أنهت سنة 2019 أيامها في المغرب على إيقاع حقوقي مغرق في الشطط السلطوي والتغول المخزني، عاكسا واقع السياسة في بلد يحسن حاكموه تسويق الشعارات وتجاوز التحديات.

نهاية سنة عصيبة حقا، عاشها المغاربة بمختلف فئاتهم؛ في المغرب العميق حيث لقمة العيش تكاد تستعصي على الفئة الغالبة، ولدى النخبة المنخرطة في الشأن العام الراغبة في العمل الطوعي خدمة للمجتمع وهي تواجه مختلف أنواع التبخيس، وفي فضاءات التعليم والثقافة والرياضة… حيث لا صوت يعلو على المحسوبية والريع والتفاهة، ولدى فئات الشباب العريضة التي يُطل أغلب أفرادها بأعينهم هناك على ما وراء البحار (هجرة سرية أو علنية قانونية أو “حريك”، لا يهم، المهم أن يلوذ الواحد منهم بالفرار من هذا الواقع المأزوم المختنق “هذا لسان حالهم ومقالهم”)…

ولأن الوضع السياسي العام لا ينفك عن سمات الانغلاق والتهاوي، كان طبيعيا -ما دمنا نتحدث عن نسق استبدادي- أن ينعكس الحال في المجال الحقوقي؛ وهو الأمر الذي تجلى في مستويين رئيسين؛ عسف السلطة من جهة ومقاومة الأحرار من جهة ثانية:

أولا: متابعات لا تنقضي وتغول أمني يتزايد

لقد كان لافتا أن الأشهر الأخيرة من 2019 شهدت تضخما لعدد المتابعات والاعتقالات في حق العديد من الفاعلين الإعلاميين والحقوقيين والناشطين في منصات التواصل الاجتماعي. هذا التضخم يعزز المسار الذي اختاره نظام الحكم بعد الموجة الأولى لربيع 2011، وترسخ أكثر في السنة المنقضية والسنوات الأخيرة، حين أصبحنا أمام دولة بوليسية صريحة حتى المحاكمات فيها باتت مسرحا لتسيد التعليمات لا سيادة القانون.

ومن الملفات الحقوقية الحديثة، ومنها تلك الجارية أمام المحاكم والتي صدرت أحكامها قبل أسابيع، إدانة تلميذ بمدينة مكناس بـ 3 سنوات حبساً نافذاً بسبب تدوينة استقى بعض عبارتها من أغنية “عاش الشعب” الشهيرة. وفي مدينة خنيفرة، اعتقل ناشط حقوقي عبد العلي باحماد بتهم ثقيلة منها: المس بالمقدسات والإساءة لهيبة الدولة ورموزها ومقدساتها ومؤسساتها الدستورية. وفي مدينة سطات حكم “البودكاستر” والناشط المعروف باسم “مول الكسكيطة”، الذي اشتهر بموقع التواصل “يوتيوب” بعرضه للكثير من قضايا الفساد وانتقاداته للمسؤوليين عنها، بأربع سنوات بداعي الإساءة إلى “المقدسات”. أما صاحب الفيديوهات الشهير بـ“مول الحانوت” فقد اعتقل يوم الإثنين 5 دجنبر الجاري بمدينة الخميسات، وذلك مباشرة بعد نشره فيديو عبر صفحته الرسمية بموقع الفايسبوك، ينتقد فيه الوضع العام، فاضحاً على حد قوله الفساد والمفسدين. وبمدينة تطوان تستمر محاكمة المدون عدنان أحمدون على خلفية تدوينة منسوبة إليه دعم فيها مطالب سكان مدينة جرادة وحقهم في الاحتجاج السلمي في الأشهر الأولى من العام المنصرم.

