمواقع التواصل الاجتماعي قدرة رهيبة على الضغط على صناع القرار. فبالنظر إلى تأثيرها الفعال على أرض الواقع، ثمة استدعاءات ومتابعات أمنية تعرض لها العديد من المدونين والناشطين الفيسبوكيين، إلى الحد الذي بلغ عدد المتابعين والمحاكمين خلال الأشهر الأخيرة من 2019، 16 ناشطا ومدونا. وهو ما يبرز الأثر البالغ لهذا الفضاء البديل، وما بات يشكله من إرهاق حقيقي للسلطة المغربية.

“أغاني” الراب

لقد كان لافتا خلال العام المنقضي أن “أغاني” الراب المغربي انحازت لتُوجّه طلقاتها اتجاه الواقع السياسي والاجتماعي المتخلف، المحكوم بقبضة من الإغلاق للفضاء العام إلا بما يخدم الماسكين بزمام الأمر المتحكمين في ثروات الشعب، حتى بات بعض الشباب لا يتردد في بثِ أغانٍ ساخطة على الوضع، وبدون مكابح تحدد درجات الانتقاد، ليثير بعضها ضجة وجدلا كبيرين في البلاد أواخر السنة الماضية.

قصة أغنية “عاش الشعب” التي حققت نسب مشاهدة عالية، تندرج في هذا السياق؛ حيث ركزت على معاناة عدة طبقات اجتماعية في المغرب، واستنكرت حجم الفساد والفقر في البلاد، ووجهت نقداً صارماً للسلطة. وصارت نشيدا لعدد من الشباب والمقهورين الذي وجدوا في الجرأة التي وُصف بها الواقع أنفسهم، فتم تداولها على نطاق واسع في الواتساب والفيسبوك واليوتيوب.

وقد نبهت “عاش الشعب” إلى كم هائل من الرفض والسخط والتذمر الذي يكتنف جزءا من هذا النوع من الغناء، ونوّهت إلى وجود “مغنين” يعكسون الواقع المعاش ويتغنون بالمستضعفين وعموم المغاربة المقهورين، ويوجهون نقدهم القاسي إلى الدولة ورموزها في نبرة صارمة، وفي لغة تعانق العمق الاجتماعي الذي يعيشه الجميع (رغم التحفظ الذي يُسجل على بعض الكلمات الخادشة التي يستعملها بعضهم).

ولعل محاولة السلطة الالتفاف على هؤلاء الشباب وسجن بعضهم وإن بمبررات بعيدة عن طبيعة أغانيهم، ستنكشف بالملموس حين ستطال الأيدي الأمنية والقضائية للسلطة شابين تلميذين في عمر الزهور أحدهما أدانته ابتدائية مكناس بثلاث سنوات حبسا نافذا لأنه نشر كلمات أغنية “عاش الشعب” على صفحته بالفيسبوك، أما الثاني فأدانته ابتدائية العيون بأربع سنوات سجنا نافذا لأنه ارتكب جريرة غناء ونشر أغنية راب جديدة “فهمنا” على اليوتيوب.

طالع أيضا  هل يستتب أمن المغاربة باستخدام الرصاص؟

أهازيج الإلتراس

لم يعد العشب الأخضر وتحرك المستديرة على رقعته فقط ما يلفت انتباه جماهير كرة القدم، بل تحولت الأنظار إلى المدرجات التي شدّت الانتباه بشكل غير اعتيادي، ولم تعد فرجة “الإلتراس” تقتصر على محبي كرة القدم فحسب، منذ أن تحولت خطابات الجماهير الكروية من الاعتزاز بإنجازات الفريق والهجوم على خصومه وازدرائهم، إلى محاكمة علنية للسياسات العمومية واحتجاج صريح على الأوضاع الاجتماعية المزرية، ومن رفع لشعارات وأغاني رياضية ولوحات فنية إلى نظم وصوغ أغاني ذات لحن خاص يناسب الملاعب ولكن بمضمون يحاكي معاناة الشارع.

أضحت تلك الأهازيج أناشيد يتغنى بها الكبير والصغير وتتناقلها الصفحات والمواقع؛ كان أبرزها “في بلادي ظلموني” الذي أبدعه مشجعو الرجاء البيضاوي التي أضحت ظاهرة في العالم العربي وتناقلتها قنوات عالمية، باعتبارها صرخة باسم كل الشعوب العربية، حيث ركزت بشكلٍ أوسع على القضايا الاجتماعية، ونقلت أحوال المجتمعات الفقيرة والمهمشة.

كما أن اللحن والكلمات ومقدار الشجن والأسى الذي يُصدّره شعار “هادي بلاد الحكرة”، الذي يتغنى به جمهور اتحاد طنجة، والذي صاغه وأبدعه خلال العام الجاري، يعزز من ظاهرة احتجاج الإلتراس على الواقع السياسي والاجتماعي، ويعطي دليلا إضافيا على الطابع الإبداعي الذي يقدم به هؤلاء الشباب أنفسهم إلى الرأي العام وتحديدا إلى الجهات المسؤولة علّها تلتفت إلى معاناتهم. مما جاء في “الأغنية”: “هادي بلاد الحكرة.. العيشة فيها مرة.. مكذبوشي لي قالو.. قتلونا بالهضرة.. ماشفنا فيها والو…”.

