ما قبل الاستقلال وما بعده، شهد تاريخ المغاربة وجود شخصيات قوية مجاهدة مقاومة، شكلت الحراك الأول للمغرب ضد الاحتلال والخونة، أعلام وجنود لم تنعطف عن روح المقاومة والهوية الإسلامية المغربية، ولم تستنكف قط عن مقومات المغرب، وتاريخه الذي يكرع من الدين الإسلامي وتاريخ الفاتحين.

هذه الشخصيات وضعت بصمتها في مصاف عظماء المغرب الوطنيين الأحرار، من شاركوا في الاستقلال مقاومة ودفاعا، وساهموا في مواجهة خونة الاستقلال وخدام الأجندة الأجنبية ما بعد الاستقلال تطهيرا وفضحا.

رجال الفطرة والفكرة

الفقيه البصري من هذه الشخصيات التي لم تلوث فطرتها ما بعد الاستقلال بلوثة حب الكرسي، ولا بأجندة الأجنبي، بل حافظ على صدقه للوطن والأمة بفطرة وفكرة:

– الفطرة السليمة: التي كانت ترفض كل ظلم وجور واختراق في المغرب من قبل أي أجنبي، وليت مؤسسة المخزن تعتبر بالتاريخ، لتستنكف عن التطبيع مع الصهيوني الذي يعد اختراقه احتلالا خفيا، وتنال العبرة من مؤسسي الاستقلال في المغرب ضد الاحتلال الفرنسي الذي رغب ولا زال في اختراق هوية وفطرة المغاربة أكثر من اختراق جغرافيتهم وأرضهم.

– الفكرة الواعية: ورث المغاربة من رجال التغيير والتحرير الفكرة الراسخة الواعية القوية:

أولا: الراسخة من حيث أنها تتشرب من معدن هوية إسلام المغاربة، ومدارسهم، وكتاتيبهم، ومفكريهم، وعلمائهم.

ثانيا: الواعية القوية من حيث هي فكرة تراكمية في خلد المغاربة، الذين فقهوا من التاريخ خطط الاستكبار العالمي بتوظيفه آلة المخزن لضرب ما بقي من مقومات قوة وديمومة المغرب، خوفاً من كل حراك مستقبلي قد يقلب الطاولة على أجندته، ويحقق معادلة قوة في صالح المغاربة الطامحين نحو “الحرية لأولاد الشعب”.

هو تحرر وطموح ووعي خفي، قد يشكل حجرة عثرة في مشروع الاستكبار العالمي الذي لا يفضل وجود تحرر قطر أو شعب قد يصنع دولة وشعبا قويا، فيشكل نموذجا يتسبب في انتشار “عدوى” تحرر الأقطار الأخرى، وهذا الأخير تهديد لأمن الكيان الصهيوني الذي زرع وسط الشعوب العربية والإسلامية وتسبب في تمزيق الأمة وحصار الشعوب.

“الاحتقلال” استبداد

هؤلاء الرجال الذين حققوا أمن المغرب واستقلاله وخبروا من انقلب على المقاومة ومشروعها، ترغب منظومة المخزن طمس تاريخهم وتراثهم، الذي يبعث على تجديد العهد ومعرفة مكامن الداء التي دفعت إلى وجود حكم مستبد لا يمثل شرعية وروح المقاومة ومشروعها.

هو ذاك المشروع الذي سعى عبر الدماء والشهداء إلى بناء دولة قوية لا تُسلّم إلى أيادي مغربية تطاولت على الحكم، بعدما تربت في أحضان جامعات ومؤسسات فرنسية تغرس الولاء للمستعمر.

هي اليوم مؤسسات فرنسية وأخرى استكبارية صهيونية عالمية، تكالبت واصطفت لضرورة المرحلة، وتغيرات في الشعب المغربي بل والمغاربي، ولا زالت تعمل على تخريج نفس النموذج، والمصنوع الفاشل عقلا والفاشل حكما، ليحكم عوض أولاد الشعب وفضلائه، من يزج بهم في السجون “لتربيتهم وإصلاحهم” حسب المفهوم المخزني الذي ورث خدامه الفهم من مؤسسات الخارج الأجنبي..

رحم الله المجاهد عبد الكريم الخطابي الذي كان يشهد أن الاستقلال ما هو إلا “احتقلال” جمع بين استقلال واحتلال، استقلال شكلي انقلبوا على مشروعه، واحتلال جاء بنظراء ومدراء على الكراسي يعملون بالوكالة عن الأجنبي المحتل.

المخزن المنهزم

يفكر المخزن اليوم في تحقيق الردع السلطوي وإعادة الهيبة المخزنية التي بدأت تنحط وتنكسر شوكته أمام شعب يقظ واع حركي، بل ويسعى لضرب ما حققه رجال المقاومة السابقين وعظماء المغرب من تغيير وانبعاث في الشعب المغربي.

