لم يكن انحياز الأستاذ عبد السلام ياسين رحمة الله عليه ومنذ البداية إلى علم التصوف، بل وإصراره على إعلان دخوله حضن الزاوية القادرية البوتشيشية ـ في مرحلة من حياته ـ وتتلمذه على يد الشيخ العباس، رحمة الله عليه، بها بالشيء الهين على أحد رواد الحركة الإسلامية، خاصة وشِرة الحملات التكفيرية التي حمل لواءها أنصار الحركة الوهابية التي كانت تملك حينئذ المال والعتاد، والنصير الشعبي والرسمي، على التصوف وأهله والقوم وكتاباتهم.

لقد كان كل ذلك تجديدا لأحد أعمدة التدين في الإسلام وتأصيلا لما سماه القرآن الكريم “تزكية، وسماه الاصطلاح التاريخي تصوفا، وسماه شيخ الإسلام ابن تيمية فقه السلوك” 1، وذلك من خلال إيجاد التوازن المطلوب في  الشخصية الإسلامية عبر المسك بجوهر الدين، دون أي سقوط في التصوف الفلسفي الشاطح، من جهة، أو الخواء الروحي الذي تعانيه الدعوة من جهة أخرى.

فلم يقف رحمه الله عند التصوف، والتشدد في الاسم حتى بعد علمه بسلامة الأصل والمبنى، وهو الذي استخرج شهادات لعظام الأئمة خاصة ممن اشتهروا بدفع “بدعة” التصوف من أمثال ابن القيم الجوزية وابن تيمية والجوزي وغيرهم، إذ وبعد أن وضع الكلمة ومشمولها في  إطارها في الزمان والمكان، وبين أهل الحديث والفقه، بل وحتى بين آل الغلو والشطح والفلسفة، نافيا عنها وعن أهلها كل شائبة إلا ما كان منهم ممن “يزعم أن السلوك إلى الله عن طريق الحب أمر إرادي يتحقق بدون اعتبار الأمر والنهي الوارد بهما الشرع”. 2

قال “لست أدعوا إلى التصوف، ولا أحب الاسم والشكل لأني لا أجدهما في كتاب الله وسنة رسوله بعد أن اخترت جوار القرآن والجلوس عند منبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. ولا حاجة لي بالمصطلحات المحدثة، فلي غنى عنها بلغة القرآن وبيان إمام أهل الإحسان. لكن الحق الذي مع الصوفية، حق حب الله تعالى وابتغاء وجه وإرادة الوصول إليه التماس الطريق لمعرفته وما يكرم به الحنان المنان المصطفين من عباده، حق ثابت في القرآن والسنة، ثابت في حياة من تعرض لنفحات الله وصدق في الله وذكر الله وسار إلى الله” 3.

ثم إن هذا الحق الثاوي بين جنبات أهل  العرفان أرباب القلوب ممن أخذ إرث النبي صلى الله عليه وسلم كابرا عن كابر، والذين أيقنوا بضرورة “المربي/ المزكي” في السلوك إلى الله الحليم المنان قال تعالى هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين 4. وقال عز من قائل كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم 5 وهو لفظ صريح في حاجة التزكية إلى المزكي/المربي. ذكر القرطبي في تفسيره “يزكيهم” أي يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان. كان لزاما لهذا الحق أن يعلن، قال الشيخ رحمة الله عليه: “عند السواد الأعظم من العاملين للإسلام شعور غامض بالحاجة إلى تربية روحية، وقلق، وملل، لكن كلمة “تصوف”، وكلمة “شيخ” وكلمة انتساب، وكلمة  “صحبة” تبقى في حيز مظلم في قاع المخزون الفكري لعامة العاملين، يحيط بها الشك والإبهام والحذر أو صريح الرفض والعداء والقتال” 6.

لكن الشيخ الجليل أيضا لم يقف عند مصطلح التزكية هذا ولا حتى اصطلاحات أخرى واردة في كتاب الله تعالى، حاول من خلالها مجموعة من الأئمة كان آخرهم الشيخ سعيد رمضان البوطي والإمام الندوي رحمة الله عليهم جميعا تجنب الحرب الشعواء التي أعلنها المبدعون على لفظة التصوف، من مثل التقرب إلى الله والزهد  وغيرها.