هذا دون أن ننسى الملفاتِ التي تطبع سماء المغرب الملبدة بغيوم الخروقات الحقوقية؛ ملفَّ معتقلي حراك الريف القابعين في السجون بأحكام سياسية انتقامية ثقيلة، وملفَّ الصحافيين توفيق بوعشرين و حميد المهداوي اللذين يقبعان وراء القضبان بسبب خياراتهما ومواقفهما، وحالة عضو جماعة العدل والإحسان عمر محب الذي أمضى سنته التاسعة وراء أسوار السجن بتهمة مفبركة، وإدانة “المتهمين” في ملف عبد الحق حسيان ومن معه من صحفيين ذنبهم كشف الريع والفساد، وعبد الكبير الحر مؤسس الموقع الإخباري رصد المغربي الذي مازال يقضي سنوات سجنه الأربع، وحالات العديد من معتقلي ما يعرف بملف السلفية الجهادية… وملف ندية ياسين المتابعة بسبب تصريحها الشهير عن رأيها في نظام الحكم، وملف الإعلامي علي أنوزلا، ومحاكمة المعطي منجب والستة الذين معه، وغيرها من الملفات التي مازال سيف التأجيلات مصلتا على رقاب أصحابها.

طالع أيضا  عشرات الجمعيات والشخصيات تستنكر محاولة السلطات منع المؤتمر الوطني للجمعية المغربية لحقوق الإنسان

وقد واكب موقع الجماعة نت عشرات المتابعات والمحاكمات خلال هذه السنة، والتي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد؛ هذه عينة منها:

حملة اعتقالات بحق النشطاء الافتراضيين.. والجديد “إهانة المقدسات”
عرفت أروقة المحاكم في السنوات الأخيرة متهمين من نوع جديد؛ مدونين بمواقع التواصل الاجتماعي يُحاكمون بناء على تدوينات أو صور أو مقاطع فيديو، قد يذهب بعضها حد الاعتقال بتهمة الإشادة بالإرهاب أو إهانة المقدسات.

ولم يفت السلطة أن تستغل دخول هذه النوعية من القضايا إلى المحاكم لتنتهج وسيلتها في التضييق على النشطاء والمعارضين، فتقاطرت على المحاكم عدة قضايا تحتمل “لبساً كبيراً” بسبب اقترانها بالحق في التعبير عن الرأي، وأثار هذا النهج انتقادات واسعة بسبب تنقيب المحققين بين الكلمات والصور عما يمكن أن يحمل أوجه أدلة تدين أصحاب التدوينات، مع توظيف سلطة القضاء وتأويل النصوص للمزيد من التضييق على أصحاب الرأي المعارض.

متابعة الإعلامي الراضي في حالة اعتقال.. والسبب تدوينة سابقة تدين “أحكام الريف”
قررت النيابة العامة متابعة الإعلامي والناشط الحقوقي عمر الراضي في حالة اعتقال مع إحالته على جلسة مساء اليوم الخميس 26 دجنبر، في ابتدائية عين السبع بالدار البيضاء، وذلك بعد أن مثل صباح اليوم أمام الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بعدما توصل أمس باستدعاء للحضور، لم يكن يعرف موضوعه.

ويتابع الراضي بتهمة “إهانة رجل قضاء”، وذلك على خلفية تغريدة سابقة له بموقع التواصل الاجتماعي تويتر، والتي أدان فيها الأحكام الاستئنافية السياسية الثقيلة في حق معتقلي حراك الريف شهر أبريل المنصرم.

تزامنا مع متابعة صاحبي البيت المشمع بالبيضاء.. وقفة احتجاجية أمام المحكمة
أدرج اليوم 10/12/2019، بالمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، الملف الجنحي عدد 484/2019 المتابع فيه كل من الدكتور عبد الكبير حسيني والدكتور إبراهيم دازين، صاحبا البيت المشمع بالدار البيضاء، من أجل البناء بدون ترخيص، وتقرر تأجيله لجلسة 24/12/2019. ونظمت بالموازاة مع الجلسة وقفة احتجاجية أمام المحكمة تنديدا بالتشميع غير القانوني للبيت وبالمتابعة القضائية الانتقامية.

وللإشارة فالملف معروض على أنظار القضاء بعد الطعن التي تقدم به المتابعان ضد الحكم الابتدائي الصادر غيابيا في حقهما والقاضي بالحكم على كل واحد منهما بأداء غرامة مالية قدرها 100.000 درهم وهدم البناء المخالف.

