عرفت أروقة المحاكم في السنوات الأخيرة متهمين من نوع جديد؛ مدونين بمواقع التواصل الاجتماعي يُحاكمون بناء على تدوينات أو صور أو مقاطع فيديو، قد يذهب بعضها حد الاعتقال بتهمة الإشادة بالإرهاب أو إهانة المقدسات.

ولم يفت السلطة أن تستغل دخول هذه النوعية من القضايا إلى المحاكم لتنتهج وسيلتها في التضييق على النشطاء والمعارضين، فتقاطرت على المحاكم عدة قضايا تحتمل “لبساً كبيراً” بسبب اقترانها بالحق في التعبير عن الرأي، وأثار هذا النهج انتقادات واسعة بسبب تنقيب المحققين بين الكلمات والصور عما يمكن أن يحمل أوجه أدلة تدين أصحاب التدوينات، مع توظيف سلطة القضاء وتأويل النصوص للمزيد من التضييق على أصحاب الرأي المعارض.

متابعات.. باسم إهانة المقدسات

ففي الأسبوع الماضي، أدين بـ 3 سنوات حبساً نافذاً تلميذٌ بمدينة مكناس يتابع دراسته بالسنة الأولى باكلوريا، مع تغريمه 5000 درهم، بسبب تدوينة اعتبرتها السلطات “قذفا” و إهانة “للمقدسات”، حيث استقى تدوينته من كلمات أغنية الراب “عاش الشعب” الشهيرة.

أما بمدينة خنيفرة، فقد اعتقل ناشط حقوقي بتهم ثقيلة منها: المس بالمقدسات والإساءة لهيبة الدولة ورموزها ومقدساتها ومؤسساتها الدستورية، على خلفية تدوينات على موقع التواصل “فايسبوك”، اعتبرت إحداها مشيدة بحادث إحراق العلم الوطني في مظاهرة جرت في فرنسا، وسيُعرض مجددا على أنظار القضاء للبت في قضيته، طبقا للفصول 444/142/179 من القانون الجنائي المغربي.

وبمدينة سطات يتابع “البودكاستر” والناشط المعروف باسم “مول الكسكيطة”، الذي اشتهر بموقع التواصل “يوتيوب” بعرضه للكثير من قضايا الفساد وانتقاداته للمسؤوليين عنها، بتهمة إهانة المؤسسات الدستورية وبمقتضيات الفصل 179 من القانون الجنائي المتعلق بفعل الإساءة إلى شخص الملك، الذي ينص على العقوبة بالحبس من سنة واحدة إلى خمس سنوات، وبغرامة من مائتين إلى ألف درهم ضد من ارتكب إهانة موجهة إلى شخص الملك أو إلى شخص ولي العهد ومن ارتكب إهانة موجهة إلى أعضاء الأسرة الملكية.

طالع أيضا  لجنة حقوقية وطنية تطالب بإطلاق سراح ياسر عبادي وكافة المعتقلين.. وتحذر من استغلال حالة الطوارئ

أما صاحب الفيديوهات الشهير بـ “مول الحانوت” فقد اعتقل يوم الإثنين 5 دجنبر بمدينة الخميسات، وذلك مباشرة بعد نشره فيديو عبر صفحته الرسمية بموقع الفايسبوك، ينتقد فيه الوضع العام، فاضحاً على حد قوله الفساد والمفسدين.

وبمدينة تطوان تستمر محاكمة المدون عدنان أحمدون على خلفية تدوينة منسوبة إليه دعم فيها مطالب سكان مدينة جرادة وحقهم في الاحتجاج السلمي في الأشهر الأولى من العام المنصرم.

انتقادات متواليات

المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان (أكبر منظمة حقوقية في المغرب) أصدر بياناً بعنوان “إهانة المقدسات.. تهمة تشهر من جديد في وجه المنتقدين”، استنكر من خلاله تعرض مواطنين مغربيين “لمحاكمة الرأي وهما في حالة اعتقال، بكل من سطات وتيفلت، بسبب تعبيرهما سلمياً بوسائل التواصل الاجتماعي، عن رأيهما في نمط الحكم بالمغرب وانتقادهما للأوضاع السياسية بالمغرب وفساد المسؤولين، محملين المسؤولية للملك في تصريحاتهما”، ويتعلق الأمر بكل من محمد السكاكي المعروف “بمول الكسكيطة”، الذي اعتقل يوم 30 نونبر 2019 بسطات وأحيل على المحكمة بتهم مختلفة من بينها إهانة المؤسسات الدستورية، و”محمد بودوح” المعروف “بمول الحانوت” الذي تم اعتقاله أيضا يوم 9 دجنبر 2019 بتيفلت، وأحيل على المحكمة بتهم إهانة المؤسسات الدستورية وإهانة هيئات منظمة بمقتضى القانون.