وتوالت صرخات مشجعي اتحاد طنجة والنادي القنيطري وغيرها من الفرق، في زخم غير مسبوق وتنافسية تدل أساسا على يقظة شبابية عامة وسط مشجعي الفرق الرياضية، ووعيهم بأوضاع واقعهم الاجتماعي المعاش وأسبابه السياسية.

واحتجاج “تقليدي”.. لا ينطفئ

ليست الأشكال الاحتجاجية الجديدة في أفضية التواصل الاجتماعي والملاعب و”الراب” من اكتست طابع العنفوان والتنوع فحسب، بل شهد الشارع المغربي تنوعا في الفئات والقطاعات التي خلقت الحدث وعرفت احتجاجاتها الكثير من الزخم جعلها تطفو على سطح الأحداث الوطنية طيلة السنة.

فقد خرج الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد في إطار تنسيقيتهم الوطنية مطالبين بالإدماج في الوظيفة العمومية، رافضين استراتيجيات الدولة وسياساتها بعد اعتماد النظام الجديد للتوظيف بالتعاقد، ومتخذين كافة الأشكال النضالية التي رسمت بنظامها وسلميتها ملحمة احتجاجية متميزة أربكت حسابات الدولة. لتنتقل شرارة الاحتجاج بعد ذلك إلى طلبة الطب والصيدلة الذين وجدوا أنفسهم مضطرين لمقاطعة الدروس دفاعا عن التعليم العمومي واحتجاجا على الوضع المزري الذي يعيشه القطاع العمومي.

طالع أيضا  إثر الهزة الأرضية.. عشرات الأسر بميدلت تبيث في العراء واستنكار لضعف تحرك السلطات

وليس الطلبة الأطباء والأساتذة فقط من أخرجهم هذا الوضع للاحتجاج، بل ينضاف إليهم الممرضون والتقنيون في المستشفيات العمومية الذين خرجوا في مسيرات احتجاجية للمطالبة بقانون يحميهم من الأخطار المهنية وإخراج قوانين مزاولة المهنة، وتوظيف الخريجين العاطلين، وغيرهم من الفئات في مختلف القطاعات.

كما وجدت فئات أخرى في الشارع مكانا لإسماع صوتها والصدح بمطالبها، فاجتاحت احتجاجات التلاميذ العديد من المدن المغربية بشعارات وأشكال مختلفة، لكن مضمونها واحد “إسقاط الساعة الإضافية”، والكف عن التلاعب بنفسية التلاميذ والأخذ بعين الاعتبار الشروط التربوية والاجتماعية والنفسية اللازمة، لتليها احتجاجات التجار وأصحاب المحلات تجاه القوانين الضريبية التي وصفوها بالجائرة وغير الواقعية.

وجغرافيا، سجل المغرب احتجاجات في أكثر من مدينة وقرية على امتداد الوطن من أجل مطالب اجتماعية عادلة. حيت اعتصم سكان عين السبع دفاعا عن كرامتهم وحقهم في الاستقرار. وأخرج العطش ساكنة أولاد يحيى بمدينة زاكورة للاحتجاج على ندرة المياه. كما انتظمت الساكنة المتضررة في أراضيها عبر ربوع الوطن تحت إطار تنسيقيتها الوطنية “أكال” للدفاع عن حقها في الأرض والثروة، مُدينة السياسات التعسفية التي ترمي إلى تجريد الساكنة من أراضيها الجماعية وفرض قوانين ظالمة ومقيتة.

اختلفت الاحتجاجات في المغرب في مواضيعها وسياقاتها، لكنها اتحدت في الجهة المرسلة إليها، التي كان جوابها في أغلب الأحيان عنيفا وقاسيا أبان عن العجز في حل الأزمات والاستهتار بكرامة المواطنين.

خاتمة 

إن تنامي حدة الاحتجاجات في المغرب وتنوع أشكالها، بل وتجدد قوالبها الإبداعية وأنماطها، وارتفاع أصوات الفئات الشعبية وتعاظم رفضها، دليل واضح على أن زمن الخوف ولى رغم المتابعات والاعتقالات، وأن الشعب المغربي يعيش قلقا كبيرا تجاه المستقبل المجهول للبلاد الذي يشهد واقع الانسداد السياسي والتأزم الاجتماعي، فرضه حكم سلطوي يحتكر الثروة وينفرد بالقرار ويفشل في الخطط وينتهك الحقوق ويحمي الفساد ويعبث باستقرار البلاد وأمن أهلها.

اللافت وسط كل هذا أن الاحتجاجات التي لا تهدأ في المغرب تواصل سيرها من جهة، وتتجدد من جهة ثانية عبر فضاءات وأشكال وأنماط جديدة باتت فاعلا مؤثرا في المشهد المغرب.