للتعرف على سجايا الإمام وأخلاقه الكريمة، حاور موقع مومنات نت أحد رفاق دربه الذين خبروا أخلاقه عن قرب، عاشروه ردها من الزمن غير يسير، وصحبوه أخا ومربيا وقائدا، وكان لهم حظ واسع من الاطلاع على معاملته على المستويين التنظيمي والإنساني، إنه الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان. فتعالوا معنا إلى هذا السفر الشائق والماتع نتعرف على جوانب جديدة من حياة الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى.

الأستاذ محمد عبادي، مرحبا بك في موقع مومنات. في سؤال أول نود أن نعرف متى بدأت علاقتك بالإمام رحمه الله تعالى؟ وما هي المحطات الكبرى التي عشتها معه في جماعة العدل والإحسان؟

بارك الله في الموقع والساهرات عليه، وشكرا على هذه الاستضافة وعلى الاهتمام بحياة المرشد الإمام المجدد رحمه الله.

علاقتي بالإمام المجدد رحمه الله تعالى بدأت عاطفية قلبية من خلال قراءتي لكتابه “الإسلام بين الدولة والدعوة”، وظل القلب يتلهف شوقا ليوم الوصال، غير أن خبر اعتقاله وإدخاله مستشفى المجانين خيب الأمل، ومرت أعوام ولا خبر عن الرجل، وبينما كنت أطوف على الأكشاك في مدينة آسفي، التي كنت طالبا فيها في مركز تكوين الأساتذة، بحثا عن إصدارات جديدة، فإذا بي أعثر على العدد الأول من مجلة “الجماعة”، ويا لها من فرحة غمرتني وأنا أتابع قراءة المجلة بدون توقف، انتظرت عطلة الأسبوع على أحر من الجمر وشددت الرحلة إلى مراكش حيث كان يقيم الإمام رحمه الله، وكان اللقاء الذي شعرت فيه كأنما ولدت من جديد، وامتلأ القلب سكينة وسعادة وحبورا. ثم بدأت زياراتي له تتكرر، وكلما زرته ازددت محبة له وعظُم في عيني لما اكتشفت فيه من سجايا وخصال قلما تجتمع في شخص واحد.

طالع أيضا  التربية الإحسانية بين التزكية والتصوف.. تجديد فقه السلوك عند الأستاذ عبد السلام ياسين

لا أذكر أني تخلفت عن أي محطة من محطات الجماعة لغير عذر قاهر، فقد عشت معه مرحلة محاولة توحيد العمل الإسلامي بالمغرب، ثم مرحلة تأسيس الجماعة وإرساء أسسها، ومراحل الابتلاءات المتلاحقة والمتنوعة من اضطهاد واعتقال وسجون وحصار ومداهمات للبيوت، وكان يعتبر هذه الابتلاءات منحاً إلهية وليست مِحناً، وعشت معه ما أنعم الله به على هذه الجماعة من انتشار واسع وحضور فعال في المواقف الرجولية التي أبلى فيها كل أبناء وبنات الجماعة البلاء الحسن.

نقرأ من إجابتك إذن أن صحبتك للإمام كانت طويلة، كيف خبرت أخلاقه رحمه الله منذ زيارتك الأولى له إلى أن رحل إلى جوار ربه؟

فعلا إنها صحبة بضع وثلاثين سنة. الإمام رحمه الله تعالى بحر، والجانب الأخلاقي بارز في شخصيته، والحديث عنه لا يسعه حوار في موقع أو مجلة، ولذا سأكتفي بلقطات سجلتها ذاكرتي مما شاهدته منه أثناء هذه الزيارات، كان بيته قبلة لأبناء الحركة الإسلامية بمختلف مشاربها، فكان يستقبل الوافدين بالترحاب والإكرام، وكان لزوجته للا خديجة الدور البارز في ذلك، وإذا حضر الطعام كان يحرص على خدمة ضيوفه بنفسه.

كان يُنزل الناس منازلهم، ويُحب أن يسمع منهم أكثر مما يتكلم، وإذا تكلم فحديثه حكمة وموعظة وبسط ودعابة أحيانا، يصبر على من يغلظ له القول، وقد حضرت مشهدا لا أنساه، ولعله كان في الزيارة الثانية له؛ جاء شاب وفي يده نسخة من كتاب “الإسلام غدا”.. انتقى منه فقرات يزعم بفهمه الكليل أنها دالة على شرك الإمام رحمه الله، وتركه الإمام يفرغ ما في جعبته من تهم، ولما فرغ رفع الإمام سبابته إلى السماء ناطقا بالشهادتين ثم قال للشاب: هل تشهد الآن أنني مسلم أم لا؟ فتعجبت من حلم الإمام وصبره ورفقه.

طالع أيضا  عموري يستجلي أخلاق الرسول الكريم

وكان الحاضرون إذا أرادوا الانصراف سبقهم إلى الباب ورتب أحذيتهم، وإذا قرب وقت الصلاة ختم المجلس قبل الأذان بدقائق واصطحبنا معه إلى المسجد، ولا ينصرف حتى ينهي الإمام الدعاء.

كان يعزم علي أحيانا أن أبيت عنده فكنت أرقب سلوكه في المنزل؛ يستيقظ قبل الفجر بحوالي ساعتين ويهرع إلى الوضوء بسرعة فائقة، يتجنب الإسراف في الماء، ثم يقبل على صلاة الوتر النبوي إحدى عشر ركعة، يقرأ في كل ركعة ربع حزب، يُتبع الصلاة بقراءة السور والآيات الفاضلة، وفي دعاء الرابطة تراه منكس الرأس خاشعا. وبعد الصبح يُمدني بما يراه مفيدا للقراءة، وينصرف إلى بيته لأذكار وقت الشروق. ولا زلت أتذكر في اليوم الأول الذي بت عنده كيف حرص على مرافقتي بعد الفطور إلى محطة الحافلات، وظل واقفا معي ولم يودعني إلا بعد أن ركبت الحافلة.

في بيته لا تراه إلا جالسا مستقبل القبلة، صليت نافلة في بيته ورفعت يدي أدعو الله تعالى فإذا بي أُفاجأ به جالسا إلى جانبي يتابعني في الدعاء، إنها أخلاق العارفين. أكرمني الله بمرافقته إلى مدينة طنجة في مرحلة محاولة توحيد العمل الإسلامي فانتهز الفرصة لزيارة علمائها، ومنهم المحدث سيدي عبد الله بن الصديق، ولما دخلنا عليه انكب الإمام رحمه الله على تقبيل يده وطلب منه أن يحدثنا بحديث الأولوية “الراحمون يرحمهم الرحمان، ارحموا من الأرض يرحمكم من في السماء” التماسا لبركة السند على ما كان عليه علماء الأمة.

حدثتنا عن أحواله في بيته ومع ضيوفه، فهلا تحدثنا عن تعامله معكم أعضاء مجلس الإرشاد.

تتمة الحوار على موقع مومنات نت.