في العاشر من دجنبر.. حقوق الإنسان بالمغرب تحت المجهر
لا تزال انتهاكات حقوق الإنسان أحد طرق تعريف الحياة بالمغرب، فوقائع القمع والتعذيب والاختطاف والشطط في استخدام السلطة، المتكررة بشكل ممنهج ومتواتر، والتي تقوم بها أجهزة الدولة مع تمتع الجلادين بالإفلات الدائم من العقاب دلائل دامغة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هذا البلد لم يقطع مع ماضي الانتهاكات الجسيمة، بل إنها مازالت مستمرة مشكلةً مسّا خطيرا بحقوق الأفراد وحرياتهم.

طالع أيضا  ذة. الرياضي: الانتهاكات اليومية والمتواصلة تعكس محنة حرية الصحافة في المغرب

تحل ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من دجنبر، وهي مناسبة لاسترعاء اهتمام المغاربة إلى مدى التزام بلدهم بحقوق الإنسان باعتبارها معياراً لتقدم الشعوب ونهضتها، ومع اقتراب سنة 2019 من الانتهاء مع حلول هذه الذكرى، نلقي قليلاً من الضوء على أبرز الانتهاكات الحقوقية التي طبعت هذه السنة أو تلك التي ما زالت مستمرة منذ سنوات خلت، لنعيد التذكير فقط أننا كنا في سنة قاتمة أخرى شهدت انتهاكات حقوقية بامتياز.

استطلاع رأي: 70% من المغاربة قلقون إزاء الاتجاه العام للبلاد
يتأكد مجددا أن أغلب المغاربة غير راضين عن مؤسساتهم السياسية التمثيلية، وذلك في دراسة أعدها المعهد المغربي لتحليل السياسات، ونشرها يوم الثلاثاء 03 دجنبر بالرباط تحت عنوان: “مؤشر الثقة وجودة المؤسسات”، تسعى إلى قياس وتحليل مستوى ثقة المغاربة في مختلف المؤسسات السياسية والاقتصادية.

فقد عبّر ما يقارب %70 من المغاربة عن قلقهم إزاء الاتجاه العام للبلاد، وحسب التقرير فهذا “يكشف عن درجة عالية من الشك والقلق لدى المغاربة فيما يتعلق بالمستقبل”، وأعربت نصف العينة من المغاربة أنها غير راضية عن الوضع الاقتصادي، إذ شارك نصف المغاربة في حملة المقاطعة، أي أكثر من عدد المغاربة الذين شاركوا في الانتخابات.

ثانيا: فاعلون يجمعون على رفض سياسة الدولة

أمام هذا التمدد الذي تريده السلطة لأجهزتها القمعية، وسعيها الحثيث لتكريس سياستها القمعية كي تصبح جزءا من بنية الواقع وحقيقته، انبرى طيف من الحقوقيين والفاعلين المدنيين والناشطين السياسيين لهذا الصلف المخزني والعنف الرسمي، وعبروا بالموقف والكلمة والفعل عن رفضهم لهذا المسار الذي يدفع في اتجاهه حاكمون لا يقدرون الأمور ولا خطورة الضغط المتزايد على المجتمع بأشكال مختلفة تتراوح من التضييق في المعاش إلى الاعتقال السياسي وراء القضبان.

وعلى مدار العام، استطلع موقع الجماعة آراء نخب وطنية حرة من أطياف عدة؛ إسلاميين ويساريين ومستقلين؛ أجمعوا على تصديهم لهذا الاختلال الحقوقي الكبير، وأكدوا أنهم ماضون في العمل من أجل مغرب الغد الحر الكريم، راسخون في أرضه رسوخ شجرة الأركان.

من ذلك، ما ستقاه الموقع قبل أيام بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان:

الرياضي: حقوق الإنسان بالمغرب اتخذت منعطفا تراجعيا “خطيرا”

اعتبرت خديجة الرياضي بمناسبة تخليد الذكرى 71 للإعلان العالمي؛ أن حقوق الإنسان بالمغرب اتخذت منعطفا تراجعيا “خطيرا”، وأن القضاء بات من أقوى وسائل الاستبداد والقمع كما كان في سنوات الرصاص.