طالع أيضا  إيدوز: الإمام ياسين يعتبر الاستقرار الأسري أساس التغيير والأم البارة الصالحة عماده

قال: “هذه النفوس الصاحية إلى الإسلام، وهذا الشباب المتطلع إلى الصلاح كيف نهدي إليه والمعمعة حامية بشرى التزكي وترياق الشفاء تحت شعار مقبول مثل ـالتربية الروحيةـ دون أن نذكر الكلمة/الحرب ودون أن نصارح هذه الأجيال الصادقة بأمانة وصدق أن التصوف عمل، وأن العلم بما هو التصوف فرض على كل ناصح لنفسه..”.

فقد اختار كلمة الإحسان والتربية الإحسانية: التربية بما هي عمل المربي ووسيلته، والإحسان بما هو غاية. بدءا بإتقان العمل، وبر المعشر، وسمو العبادة باستحضار معية الله للعبد.

والإحسان “رتبة في الدين ودرجة في التقوى، لها الأهمية القصوى. الإحسان غاية الغايات ومحط نظر ذوي الهمم العالية من الرجال”. قال تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ 7. “درجة ثالثة بعد الإسلام والإيمان، فوقهما، بناء عليهما لا تحليقا، لا إيمان بلا إحسان، ولا إحسان بلا إيمان”.

مجموع هذه الدلالات “يعطينا مواصفات المؤمن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، يعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس وبالأشياء. علاقته بربه تكون إحسانيه إن حافظ على ذكره لا يفتر عن مراقبته وخشيته ورجائه ودعائه ومناجاته. بهذا الإحسان في عبادة ربه يطيب قلبه وتجمل أخلاقه وتصلح نواياه وأفعاله، فيكون للخلق رحمة يعم نفعه العالم الأقرب فالأقرب. ونفعه للمجتمع والناس كافة لا يتوقف على حسن النية وجمال القصد والإسراع إلى الفعل فقط، بل يتوقف أيضا، وبالمكانة المؤكدة، على خبرته ومهارته وقدرته على إتقان ما هو موكول إليه من أعمال”

بل يسفيض في القول مشيرا من طرف خفي إلى مكانة الكلمة وسمو الاختيار، مقدما لكتابه المعنون بالإحسان:  

طالع أيضا  الإمام المجدد.. روحا فسيحة ورحمةً لا ممسك لها

“الله سبحانه وتعالى أحسن صبغة وأحسن قيلا. وهو أحسن الخالقين. ومن إحسانه يفيض الخير على من أقرض الله قرضا حسنا. منه إلينا الرزق الحسن والمتاع الحسن في الدنيا والحسنى وزيادة في الآخرة إن نحن أحسنا في هذه الدنيا حسنة، وهاجرنا فيه ليبوئنا في الدنيا حسنة. يزيدنا حسنا إن اقترفنا حسنة، ويعطينا إن أحسنا الدعاء في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. له الأسماء الحسنى سبحانه. دعانا رسوله المصطفى بالموعظة الحسنة. فإن نحن استجبنا لربنا وصدقنا بالحسنى أعطانا الحسنى في هذه الدار، وجعلنا من المبعدين عن النار مع الذين سبقت لهم منه الحسنى.

أمرنا أن نتبع أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، وهو كتابه العظيم وسنة رسوله الكريم، وفي كتابه وسنة رسوله الإحسان إلى الوالدين، والدفع بالتي هي أحسن… وأن نقول للناس حسنا، وأن نجازي بالإحسان إحسانا.

خلقنا سبحانه في أحسن تقويم ثم ردنا أسفل سافلين في دار الإمتحان ليبلونا أينا أحسن عملا، فمن آمنوا وعملوا صالحا كان لهم أجر غير ممنون، وكلما كان إيمانهم أكمل وعملهم أحسن كانوا أقرب إلى نيل كمالهم الأخروي حيث يحشرون في دار النعيم في أحسن تقويم. خرجوا من الامتحان صالحين. هنالك في مقعد الصدق يقال لهم ما قيل للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين: سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين.

سلام على آل ياسين إنا كذلك نجزي المحسنين لهم ما يشاؤون عند ربهم كذلك نجزي المحسنين 8 9.


[1] الإحسان 1، ص 9.
[2] الإحسان 1/ 174.  
[3] الاحسان 1، ص 23.
[4] الجمعة 2
[5] البقرة 151
[6] الإحسان 1/249.
[7] المائدة الآية 93.
[8] الزمر الآية 33″.
[9] الإحسان1/20.