بيان الجمعية اعتبر هذه الاعتقالات مؤشراً على “موجة جديدة من محاكمات الرأي تحت يافطة المس بالمقدسات، كالتي تابعتها الجمعية في الفترة السابقة لاندلاع حراك 20 فبراير”، وشددت الجمعية على أن هذه الاعتقالات والمحاكمات تشكل “هجمة شرسة على المكتسبات في مجال الحقوق والحريات، وهي إحدى أبرز مظاهر الردة الحقوقية التي تعرفها بلادنا منذ بضع سنوات”.

وفي هذا السياق قال عزيز غالي رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان على هذه المتابعات، في تصريحه لوكالات إعلامية، “لاحظنا عودة قوية ل”موجة” تحريك المتابعات بتهم “المس بالمقدسات ومؤسسات الدولة وهبتها”، بعدما اختفت خلال المرحلة السابقة، وظن الجميع حينها أن المغرب فتح مرحلة انفراج سياسي وحريات التعبير والتنظيم، لكن سرعان ما عادت الدولة لفرض رقابتها على الفضاءات الرقمية تحت طائلة الاعتقال، وذلك بعدما أغلقت السلطات الفضاءات العمومية ومنعت فيها الاحتجاج، وصادرت حق الجمعيات في التنظيم، خصوصا الحقوقية وكذا تنسيقيات الملفات الاجتماعية”، مضيفاً بأن العودة القوية للمقدس في متابعة المغاربة تؤكد أن “جميع مستعملي الفايسبوك ومنصات التواصل الاجتماعي بالمغرب، يوجدون في حالة سراح مؤقت”، ذلك أن الدولة يقول غالي باتت تنتظر الفرصة لمحاكمة نشطاء شبكات التواصل الاجتماعي، ما يشكل ردة حقوقية تكشف زيف شعار “حرية التعبير”، الذي ترفعه الدولة لتلميع صورتها في الخارج.

طالع أيضا  مشروع القانون 20\22.. جريمة في حق الوطن

وسبق لـ”هيومن رايتس ووتش” أن أصدرت تقريراً تنادي فيه بحذف “العقوبات السجنيّة في قضايا التعبير السلمي” بالمغرب، حيث استغربت “محافظة القانون الجنائي المُعدل بوجه خاص على عقوبة السجن للتعبير الذي يمس بالنظام الملكي، وشخص الملك، والإسلام و”الوحدة الترابية” للمغرب وهي “الخطوط الحمراء” التي تقيّد مناقشة بعض القضايا الرئيسية في المملكة بشكل نقدي”. وأضافت أن العديد من جرائم التعبير من قبيل: القذف في حق مؤسسات الدولة، وإهانة موظفين عموميين أثناء أدائهم لعملهم، والإشادة بالإرهاب، والتحريض على الكراهية أو التمييز، وتحقير المقررات القضائية بنية المساس بسلطة أو استقلال القضاء قد “صيغت بشكل فضفاض، مما يزيد من خطر استخدامها من قبل القضاة لقمع حرية التعبير”.

أحمد بنشمسي، مدیر المرافعة والتواصل في قسم الشرق الأوسط وشمال أفریقیا لـ”هيومن رايتس ووتش”، أرفق بنفس التقرير تصريحاً قال فيه “في الـ 15 سنة الماضية، أصدرت المحاكم عقوبات قاسية في حق العديد من الصحفيين، ومنهم من سجنوا أيضا”، وأعطى أمثلة عن هذا بسرده لمجموعة من الحالات: “فالصحفي علي المرابط في 2003 حوكم ب3 سنوات بسبب “المس بالنظام الملكي والوحدة الترابية”، وهذا لا يسري على الصحفيين فقط بل على أي مواطن عبّر عن رأيه علناً يمكن أن يدخل للسجن، ففي 2008 مثلاً حكم على تلميذ عمره 18 عام بآيت ورير بالسجن لمدة عام ونصف بتهمة المس “بالمقدسات” لأنه كتب بسبورة القسم “الله، الوطن، البارصا”، وتابع بقوله: “لنكن واضحين: حرية التعبير حق من حقوق الإنسان، ما دمت لا تدعو مباشرة إلى العنف أو الكراهية أو شي من هذا القبيل، فمن حقك أن تقول ما تشاء في أي موضوع”.