وقالت إنه بسبب القضاء زج بعشرات المواطنين في السجون، وحكم عليهم بأحكام مثل التي عرفتها سنوات الرصاص. وبالتالي تضيف الرياضي “هو للانتقام والردع، والتخويف من أي نضال أو تعبير عن المطالب أو نقد للدولة”.

وأوضحت في تصريح لموقع الجماعة بمناسبة تخليد الحركة الحقوقية المغربية ليومها العالمي؛ أن الدولة استمرت في نهجها المعادي للحقوق والحريات بشكل أكثر حدة منذ سنة 2014، وهي سنة منعطف في تعامل الدولة مع التزاماتها مع حقوق الإنسان.

طالع أيضا  فتحي: عزيمة الطلبة لن تلين بسبب المحن

أغناج: 2019 سنة سوداء في سجل تاريخ الظلم والقهر
أكد محمد أغناج، محامي معتقلي حراك الريف والفاعل الحقوقي، أن وضعية حقوق الإنسان في المغرب لم تتغير، واستشهد على ذلك باستمرارية الانتهاكات وتكررها، واعتبر أن الإيجابي في هذا الوضع هو تيقن قوى الشعب الحية بأن أصل الداء هو الاستبداد الذي لا يمكن أن تزدهر في كنفه الحقوق.

وقال، في تصريح لموقع الجماعة نت بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، إنه “خلال السنوات الأولى من هذا القرن، ابتهج الكثيرون بالرسائل الملكية المخلدة لذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان، وما صاحبها من “إشارات” لطي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة”. غير أنه و”بعد عشرين سنة، نقف على حقيقة أن شيئًا لم يتغير”.

تشيكيطو: المدخل الحقيقي للمصالحة الحقوقية مع الشعب هو تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة
سجل رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب عادل تشيكيطو متأسفا استمرار “الهجوم الشرس وبشكل ممنهج، على المدافعات والمدافعين عن حقوق الانسان وعن كل من عاكس وجهة نظر الدولة في مجموعة من القضايا ذات الصلة بمجال حقوق الإنسان”.
وقال تشيكيطو في تصريح لموقع الجماعة بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان؛ إن العصبة سجلت خلال سنة 2019 بروز أنماط جديدة من الهجوم على هؤلاء المدافعات والمدافعين، تمثل في تشميع البيوت والإعفاءات من مناصب المسؤولية، واستهداف الشرف والاعتبار الشخصي، من خلال استعمال بعض المنابر الإعلامية المتخصصة في التشهير، ناهيك عن المتابعات القضائية بناء على تهم ملفقة وقضايا ترتبط بالحياة الشخصية للأفراد.

الزهاري: المغرب يتجه نحو المزيد من التسلط والاعتداء العلني على الحقوق والحريات
اعتبر الفاعل الحقوقي المغربي البارز محمد الزهاري أن المغرب يعيش “ردة حقوقية واضحة” في مجالات متعددة، معزيا ذلك إلى “ارتفاع منسوب الردع العام ورغبة مقصودة لاجتثات منابع الاحتجاج والتظاهر”.

وفي تصريح خص به موقع الجماعة نت، بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، أكد الزهاري أن الحركة الحقوقية المغربية ترصد أن الدولة تتعامل مع كامل الأسف في أغلب الحالات بـ”عقلية أمنية صرفة”، و”تستحضر لغة العصا على لغة الحوار”، وهو ما يؤدي إلى استمرارها في خرق مقتضيات الدستور خاصة الفصول 23، 24 و29، يضيف الناشط الحقوقي.

سلمي: المغرب يعيش وضعية حقوقية صعبة للغاية
اعتبر الدكتور محمد سلمي منسق الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان أن المغرب يمر “بوضعية حقوقية صعبة للغاية”.

وفي الوقت الذي هنأ فيه سلمي المدافعات والمدافعين عن حقوق وكرامة الإنسان، بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، أوضح أن تلك “الوضعية الصعبة” تسائل “المقاربات الأمنية المتبعة في معالجة الكثير من القضايا، ومدى انسجامها مع خيار الاستثناء المغربي، ومسار العدالة الانتقالية، وطي صفحة الانتهاكات الجسيمة لسنوات الجمر والرصاص”.

يمكنكم متابعة المزيد عبر هذا الملف.