هي حرب مخزنية يوظف فيها المنهزم آليات الاستبداد والفساد -بمتابعة أجنبية وتطبيع صهيوني- لتفريغ الشعب من مقومات الفطرة السليمة والفكرة الواعية، بل ويدخل في معركة فاشلة بالوكالة عن الأجنبي تصفية لكل مقومات القوة في الشعب المغربي التي ورثها من رجال المقاومة ومن عظماء وعلماء المغرب أرباب الرباطات والزوايا الحقيقية غير المنحرفة، التي كانت ترهب المحتل الأجنبي وتفضح الخائن المخزني الخادم للعتبة الأجنبية…

البصري في فكر عبد السلام ياسين

في الختام وأمام ما نرصده من استبداد في المغرب وصل منعطفا خطيرا، فإني استشهد بكلام رجل من عظماء المغرب بل والأمة ممن عرفوا قدر الرجال فكتبوا عن الرجال، بل كلامه الذي سأنشره سيجيب عن بحثي في تاريخ الرجال المغاربة الذي يسعى المخزن والاستكبار العالمي إلى طمسه كي نجهل الحقيقة، وكيف انتهز الانتهازيون الفرصة للسيطرة على السلطة على جثمان شهداء من حرروا المغرب. يحدثنا الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله عن رجل مقاوم رحمه الله:

“الفقيهُ البصريُّ -شاهدُنا في هذه الفقرة- رجُل من الجيل الوطنيِّ الثاني. دخل الوطنية من بابها الواسع: من باب شرف المقاومة البطولية التي زعزعت أركان الاستعمار، رَجُل من طينةٍ نادِرةٍ، وبالأخَصِّ الأبقى الأنقى: رجلٌ تكوّنتْ نفسيته في وسَط قرَوِي سليمِ الفطرة، وفي حِجْرِ أبٍ علَّمَهُ صغيراً الوفاء لدينه وأمته، وعلمهُ كراهية الكافر المستعمر.

ثم تكوَّن عقلُهُ في المعهد الديني بمراكش على مِثْلِ الحُصُرِ التي يُلقِّنُ عليها أمثالُ علماء القرويين ما تلقنه علال الفاسي.

فطرةٌ سلمتْ، وعقل لم تُلَوِّثْهُ التربية المضادة، ورصيد مجيدٌ في المقاومة قبل الاستقلال، وفي مقارعَةِ انحرافات ما بعد الاستقلال، وفي محاولات لإصلاح ما أفسدَه الجالسون على كراسيِّ الاستقلال ممن تفرسَ فيهم الخطابي أنهم لن يكونوا سِوَى نظراءَ للمحتل الأجنبي” 1.

تعالوا إلى كلمة

هذا المقال قد يجيبنا عن أسئلة الماضي وحال الحاضر وحوار المستقبل، إن جمعت قوى المغرب ونخبه وفضلاؤه بين صدق مختار السوسي، وفطرة الفقيه البصري وفكرته، وشجاعة عبد الكريم الخطابي.

لعل ذكر هؤلاء الرجال يفقهنا من نحن وأي أمانة نحمل؟ وكيف نقود شعبا بصدق وعمل دون نفاق وإقصاء وارتماء؟ وتأبى هويتنا الارتماء في حضن المخزن، بل وتفضل الارتقاء في حضن هويتنا وشعبنا وحضارة مغربية استعصت على الاحتلال الفرنسي، ولا زالت مستمرة في إعداد جيل لا زالت قوى الاستخبارات الأجنبية الاستكبارية ترصد نشاطه وحراكه بل وغضبه الذي يتراكم يوما بعد يوم.

 وما حركة المخزن العشوائية بمحاكمة تلاميذ أبرياء وشباب عزل عبروا عن رأيهم في الفيسبوك، إلا دلالة على تأزم مخزني وانهزام يفضي إلى التخبط والانحسار في زاوية انفرداية.

وظيفتنا اليوم.. استقلال واستكمال

وظيفتنا اليوم هي استكمال مشروع التغيير واستكمال الاستقلال، وظيفتنا ستكون أشد من رجال المقاومة الذين واجهوا عدوا واحدا وهو الاحتلال الفرنسي لنيل الاستقلال، اليوم يجتمع على تفريغ المغرب ونهبه وتفقيره وحصاره وإضعافه؛ منظومة عالمية استكبارية تقودها الصهيونية لإنقاذ نظام المخزن من الانحسار والفشل الذي شهد قوة زعزعت مساره، خصوصاً بعد حراك عشرين فبراير ومقاطعة رمزية لبضائع بعض الشركات والمؤسسات.

ولا زال الشعب المغربي والشعوب تصنع بعين الله، هو قدر الله، هي سنة الله.

كلما رغبت أمة في التغيير، والخروج من ظلم قروني سببا وعملا، إلا وكان الله معها، فكيف بمغرب من أمة هي أمة الخير، وكيف بشعب تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عنه بالخير ووصفه بأهل الفتح.

فتح الله لنا ولكم الفهم عن الله لنقرأ التاريخ من الأعالي ونفقه أن المغاربة مربع صعب في موازين قوى الأرض، بل كانوا خيراً سابقا ويكونوا خيرا حاضرا ومستقبلا.


[1] حوار الماضي والمستقبل، ص 176.